عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

ابتهال عبد الوهاب: بيت ابي.. الطفولة التي لم ترحل ودفء الايام البعيدة

ثمة اماكن لا نغادرها مهما ابتعدت بنا الطرق، لانها ببساطة لم تكن يوما خارجنا.. اماكن تتسلل الى ارواحنا بهدوء، ثم تستقر فيها كجزء من تكويننا الداخلي، فنحملها معنا اينما ذهبنا، كما تحمل الاشجار رائحة الارض الاولى في اعماق جذورها.

وبيت الاب ليس مجرد مكان نتذكره حين يمر الحنين عابرا، بل هو الذاكرة حين تتحول الى وطن، وهو الطفولة حين تتجسد في جدران، وهو القلب الاول الذي تعلمنا داخله معنى الامان والحب والانتماء.

كلما تقدم بنا العمر، ادركنا ان البيوت ليست سقوفا وابوابا ونوافذ فحسب، بل ارواح خفية تحفظ ضحكاتنا، وتخبئ دموعنا، وتعرف ارتجافة قلوبنا الاولى.

ولهذا حين نعود الى بيوت الطفولة، لا نعود اليها وحدها، بل نعود الى انفسنا القديمة، الى ذلك الكائن البريء الذي كان يرى العالم بعينين ممتلئتين بالدهشة.

بيت ابي...

ذلك البيت الذي لم يكن واسعا بالضرورة، لكنه كان يتسع لقلوبنا جميعا.. كان يشبه قصيدة قديمة لا يبهت معناها مهما مرت عليها السنون، وكانت تفاصيله الصغيرة اكثر دفئا من مدن كاملة.

وكان يشبه حضن ام في ليلة شتاء طويلة، دافئا الى حد البكاء.

يشبه نهرا صغيرا كلما ابتعدنا عنه ازداد عطشنا اليه.

يشبه ضوء المغيب حين ينسكب على الجدران القديمة بحزن جميل

يشبه مركبا خشبيا قديما، تتعبه الامواج لكنه لا يغرق ابدا.

هناك، كانت الحياة بسيطة الى حد القداسة، رائحة الخشب العتيق، فناجين الشاي الساخنة، تكعيبة العنب التي تعرش فوق الذاكرة، شجرة الياسمين التي كانت تنثر البياض على ارواحنا قبل ان تنثره على الجدران.

ما اعجب البيوت التي يسكنها الحب...

انها لا تموت ابدا.

تبقى حية حتى وان اغلقت ابوابها، لان الحب يترك اثره على الاشياء كما يترك المطر رائحته على التراب.

كنت اشعر دائما ان جدران بيت ابي تحفظ اصواتنا، وان النوافذ تعرف وجوهنا، وان الممرات القديمة مازالت تنتظر وقع خطواتنا الصغيرة.

في بيت ابي تعلمت ان الطمأنينة ليست كلمة، بل شعور يشبه الضوء حين ينساب بهدوء في اخر النهار.

وهناك ايضا عرفت ان الانسان لا ينتمي الى المكان لانه عاش فيه فقط، بل لانه ترك جزءا من روحه عالقا بين زواياه.

لهذا كلما مررت بذلك البيت العتيق، اشعر ان قلبي يركض نحوه كطفل عاد اخيرا من غربة طويلة.

احن الى ذلك البيت كما يحن العابر الى وطنه الاول.

احن الى النعناع والريحان، الى رائحة البرتقال حين يمتزج بصوت المساء، الى طنين النحل ورفرفة الفراشات، الى الاريكة القديمة التي كانت تحمل احاديث العائلة ودفء الايام.

احن الى زمن لم يكن مثاليا، لكنه كان نقيا... نقيا الى الحد الذي يجعل ذكراه تؤلمنا كلما تذكرناه.

لقد سكنت بيوتا كثيرة، وتجولت في مدن عديدة، ورأيت وجوها لا تحصى، لكن شيئا في داخلي ظل واقفا هناك... في بيت ابي.

كأن روحي لم تغادره تماما، وكأن طفولتي مازالت تجلس في الحوش تحت شجرة الياسمين، تنتظرني كلما ارهقني العالم.

بيت ابي لم يكن منزلا فقط، بل كان فلسفة كاملة للحياة.

كانت ابوابه المفتوحة تعلمنا معنى الكرم، وكانت نوافذه المشرعة تقول لنا ان الحرية اجمل من الخوف، وان البيت الحقيقي هو الذي يمنح الروح اجنحتها، لا الذي يحاصرها بالجدران.

لهذا اؤمن ان بعض البيوت لا تهدم ابدا، حتى وان اختفت من الوجود.

تبقى قائمة في اعماقنا كالمعابد القديمة، يضيئها الحنين كلما اظلمت ارواحنا.

بعض الأماكن أكثر إنسانية من البشر. تمنحنا دفئا لا تفسير له، تزيل عن القلب وحشة الأيام، وتسكب فينا سلاما عميقا يشبه الاعتراف. هي ليست جدرانا ولا نوافذ، بل صدور خلقت لتحتوي تعبنا، وتقول لنا بصمتها: ما زلت أعرفك… وما زلت أحفظ أثر خطواتك.. هذا هو بيت ابي

لقد سكنت بيوتا كثيرة، وتجولت في مدن عديدة، ورأيت وجوها لا تحصى، لكن شيئا في داخلي ظل واقفا هناك... في بيت ابي.

كل البيوت تشيد من طين وحجر،

الا بيت ابي...

فقد بني من دفء القلب، ولذلك سيظل خالدا في الذاكرة، عصيا على النسيان.

***

ابتهال عبد الوهاب