أقلام ثقافية
عبد السلام فاروق: ذاكرة النار.. معركة طه حسين "في الشعر الجاهلي"!
بين يدي الآن نسخة قديمة من الطبعة الأولى لكتاب "في الشعر الجاهلي"، تتناثر بين صفحاتها هوامش بقلم رصاص، وتحتفي حواشيها بعلامات استفهام وتعجب، وكأن القارئ الذي مر عليها قبل عقود كان يحاور النص بحرارة، أو يستفهم منه بقلق المستنير. هذا الكتاب الذي صدر قبل مائة عام، لا يزال ينبض بسؤال النهضة، وينزف جرح الهوية، ويثير غبار المعارك الفكرية التي ظننا أنها انتهت، فإذا بها تعود في ثياب جديدة، وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة.
نظم معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفالية بمئوية هذا الكتاب المثير للجدل، إلى جانب اختياره نجيب محفوظ شخصية للمعرض. لا أعرف إن كان القرار مقصوداً أم مصادفة، لكن الثنائية عميقة الدلالة: طه حسين ونجيب محفوظ، رجل الشك ورجل التساؤل، صاحب "في الشعر الجاهلي" وصاحب "أولاد حارتنا". كلاهما اخترق المناطق المحرمة، وكلاهما دفع الثمن، وكلاهما أصبح جزءاً من أسطورة الثقافة العربية الحديثة التي تتراوح بين التقديس والتحريض.
جرح ثقافي لم يندمل!
عندما صدر الكتاب عام 1926، كانت المنطقة العربية تمر بلحظة تأسيسية حرجة: خروج من سبات العثمانيين الطويل، مواجهة مع الاستعمار الجديد، بحث عن هوية في عالم يتشكل بمنطق القوميات والدول. وفي هذا المناخ، جاء كتاب طه حسين ليسأل أسئلة أبعد من الشعر الجاهلي، ليتناول أسس الهوية نفسها: كيف نقرأ تراثنا؟ بأي منهج نتعامل مع موروثنا؟ أين يبدأ الدين وأين تنتهي السياسة؟
لم يكن طه حسين يكتب عن الشعر فقط، كان يكتب عن منهج التفكير. كان يستعير ديكارت ومبدأ الشك المنهجي ليضعه في قلب الثقافة العربية التي كانت تعتمد التسليم والاتباع. قوله بأن الشعر الجاهلي موضوع، وأنه منحول من العصر الإسلامي لأسباب سياسية وقبلية، لم يكن مجرد رأي في النقد الأدبي، بل كان ضربة في الصميم لكل السرديات المستقرة عن الأصل والهوية.
أحس كثيرون أن طه حسين لا يشكك في الشعر فقط، بل يشكك في "الجاهلية" ككل، وبالتالي في "الإسلام" كقطيعة وحلول. وإذا كان الشعر الجاهلي منحولاً، فما قيمة كل ما بني عليه من قيم وأخلاق وتاريخ؟ السؤال كان وجودياً، والخشية من أن يؤدي الشك في الشعر إلى الشك في كل شيء كانت حقيقية.
ما فعله طه حسين هو محاولة نقل العقل العربي من حالة اليقين المطلق إلى حالة التساؤل النسبي. اعتماده على منهج الشك المنهجي كان ثورياً في زمانه. لقد طرح سؤالاً بسيطاً وجوهرياً: إذا كان هذا الشعر قد دون في العصر الإسلامي، بلغة قريش الموحدة (لغة القرآن الكريم)، فكيف نوفق بين ذلك وتعدد لهجات القبائل في الجاهلية؟ كيف نصدق أن هذه اللغة الموحدة كانت لغة شاعرة من شعراء الجاهلية المزعومين؟
السؤال اللغوي كان مدخلاً لإشكالية أكبر، إشكالية التدوين والسلطة. من يدون؟ ولمن؟ ولماذا؟ وهل يمكن فصل عملية التدوين عن الأغراض السياسية للدولة الإسلامية الناشئة التي أرادت توحيد اللغة كما توحد الأرض؟
هنا كان طه حسين يلامس أعصاباً حساسة: العلاقة بين السلطة والمعرفة، بين السياسي والديني، بين التوحيد والتعدد. كان يقول، بطريقة غير مباشرة، إن التاريخ يكتبه المنتصرون، وإن الشعر الجاهلي لم يسلم من هذه القاعدة.
ما حدث بعد نشر الكتاب كان أشد إثارة من الكتاب نفسه. تحول النقد الأدبي إلى معركة سياسية، والجدال الفكري إلى صراع حزبي. سعد زغلول يهدد بالاستقالة من البرلمان، نواب الوفد يستجوبون الحكومة، صحفيون يقدمون بلاغات، كتاب يسحب من الأسواق، مؤلف يحاكم.
لكن المحاكمة كانت لحظة فارقة. فالقاضي محمد نور، في مرافعته التي اكتشفها خيري شلبي لاحقاً، برأ طه حسين بلغة النقد الأدبي. كان القاضي يقول، في جوهر كلامه: إن قضية الشعر قضية أدبية يجب أن تحسم بأدوات النقد، لا بأدوات القانون. كانت هذه المحاكمة اعترافاً بوجود مجال مستقل للأدب والفكر، له منطقه الخاص المختلف عن منطق المحاكم.
لكن اللافت أن الردود على الكتاب جاءت من مواقع مختلفة: الرافعي في "تحت راية القرآن" دافع عن القديم بقدسيته، محمد الخضر حسين هاجم المنهج، محمد فريد وجدي حاول النقد الموضوعي. كل رد كان يكشف عن موقف من التراث، عن رؤية للعلاقة بين الدين والمعرفة.
سؤال المنهج: هل انتهينا منه؟
بعد مئة عام، السؤال الذي يفرض نفسه: هل انتهينا من معركة المنهج التي أطلقها طه حسين؟ الإجابة المؤسفة هي لا. ما زلنا نعيش انقساماً بين منهجين: منهج يرى في التراث نصاً مقدساً مغلقاً، ومنهج يرى فيه نصاً تاريخياً مفتوحاً. منهج يرفض الشك، ومنهج يتخذه مدخلاً للمعرفة.
اللافت أن أسئلة طه حسين عادت تطفو على السطح في السنوات الأخيرة، لكن في ثياب جديدة: سؤال الهوية، سؤال العلاقة بين الدين والسياسة، سؤال القراءة التاريخية للنصوص التراثية. وكأننا نعيش لحظة مشابهة لتلك التي عاشها طه حسين، لكن بأدوات مختلفة وصراعات أكثر تعقيداً.
ماذا بقي من في الشعر الجاهلي؟
إذا قرأنا الكتاب اليوم، بعد مائة عام، قد نختلف مع كثير من فرضياته. الأبحاث اللغوية والأثرية والتاريخية تقدمت، وأصبحنا نملك أدوات أكثر دقة للحكم على الشعر الجاهلي. لكن قيمة الكتاب لم تكن في صحة فرضياته بالضرورة، بل في منهجه، في شجاعته في طرح السؤال، في كسر تابوهات التفكير.
طه حسين علمنا أن القراءة يجب أن تكون نشاطاً نقدياً، لا ترديداً آلياً. علمنا أن التساؤل حق، وأن الشك منهج، وأن اليقين المطلق وهم. علمنا أن التراث ليس جثة نقدسها، بل حياة نتعايش معها، نناقشها، نتفهمها في سياقها التاريخي.
الاحتفاء بمئوية الكتاب اليوم يجب أن يكون مختلفاً عن الاحتفاء التكريمي البارد. يجب أن يكون فرصة لإعادة القراءة، لإعادة النقاش، لإعادة السؤال. لنعيد طباعة الكتاب كما صدر أول مرة، مع كل الردود عليه، مع وثائق المحاكمة، مع كل ما دار حوله من جدل.
لنضع كل هذا بين يدي القارئ الجديد، ليقول كلمته، ليحكم بنفسه. الثقافة الحية هي التي تعيد قراءة تراثها باستمرار، التي لا تخاف من أسئلتها، التي تتقبل تعدد القراءات.
طه حسين لم يرد أن يقتل الشعر الجاهلي، إنما أراد أن نقرأه قراءة جديدة. لم يرد أن ينفي التراث، بل أراد أن يفهمه فهماً تاريخياً. كان رجلاً يؤمن بأن النهضة لا تتحقق إلا بنقد الذات، بمراجعة التاريخ، بطرح الأسئلة المحرجة.
نحو ثقافة التساؤل
بعد مائة عام، ما زلنا نحتاج إلى روح طه حسين، إلى شجاعته الفكرية، إلى إصراره على الحق في الشك والسؤال. في عالمنا العربي اليوم، حيث تتصارع اليقينيات وتتصادم المطلقات، نحتاج إلى أن نتعلم أن المعرفة تبدأ بالتساؤل، وأن الحقيقة نسبية، وأن القراءة النقدية للتراث ليست خيانة له، هي إحياء له.
الاحتفاء بكتاب "في الشعر الجاهلي" بعد مئة عام هو احتفاء بحرية الفكر، بحق الاختلاف، بضرورة الحوار. هو اعتراف بأن الثقافة العربية مرت بلحظات تأسيسية عظيمة، كان فيها المثقفون على استعداد لدفع الثمن من أجل فكرهم.
طه حسين يخاطبنا اليوم من صفحات كتابه القديم، اقرأوا كما لم تقرأوا من قبل، اسألوا كما لم تسألوا من قبل، فالنقد ليس هدماً، هو بناء، وليس تخريباً، بل هو تأسيس. والشك ليس كفراً، بل هو إيمان أعمق بالعقل وبقدرته على المعرفة.
هكذا يظل الكتاب، بعد قرن كامل، ينبض بالحياة، لأن أسئلته حية، ولأن النهضة التي حلم بها طه حسين ما زالت مشروعاً ناقصاً، ينتظر من يكمل الطريق.
***
عبد السلام فاروق







