أقلام ثقافية

محسن الأكرمين: كيف يمكن صناعة التغيير الرزين؟

اليوم أجلس للكتابة، لكن الحروف تهرب منِّي وبثبات الطلاق البائن، ويبتعد منِّي كل رسمها التركيبي والصرفي جراء الملل الذي يصيبني من ضجر التضايق. كانت حروفي مُكرهة لا أبطال، حين كنت أُحملها ما لا طاقة لها به، من ضنك عيش العياء المستديم للذات والتفكير، ومن ذاك الخواء النفسي الارتجاجي بالتذمر والسخط.

كنت يقظا بالغباء الفطري حين استبدلت الكتابة من رسم الحروف بالهيروغليفية القديمة إلى الكتابة على بياض سحب الهواء العلوية بأناقة التموج والعلة والتسامي. كنت حينها أحمل ذاتي العصية عن التطويع، أمارس تنجيم الكتابة المسمارية. أمارس التجريب في نمذجة الكتابة الشبح، والتي لن تنمحي بسلاسة رقعة الأرضية، ولن يستطيع أحد من ملامستها بالقراءة، أو التدوير بالفرك والعصر وإشعال نقد الشكلانيين الروس.

تختفي كل الأسطر الممشوقة في السماء العلوية، ويبقى الرسم الزخرفي حاضرا بالتفرد، ويحمل كل أمنيات الجنيات. من فرط فرحتي الممتعة، حين تَبَيَّنْتُ باليقين أن هواء السماء لم يعد بالكثافة والبياض، بل تلون بألوان أقلامي التي أعياها بياض أوراقي المبعثرة أرضا وبلا ترتيب تسلسلي لزمن ذكرياتي. كنت حينها أُوازي حركة العالم في دورانه حول نفسه، كي أرتب ذاتي بالترتيق، وضمن سياقات الوجود الممكن. كنت أستعيد ذاكرتي بالكامل قسطا بعد قسط، لكني كنت مشمئزا من تدمُّر تلك الذاكرة الحادة في استرجاع المآسي والأوجاع.

من فضل الوجود كَرما، فقد أعيش بلا هوية ضمن زمن الجدران والسماء ونور نافذة تستهلك أيامي وتزيد من دمار ذاتها بذات الأرض الصغيرة. من عيوني التي أعياها التأسي وتضيق وسعا، وقد أهملت الحلم المستنير. هنا باتت تلك العيون العصية عن الدمع السائل، تصاحب شحوب البشرة الداكنة، وبلا بريق لامع، ولكنها كانت بالضرورة البينة تحمل نوعا من الوعي الكثيف وبلا متغيرات سوداء آتية من مصفوفات مدوناتي.

 كنت أحس حينها أن العالم قد تناساني بلا تذكر عودة، لكن الجدران تشقق وأعلن الثورة على نمط الهدوء والسكون، وبات ينادي بالتغيير، وبالزاوية الناتئة للعدل.

اليوم كانت تلك العيون التي أعياها خواء العياء، لا تدمع بتاتا من التعاسة، مادام القلب ينبض بتلك السرعة النهائية بالاستفاقة، والتي تبحث عن السكينة والأمن، وتخفيض مستويات الأدرينالين من القلق المُغرض في المقاصد. في زيادة الحركة نحو تلك النافدة الضيقة، كانت مستويات البحث عن الفضاء الذي يتغير قد بات ملتصقا بالذاكرة المتصلبة في الماضي الضيق، والتي كنست مستويات الحلم من كل عالمها الداخلي.

في السماء القريبة تصلبت كل كتاباتي المسمارية من عهد بدايات أم اللغات السنسكريتية، وانتعشت بالتشابه والتضامن، حتى أنِّي أصبحت من الأميين الذين لا يفقهون في رسم الحروف قراءة ولا ربطا دالا لغويا. صُدمت من الأمية الفكرية التي تركبني مرات عديدة، ومن تضييع ثقافتي اللامادية كهوية ناسخة لتفكيري، لكن فرحتي زادت ذكاء، حين رأيت كتابي لازالت تحمل توليفات لاصقة من مداد كلماتي التي لا حدود لها غير البحث عن معرفة ذاتي وذاكرني العصية، وبناء عوالم من خوارزميات الثقة والتصالح مع الذات والآخر، وقياس التغيير الممكن.

في نشأة التلاشي المفرط في فوضى الزمن والأمكنة المنظمة، قد أستعيد جزء من ذاكرتي، ولما لا هوية ثقافتي الأولى حتى بالصدمة الراقية. حقيقة رمزية، ما أصعب أن تمتقع لحظة وبكلمات عجلى ومتطفلة بالقراءة الرديئة، وتُسرع في بوح طبول الحرب، ثم تداوم على الصراخ في وحشة درب الحياة، وبجبن الإقدام. ما أصعب أن تحمل أحلامك كما ولدت، وبلا مشيمة لاصقة، ومن خلف كل شيء تشرع في الهروب، وهي بالطبع لم تشخ بالتداول.

 ما أصعب أن تجد أحلامك ترقد خلف الغيوم المطرة، وقد تتساقط ثلجا باردا فوق قمم جبالا لا طائل من المغامرة للوصول إليها. قد يولد العالم من جديد في الحلم وتزكية الذاكرة الماضية، لكنه يبقى في الحقيقة يُعاقبنا بتلك القوانين التي سنتها القوى المهيمنة في ذاك الدفتر الأسود العمودي بالامتداد. لا علينا جميعا، فهو عالمنا جميعا، ومنه بالضبط قد نسقط عندما يرتج الكون بما حمل. 

***

محسن الأكرمين

في المثقف اليوم