أقلام ثقافية

خالد الحلِّي: مداراتٌ مترابطة.. وخرائط تتشبث بحدودها

تسعى الخرائطُ إلى أن تكون ثابتة لا تتغير، رغم عبث البشر ومطامعهم وحروبهم، مُتشبثةً بحدودها، التي ترتسم على مساحة الكرة الأرضية بأكملها، مصرّةً على أنّها أمرٌ واقعٌ لا مفرّ منه، وحقيقةٌ ثابتةٌ غير قابلة للنقاش، وإن التجاوز عليها أو إحتلالِ شيءٍ منها، هو الغدر بعينه، وهو استلابٌ فضٌ لحقوقٍ ناجِزةٍ وثابتة.

ومع أن الخرائط، تقر بأنّ الكون كلّه يحفل بمثيلاتٍ لها، إلى درجة يصعبُ معها عدها، وأنّ لكلٍّ منها خصوصيتها ومكانتها وحرمتها، تقر من جانب آخر بأن علاقتها ومعرفتها ببعضها البعض، ليست كافية، أو ليست كما ينبغي، وأن كلّ المؤشرات توحي بأنها ستبقى كذلك إلى أمد غير معروف.

ومن هنا، اختارت أن تتحدث عن نفسها فقط، وعلى نطاق الكرة الأرضية، والكوكب الذي نعيش عليه، تاركة لخرائط الكواكب السماوية الأخرى، أن تتحدث عن نفسها بنفسها، لأن خرائط كلِّ كوكب تختلف عن خرائط غيره.

تلِفُّ الخرائطُ وتدور حول أماكنها، مكتشفةً أشياءً جديدةً لَمْ تدركها من قبل، وهي رغم كونها تعرف جيداً أننا نعيش في عالم كثير التنوع والتقلب والأشكال والصفات، فإن ما تكتشفه لم يكن نابتاً في حدائق خيالها من قبل، إذ أنها، كانت وما زالت، تكتشف الحين بعد الحين، سَحَناتٍ بشرية لم نر مثل ألوانها، ومياهاً بألوانٍ غير مألوفة، وحيوانات لم نشهد ما يماثلها، أو نقرأ عنها في كتب الطبيعة أو الحيوان، وهذا ما ذكّرني بكتاب تراثي هو "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" لمؤلفه أبو عبد الله بن زكريا القزويني المتوفي عام 1283م عن 77 سنة، والذي تناول فيه "علم أوصاف الكون، فوصف السماء وما فيها من كواكب وأبراج وحركاتها وما ينتج عن ذلك من فصول السنة، وتكلم عن الأرض وتضاريسها، والهواء وما فيه من رياح وأنواعها، والماء والبحار، والجزر، وما يعيش من نبات وحيوان في الماء واليابسة".

تقول الخرائط مزهوة أن القزويني قد توفي قبل ما يزيد عن 743 سنة منذ الآن، وأنّ لديها وهي تتحدث في العام 2026م الكثير مما لم يدركه أو يتحدث عنه، بسبب ما حصل منذ رحيله حتى الآن، من حروب وحرائق وزلازل وفيضانات، نتجت عنها تغييرات لخرائط، واستحداثات لخرائط جديدة..؟، ولكنها رغم ما حصل أو ما قد يحصل، سيظل مناها أن تتمسك بحدودها.

وأنا أواصل النظر إلى الخرائطُ، وهي تلفُّ وتدور حول أماكن شتى أراها أو أتخيلها، لا أدري كيف تذكرت رواية "عالم بلا خرائط"، التي صدرت طبعتها الأولى عام 1992، وهي الرواية الوحيدة المعروفة عربياً، التي كان قد تناوب على كتابتها روائيان عربيان مرموقان راحلان هما عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا.

تتحدث هذه الرواية عن قصة حب غريبة بين شخصين ينتمي كلُّ منهما إلى عالم مختلف ولا تجمع بينهما سوى المدينة، التي اخترعها الأديبان وجعلا منها واقعاً، بينما إنّها لا توجد في خريطة أي بلد.

وأنا أكتب هذه الكلمات، يكون قد مرّ وقت غير قصيرعلى قراءتي للرواية، وأنا لست الآن بصدد استعراضها بشكل أوسع أو أوفى، لأنني أردت فقط أن أستذكر كيف أن الإبداع قد قدّم لنا عالماً بلا خرائط. ومن هنا أجيز لنفسي أن تتساءل:

هل هنالك عالم بلا خرائط حقاً؟ وأين نجده خارج رواية منيف وجبرا؟

سؤال صعبٌ ومعقّدُ، والإجابة عنه أكثرصعوبة وتعقيداً.

هذا ما قالته الخرائط، ثم أمرتني بالسكوت. وبعد دقائق معدودات، وجدتها تقول بزهو أنها موجودة في كل مكان، وأن لديها من الحدود ما يكفي لأن ترسمه لكل ما هو موجود، فهنالك خرائط لتفاصيل حياة الأحياء كلها، ولهذه الخرائط ما لها من الحدود، حيث أن داخل كل مخلوق توجد حدود، وأن هنالك بين الناس جميعاً، مهما اختلفت طبيعة ارتباطاتهم حدود وحدود، وتلافياً للاستغراق في الاستطراد والتكرار، يمكن لي أن أوجز ما قالته الخرائط، وباختصار شديد أن الحدود تحافظ على الوجود.

كانت الخرائطُ تتحسر بألم وهي تتحدث عن الحدود، وقالت بصوتٍ باكٍ أنّ الحدود قاتلة، وكم من البشر قد ماتوا، ويموتون، بسببها أو على مشارفها، سيما عندما يتعلق الأمر بحدود جغرافية مستقلة تشكّل دولاً أو أوطاناً.

وأنا أنصت بكثير من الألم والحزن والقلق إلى ما كانت تقوله الحدود، كنت أحس أنها قد عرفت بأنني أرغب بمغادرتها، وقد اتضح ذلك بالفعل، عندما سمعتها تخاطبني : أنت أسيري الآن، وإذا رغبت بأن أطلق سراحك، أو أن تهرب منّي، قستكون أسير حدود أخرى، وعليك أن تتذكر أن الحدود، هي مدارت مترابطة يسلمك الواحد منها إلى الآخر.

لم أفهم ماقالته الحدود بشكل جيد، وكانت الفرحة تغمرني لأنها ستطلق سراحي، وستسمح لي بالانتقال إلى مكان آخر، يمكن أن تتضح لي طبيعة حدوده، بمساعدة دليل سيرافقني. وبدأنا .......

***

خالد الحلِّي

..................

* من كتاب معد للطبع بعنوان "مدن نائمة فوق خرائط حالمة – سوانح وحكايات".

في المثقف اليوم