أقلام ثقافية

زيد الحلي: خطوط الزمن عند د. ياس البياتي

من النادر أن أُعيد قراءة كتاب ثلاث مرات في أوقات متقاربة، وإن حدث ذلك، فغالبا ما يكون بعد سنوات من القراءة الأولى، حين يكون جرس اللذة أو عنصر المفاجأة قد خفت، ويغدو الكتاب أشبه بصديق قديم اعتدتُ حضوره، لا يفاجئني كثيرًا.

غير أن كتاب الدكتور ياس خضير البياتي، للأمانة، كان استثناءً لافتا؛ فقد أبحرتُ مع كتابه (خطوط الزمن / سيرة ذاتية) أكثر من مرة خلال يومين فقط، وكأن النص كان يستدعيني للعودة إليه، لا بوصفه كتابا، بل بوصفه ذاكرة حية.

هذا الكتاب أعادني إلى ما يقارب أربعين عاما، وربما أكثر، فمعظم ما احتواه، ولا سيما مرحلة العمل الإعلامي، كنتُ على معرفةٍ واسعة بتفاصيلها من خلال عملي المهني والنقابي، وقربي من الشخوص الذين ورد ذكرهم، وهم زملاء كرام تقاطعت معهم طرق الحياة والعمل.

ليست هذه سيرة تقليدية، كما يصرح المؤلف، بل هي، بحق  صحيفة عمر، مدادها القلب، وعناوينها فصول رجل عاش بين الحبر والطباشير، بين قاعة الدرس وصفحة الجريدة.

كل سطر فيها حكاية، وكل فصل مرآة لرحلة إنسان كتب وطنه بالألم والأمل معا، وحلم رغم سواد العناوين، وحرر نفسه ووطنه قدر ما استطاع، لتبدو هذه السيرة كصحيفة حياة مطبوعة بنبض معلم وصحفي ومواطن، تمنيتُ لو قرأها كل أبناء العراق.

إنها سيرة مواطن عاش غربتين: غربة البعد، حيث الحياة المرفهة والهدوء الظاهري، وغربة الوطن، حيث الغربة الأشد قسوة، حين يكون الإنسان في قلب بلده، لكنه يشعر بالاقتلاع.

نحن إذن أمام كتاب مكتنز بسيرة جديرة بالتأمل، سيرة كتبت في ظروف ظاهرها مفرح، وعمقها حزين. تضادّات حادة رسمتها زوايا الزمن: مواطن يزرع الأمل في أرض جرداء، ووطن يقف مترقبا الفرج على حافة الانكسار، وغربة تنهش الروح، وأخرى تقلع التاريخ من جذوره.

في هذه السيرة مغارات من الدرر الإنسانية المجهولة في حياة البياتي، وما إن نرافقه في رحلة عمره حتى نكتشف عوالم أخرى؛ نلمس الألم والمعاناة، ونبتسم للنكتة، ونمضي دون ملل حتى الصفحة الأخيرة، وقد غرفنا من المعرفة والمتعة الكثير.

يرى البياتي أن الأمس لن يعود، والحاضر لن يدوم، والمستقبل مجهول الملامح. ويقول: تعلّمت من الألم، ورفضت أن أكون رفيقا له، فالحياة بلا فائدة موت ذليل، مثلما أن الشقاء كوكتيل من الألوان المتضادة، والأفكار المتناقضة، وصراع دائم من أجل البقاء.

إنها فلسفة حياة تقوم على التكيف الواعي مع تهديدات الفناء، بحثًا عن بر أمان إنساني.

ويعزز رؤاه بأمثلة فكرية، فيستحضر ما قاله الفيلسوف "كارل يونغ" عن مراحل الحياة، تلك الرغبة الكامنة في داخلنا بأن نظل أطفالًا، وأن نقاوم كل ما هو غير مألوف. ومن هنا، يستعيد البياتي نشأته في منطقة الفضل ببغداد، أواخر أربعينيات القرن الماضي، من أب بغدادي عريق متوسط الحال، وأم موصلية من عائلة معروفة، ليؤكد أن سلسلة مترابطة من الأفعال والمواقف تصوغ شخصية الإنسان الباحث عن معنى وجودي كبير:

لماذا نحن هنا؟

وما جدوى الحياة؟

وما الغرض من الوجود؟

وهي أسئلة شغلت الفلاسفة عبر التاريخ؛ فسقراط رأى في الحياة بعدين: فرديا وروحيا، وأفلاطون عدها شكلا من أشكال المعرفة، وشوبنهاور رآها فوضوية بلا معنى، ونيتشه قاسية، وسارتر وعيا بالوجود والحرية.

وفي زمننا هذا، ثمة من يختزل الحياة في ممتلكات فاخرة وأموال مكدسة، وآخرون يرونها مزحة عابرة، يمرون بها خفافا بلا أثر.

ما شدّني في سيرة الصديق البروفيسور البياتي هو موقفه الأخلاقي في استذكار الأشخاص الذين مروا في حياته، ونبرته الإنسانية تجاه أهله وأسرته ووطنه والإنسان عموما. وهنا تذكرتُ قراءتي لمذكرات رسول حمزاتوف في "داغستان بلدي"، وكتاب "الأيام" لطه حسين، حيث يتجلى حب الوطن والمعرفة بوصفهما قدرا لا خيارا.

وقبل أن أهنئ أبا الحارث الدكتور ياس على كتابه المهم، أود القول إن كتب السيرة هي جنس أدبي رائق، يوثق حياة الإنسان منذ بواكير الوعي حتى مراحل متقدمة من العمر. وقد أدرك العظماء عبر التاريخ أهمية هذا الجنس الأدبي، فكتبوا سيرهم أو كتبت عنهم، مع فارقٍ جوهري بين السيرة المكتوبة بيد صاحبها، وتلك التي يكتبها الآخرون.

وفي كتب السيرة، قديمها وحديثها، كنوز من الحكمة وخبرة الحياة. ويكفي أن نستحضر ما قاله برتراند راسل في مذكراته: ثلاثة شغوفات بسيطة لكنها قوية حكمت حياتي وهي : الشوق إلى الحب، والبحث عن المعرفة، والشفقة التي لا تُحتمل تجاه معاناة البشرية.

وفي الختام، أدعو زملائي الإعلاميين إلى اقتناء هذا الكتاب؛ ففيه تجارب مهنية وإنسانية ثرة، فصاحب السيرة أستاذ جامعي معروف، وصحفي رأس مجلات متخصصة في الإعلام والفنون، وله مساهمات إذاعية وتلفزيونية مؤثرة.

إنه، باختصار، كنز معرفي يستحق القراءة والتأمل

***

زيد الحلي

في المثقف اليوم