أقلام ثقافية

محمد سعد: تلبانة.. ملحمة الأرض والتاريخ!!

ليست تلبانة مجرد قرية في قلب الدلتا، بل هي سِفرٌ ممتد عبر العصور، يحكيه النيل حين يفيض، فيجلب الخير، أو حين يشح، فيختبر صبر أهلها. اسمها ذاته يحمل دلالة على علاقتها بالماء والتاريخ، فـ"تل لبانة" تعني القرية التي نشأت فوق ربوة عالية، احتمت بها من فيضان النيل، وظلت شاهدًا على تقلبات الزمن.
هي مسرحٌ لصراعات الإنسان مع الطبيعة، مع السلطة، ومع ذاته. بين مروجها وأزقتها، تدور الحكايات عن فلاحين بسطاء جابهوا المماليك والعثمانيين، عن متمردين احتموا بالغيطان، وعن رجال حلموا بالهجرة، فابتلعتهم المدن والمهجر، لكن قلوبهم ظلّت معلقة بتلك الأرض.
"تلبانة في ظلال التاريخ"
في الأزمنة الغابرة، كانت تلبانة جزءًا من نسيج الدلتا الخصيب، حيث كانت القوافل التجارية تتوقف على ضفاف الترع، وعاش الفلاحون وفق إيقاع النيل، يحصدون حين يمنحهم الماء، ويجوعون حين يغضب. وفي العصر الإسلامي، أصبحت القرية مجتمعًا زراعيًا متكاملًا، تلتف بيوتها حول المساجد والكتاتيب، ويتوارث أبناؤها الأرض كما يتوارثون الحكايات.
لكن مع وصول المماليك، تحولت القرية إلى ميدان للظلم، إذ أثقلت الضرائب كاهل الفلاحين، وأصبح الوجهاء أدوات بيد الحكام. ثم جاء العثمانيون، ولم يكن حال الفلاحين أفضل، باستثناء ظهور "المطاريد"، أولئك الرجال الذين فروا من بطش الضرائب وتحولوا إلى مقاومين في الخفاء.
في إحدى ليالي الشتاء، جلستُ في حجرة الجلوس في بيتنا، واستمعنا إلى محمد أفندي عقل، ناظر الخاصة الملكية ومن كبار وجهاء القرية، وهو يحكي عن أسطورة "الزير سالم"، الذي يقال إنه مرّ بهذه الأرض، أو أن تلبانة أنجبت رجالًا يشبهونه. تحدّث عن "حسن المطاردي"، أحد أبناء تلبانة، الذي رفض الخضوع، فحمل سلاحه وهرب إلى الوسيات الاقطاعية، يغير على قوافل الحكام، ويسترد بعضًا مما سُلب من قريته. وحين أُلقي بجسده في النيل، لم تمت حكايته، بل بقيت تُروى على لسان الأجيال، كأنها تعويذة تحميهم من النسيان.{تلبانة في العصر الحديث: من الثورة إلى الاغتراب}
حين اندلعت ثورة 1919، كانت تلبانة حاضرة، خرج رجالها يهتفون ضد الاحتلال البريطاني، واحتضنت الحقول الفدائيين الهاربين، في مشهد يذكّر بحكايات المطاريد القدامى. وفي ثلاثينيات القرن، سقط شهداء من تلبانة؛ منهم من ضحى في مواجهة عسكر الهجانة ومن أجل صد تزوير الانتخابات في العصر الباؤد للملكية والقصر. ومع كل موجة من المتغيرات السياسية والحروب الحديثة، ظلت تلبانة تشهد تضحية أبطالها، شاهدة على بطولات لم تُمحَ من ذاكرة الأرض. وبعد سنوات، دخلت القرية في زمن التحولات، بين الإصلاح الزراعي الذي وزّع بعض الأراضي، والهجرة المتزايدة إلى المدن، حيث بدأ شبابها يرون في المصانع وورش القاهرة فرصة أفضل من محراث آبائهم.
لكن التحوّل الأكبر جاء في سبعينيات القرن الماضي، مع موجة السفر إلى الخليج وأوروبا. لم يعد "الحلم" مرتبطًا بالأرض، بل بمغادرتها. صار الرجال يرحلون بحثًا عن حياة أخرى، والنساء ينتظرن أخبارهم عبر رسائل بعيدة، وكأن الزمن قد قسم أبناء تلبانة إلى فريقين: من بقي ليحافظ على الجذور، ومن رحل بحثًا عن ثمار أخرى.
(حين عاد فاروق فهمي إلى تلبانة)
بعد عشرين عامًا من الغربة، عاد فاروق إلى قريته. لم يكن الفتى النحيل الذي غادرها ذات فجر، الي أمريكا بل رجلًا يحمل على كتفيه ثقل السنين.
حين دخل الحارة القديمة، وجدها قد تبدّلت. البيوت الطينية تحولت إلى بنايات رمادية بلا روح، المقهى الذي كان يجمع الرجال لم يعد كما كان، حتى ضفاف الترعة، حيث كان الأطفال يقفزون في الماء صيفًا، صارت مكبًا للقمامة.
سأل عن الشيخ عبد اللطيف ، الحكيم الذي كان يجلس عند باب المسجد، فقيل له إنه رحل منذ سنوات. بحث عن عبد الرازق، صديق الطفولة، فأجابه أحدهم بأنه سافر إلى الخليج ولم يعد.
جلس وحده امام شاطيء الترعة في القرية، يحدّق في الفراغ، يستعيد أصوات الماضي. كاد يسمع هتافات الثورة، وضحكات الفلاحين، وحكايات " المطاريد". شعر بالغربة، لكنه أدرك أن تلبانة ليست مجرد مكان، بل روحٌ تسكنه مهما ابتعد.
في تلك الليلة، وبينما كان القمر ينعكس على ماء الترعة، همس لنفسه:
"التاريخ لا يموت، لكنه أحيانًا يختبئ خلف الجدران."
وفي الصباح، قرر ألا يرحل مجددًا. ولكن كان بين أمرين ترك الاسرة والزوجة في أمريكا والأولاد او ان يعيش مع ذكريات الماضي فقرر الرحيل وثمن الغربة ،،،
***
محمد سعد عبد اللطيف - كاتب وباحث مصري
(من مجموعة قصصية للكاتب)

 

في المثقف اليوم