إذا كانت هناك عدالة في هذه الحياة، فلابد أن تكشف عن نفسها في لحظات اليأس العظمى؛ تلك اللحظة التي يوشك فيها الإنسان أن يفقد إيمانه بكل شيء، لا لأنه لم يعد قادرا على الحلم، بل لأنه استنفد كل ما لديه من قدرة على الاحتمال
حين تتسع الهوة بين ما يستحقه الإنسان وما يحصل عليه، بين ما يزرعه وما يحصده، بين طيبة قلبه وقسوة العالم عليه، في اللحظة التي تنفد فيها حجج الصبر، وتتساقط فيها التفسيرات التي اعتدنا أن نلجأ إليها كلما عجزنا عن فهم الألم، ويقف الإنسان أمام العالم عاريا من يقينه، لا يملك سوى السؤال: لماذا يحدث كل هذا؟
يصبح سؤال العدالة أكثر من مجرد مسألة فلسفية؛ يصبح صرخة وجودية يطلقها الإنسان في وجه هذا الكون الذي لا يبدو أنه يصغي إلى أحد
في لحظة كهذه، لا نبحث عن تعريف للعدالة بقدر ما نبحث عن دليل على وجودها. لا تكفينا المواعظ، ولا تطمئننا الكلمات الجميلة، ولا تقنعنا تلك العبارات التي تفسر كل هزيمة بأنها حكمة خفية، وكل خسارة بأنها تمهيد لعوض قادم، وكل مأساة بأنها جزء من نظام لا نملك حق مساءلته. نحن نريد أن نعرف: لماذا يتألم الأبرياء؟ لماذا ينجو الظالم أحيانا من عواقب ظلمه، بينما يقضي المظلوم عمره في محاولة استرداد شيء من حقه؟ ولماذا يموت بعض الناس قبل أن يروا ثمرة صبرهم، أو يسمعوا اعتذارا ممن أساؤوا إليهم، أو يستعيدوا كرامة سلبها الآخرون منهم؟
هل العدالة حقيقة في بنية الوجود، أم أنها أمنية اخترعها الإنسان كي يحتمل غيابها؟
هذا هو السؤال الذي لا ينبغي لنا أن نخاف من طرحه.
لكن.
هل العالم عادل بطبيعته؟
ربما كانت واحدة من أكثر الأفكار رسوخا في الوعي الإنساني هي الاعتقاد بأن العالم، على الرغم من فوضاه الظاهرة، يخضع في النهاية لنظام أخلاقي يعيد الأمور إلى نصابها. نحب أن نتصور أن الشر لا يمكن أن ينتصر إلى الأبد، وأن المظلوم سيسترد حقه يوما ما، وأن الحياة ستمنح كل إنسان ما يستحقه، حتى لو تأخر الحساب.
لكن الحياة لا تقدم لنا دائما ما يؤيد هذا الاعتقاد
كم من إنسان عاش شريفا ومات مكسورا، وكم من ظالم رحل عن العالم دون أن يواجه عواقب أفعاله، وكم من ضحية لم تجد فرصة واحدة للدفاع عن نفسها،
أين تختبئ العدالة حين تنهار البيوت فوق رؤوس أصحابها، وحين تتحول المدن إلى مقابر مفتوحة، وحين تبتلع الحروب أحلام الأطفال قبل أن يتعلموا أسماء أحلامهم؟ أي حكمة يمكن أن تفسر خوف طفل يركض بين الأنقاض بحثا عن أمه، أو عينين صغيرتين تحدقان في عالم فقد فجأة كل ما كان يمنحهما الشعور بالأمان؟
إنني لا أطرح هذه الأسئلة من باب الاعتراض على الألم بوصفه حقيقة من حقائق الحياة، بل من باب الاعتراض على تحويل الألم إلى حقيقة ينبغي تبريرها، وعلى مطالبة الضحايا بالتصالح مع مآسيهم قبل أن نمنحهم حتى حق السؤال
هناك فارق أخلاقي هائل بين أن نعترف بأن الحياة تنطوي على الألم وأن نزعم أن كل ألم ضروري أو مستحق أو عادل.
المرض حقيقة، لكن إصابة إنسان بالمرض ليست دليلا على استحقاقه له. والكوارث قد تقع دون إرادة البشر، لكن حجم الخسائر التي تتركها يتأثر بقرارات بشرية، وبمستوى الاستعداد لها، وبقدرة المجتمعات على حماية الفئات الأكثر هشاشة.
أما الحروب، فكثيرا ما تكون نتيجة اختيارات سياسية وصراعات على السلطة والأرض والموارد والهوية، ثم يدفع ثمنها أولئك الذين لم يشاركوا في صنعها.
أمام موت طفل، تسقط كثير من الكلمات من تلقاء نفسها. تتراجع البلاغة، وتبدو النظريات الكبرى أقل قدرة على الاحتمال، ويصبح كل تفسير شامل للوجود مطالبا بأن يقف أمام هذا السؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى تدريب فلسفي كي نفهم فداحته: ما ذنب هذا الطفل؟
لم يختار الطفل الحرب، ولم يقرر أن يولد في بلد تمزقه الصراعات، ولم يختر الفقر أو اللجوء أو الجوع. لم يشارك في رسم الحدود، ولم يكتب البيانات السياسية، ولم يحمل السلاح دفاعا عن عقيدة أو انتقاما لهوية. لقد جاء إلى العالم محملا بإمكانات الحياة، فإذا بالعالم يطالبه بدفع ثمن قرارات اتخذها آخرون
وأي معنى للحديث عن الاستحقاق الأخلاقي في عالم قد يكون فيه نصيب الإنسان من الأمان متوقفا على المكان الذي ولد فيه، والظروف التي أحاطت بميلاده، والسلطة التي تحكم وطنه، والموارد التي تملكها أسرته؟
هنا تتعرى العدالة من صورتها المجردة، وتصبح سؤالا عن مسؤوليتنا نحن. لا عن سر الكون وحده، بل عن قرارات البشر، وعن الأنظمة التي تترك الضعفاء لمصائرهم، وعن الضمائر التي تتكيف مع المأساة حتى تصبح أخبار الموت جزءا عاديا من نشرة المساء.
العدالة تبدأ، في أحد أعمق معانيها، حين نكف عن تقسيم الضحايا إلى من يستحقون حزننا ومن يمكن تجاهلهم. فالحياة لا تصبح أقل قيمة لأن صاحبها ينتمي إلى الجانب الآخر من الحدود، ولا تفقد دموع الأم معناها لأن ابنها ولد في وطن مختلف، ولا يصبح موت الأبرياء مقبولا حين ترفع فوقه راية سياسية أو دينية.
ليس هناك عقيدة تمنح الإنسان حق احتكار البراءة، ولا هوية تجعل دماء أصحابها أثمن من دماء الآخرين.
ماذا نقول لمن عاش عمره في العوز، ثم مات قبل أن يتذوق شيئا من ثمار الحياة؟ وماذا نقول لطفل انتهت حكايته قبل أن تبدأ
هل نستطيع أن نثبت أن كل مأساة تحمل في داخلها عدالة لا ندركها، لمجرد أننا عاجزون عن تفسيرها؟
إن عدم معرفتنا بكل أسرار الوجود لا يمنحنا الحق في الادعاء بأننا نعرف الحكمة من كل موت، أو أن كل ما يحدث ينبغي أن يحدث، أو أن معاناة الأبرياء تخفي وراءها ضرورة لا يجوز مساءلتها.
قد تكون هناك أسئلة تتجاوز قدرتنا على الإجابة، لكن هناك أسئلة أخرى نعرف إجاباتها بما يكفي لنبدأ العمل: من أشعل الحرب؟
من منع وصول الغذاء والدواء؟ من استهان بأرواح الناس؟
من امتلك القدرة على منع الكارثة ولم يفعل؟ ومن يستطيع الآن أن ينقذ من تبقى على قيد الحياة؟
يقولون ان للعدالة وجوه كثيره ولكن. تعدد وجوه العدالة لا يعني أن كل وجه صالح، ولا أن كل ما يسميه الأقوياء عدالة يستحق هذا الاسم. فقد ترتدي المصلحة ثوب القانون، وقد يتخفى الانتقام خلف خطاب أخلاقي، وقد يُستخدم الدين أو الوطن أو الأمن لتبرير أفعال تنتهك أبسط حقوق الإنسان.
ربما تتعدد صور العدالة، لكن لا ينبغي أن يتعدد وزن الإنسان تبعا لهويته أو طبقته أو معتقده
واعتقد ان كرامة الإنسان لا تنتهك بالحروب وحدها؛ فقد تنتهك أيضا حين يعيش في فقر يسلبه قدرته على الاختيار، أو حين يحرم من التعليم والعلاج والعمل الكريم، أو حين يترك لمواجهة الكوارث دون حماية كافية.
وهنا يصبح نقد ماركس للتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية ضروريا. فالعدالة لا يمكن أن تظل مجرد إعلان للمساواة أمام القانون إذا كانت ظروف الحياة تحرم قطاعات واسعة من البشر من القدرة الفعلية على الاستفادة من حقوقهم.
ما قيمة الحق في التعليم لطفل لا يجد مدرسة؟
وما قيمة الحق في الصحة لمن لا يستطيع تحمل تكلفة العلاج؟
وما معنى حرية الاختيار لمن يضطر إلى قبول أي عمل، مهما كان مهينا أو مستغلا، كي لا يموت جوعا؟
العدالة ليست فقط ألا يعتدي أحد على الإنسان، بل أن نسأل أيضا عن الشروط التي تمكنه من أن يعيش حياة كريمة. وهي ليست وعدا بأن يحصل الجميع على النتائج نفسها، بل التزاما بألا يتحول الفقر أو الجنس أو مكان الميلاد إلى حكم نهائي على مستقبل الإنسان.
لا نستطيع دائما منع الكارثة، لكننا نستطيع في حالات كثيرة الحد من آثارها. وهنا تنتقل المسألة من حدود الطبيعة إلى حدود المسؤولية البشرية.
إن العدالة لا تعني أن نطالب العالم بأن يخلو من الألم، بل أن نمنع تحويل الألم الممكن تخفيفه إلى قدر مفروض على الفقراء والضعفاء. ولا تعني أن نضمن لكل إنسان حياة بلا خسارة، بل أن نعمل على ألا تكون فرص النجاة حكرا على من يملك المال والسلطة والامتيازات.
قد لا نستطيع منع الزلزال، لكننا نستطيع بناء مساكن أكثر أمانا. وقد لا نستطيع منع كل مرض، لكننا نستطيع توفير العلاج. وقد لا نستطيع إيقاف كل عاصفة، لكننا نستطيع ألا نترك الناس وحدهم في مواجهتها.
وفي هذه المسافة بين ما لا نملكه وما نستطيع تغييره، تتحدد مساحة مهمة من مسؤوليتنا الأخلاقية
والإنسان الذي يموت جوعا لا يكفي أن نواسيه بفكرة أن الفقر مؤقت أو أن العوض سيأتي. علينا أن نسأل عن توزيع الموارد، وعن مسؤولية السلطات، وعن قدرة المجتمع على حماية أفراده من الجوع والفقر والمرض
إن العدالة التي أدافع عنها لا تشترط على البشر أن يتخلوا عن أديانهم، لكنها ترفض أن تصبح العقيدة أساسا لتفاوت الحقوق. ولا تطلب منهم الاتفاق على تفسير واحد للوجود، بل الاتفاق على الحد الأدنى الذي يجعل الحياة المشتركة ممكنة: كرامة الإنسان، والمساواة أمام القانون، وحرية الضمير، وحماية المدنيين، ورفض التمييز، ومحاسبة المسؤولين عن الاخفاقات و الانتهاكات
إن حياد الدولة تجاه المعتقدات، وضمان الحقوق المتساوية للمواطنين، ليسا مجرد ترتيب سياسي؛ إنهما من الشروط التي تمنع تحويل الاختلاف إلى امتياز أو عقوبة.
أنا لا أريد عدالة تسأل الإنسان أولا: من أنت، وماذا تؤمن، وإلى أي جماعة تنتمي؟ أريد عدالة تبدأ من السؤال الأسبق: هل وقع عليك ظلم، وهل تستطيع أن تسترد حقك؟
أعود إلى سؤالي الأول: هل تكشف العدالة عن نفسها في لحظة اليأس العظمى؟
ربما تكون هذه اللحظة هي التي نكتشف فيها أن الحياة لا تقدم لنا دائما النهايات التي نتمناها، وأن بعض الجراح لا تلتئم، وأن بعض الخسارات لا تعوض، وأن التاريخ لا يصحح أخطاءه تلقائيا لمجرد مرور الزمن.
هناك أمهات لن يعود إليهن أطفالهن، ومدن لن تستعيد بسهولة ما دمرته الحروب، وأجيال ستظل تحمل آثار العنف والنزوح والفقد.
وهناك ضحايا لن يسمعوا الاعتذار الذي انتظروه، ولن يروا محاسبة من تسببوا في مأساتهم.
العدالة الحقيقية لا تبدأ عندما نتعلم كيف نفسر الألم، بل عندما نسأل كيف نمنعه، وكيف نخفف آثاره، وكيف نحاسب من تسببوا فيه، وكيف نحمي الذين ما زالوا مهددين به.
وفي وجهه نظري إذا لم تكن العدالة مضمونة في بنية العالم، فإنها تصبح أكثر احتياجا إلى الفعل الإنساني. وإذا لم يكن ثمة قانون طبيعي يعيد الحقوق إلى أصحابها، فإن علينا أن نبني قوانين ومؤسسات تحميهم. وإذا كان الطفل يستطيع أن يموت في حرب لم يخترها، فإن واجبنا ليس أن نبحث عن تفسير يريحنا، بل أن نمنع تكرار الظروف التي جعلت موته ممكنا
ربما لا نستطيع أن نمنح كل ضحية ما فقدته، لكننا نستطيع أن نمنع بعض الخسارات. وربما لا نستطيع أن نعيد الموتى، لكننا نستطيع أن نحمي الأحياء. وربما لا نملك الإجابة النهائية عن معنى الوجود، لكننا نملك القدرة على أن نكون أقل قسوة، وأكثر وعيا بمسؤوليتنا تجاه بعضنا بعضا.
لا أريد عدالة تظهر على هيئة اعتذار بعد أن يموت المظلوم، ولا عدالة تعترف ببراءة الضحية بعدما تكون قد استنفدت عمرها في الدفاع عن نفسها، ولا عدالة تبكي الأطفال بعد أن تتحول أجسادهم إلى أرقام في سجلات الحرب.
أريد عدالة تحضر قبل الكارثة، قبل أن ينهار البيت، وقبل أن تجوع الأسرة، وقبل أن يتحول الاختلاف إلى اضطهاد، وقبل أن يكتشف الإنسان أن القانون الذي كان يفترض أن يحميه لا يرى فيه سوى مواطن من درجة أدنى.
أريدها في المدرسة التي تفتح أبوابها لطفل فقير، وفي المستشفى الذي لا يترك مريضا للموت لأنه لا يملك المال، وفي المحكمة التي لا تنحني أمام النفوذ، وفي الدولة التي لا تميز بين مواطنيها بسبب معتقداتهم ومذاهبهم
وإذا كانت للعدالة وجوه كثيرة، فليكن وجهها الأجمل هو ذلك الذي نراه في حماية الضعيف قبل أن يصبح ضحية، وفي رد الحق قبل أن يتحول إلى ذكرى
إننا لا نعرف كل أسرار الوجود، لكننا نعرف أن الجوع يؤلم، وأن الفقد يمزق الروح، وأن الحروب تسلب البشر بيوتهم وأحلامهم، وأن الطفل لا ينبغي أن يدفع ثمن صراعات لم يخترها. ونعرف، كذلك، أن كثيرا من هذا الألم يمكن منعه أو الحد منه إذا امتلك البشر الشجاعة والإرادة والمسؤولية.
إذا كانت هناك عدالة في هذا الوجود، فلتكشف عن نفسها في قدرتنا على إنقاذ طفل، لا في قدرتنا على تفسير موته. وفي منع الحرب، لا في تمجيد ضحاياها. وفي حماية الإنسان وهو حي، لا في الاعتذار له بعدما يصبح الاعتذار بلا جدوى
وكما بدأت مقالي بسؤال اختمه أيضا بسؤال ينبغي أن يطارد ضمائرنا:
حين كان في مقدورنا أن نمنع بعض هذا الألم، لماذا انتظرنا حتى صار اليأس هو الشاهد الأخير على غياب العدالة؟
التمسوا العدالة في عيون الأطفال الذين لم يعرفوا من العالم سوى الخوف، وفي دموع الأمهات اللواتي يوارين أحلامهن تحت الأنقاض، وفي صرخات الجائعين الذين لم يقترفوا ذنبا سوى أنهم ولدوا في عالم لا يتقاسم خيراته بالعدل.
التمسوها في وجوه الناجين من الحروب، وفي حكايات الذين ابتلعتهم الكوارث، وفي أصوات المظلومين الذين لم يجدوا محكمة تنصت إليهم، ولا ضميرا ينتصر لحقهم.
لا تلتمسوا العدالة في السماء وتنسوا أن لها على الأرض مسؤولين، ولا تنتظروا معجزة تنقذ طفلا بينما تستطيعون أن تمدوا إليه أيديكم، ولا تبحثوا عن حكمة تبرر المأساة بينما تستطيعون منعها.
التمسوا العدالة في إنقاذ الأحياء، لا في رثاء الموتى
في حماية الضعفاء، لا في تمجيد صبرهم
في منع الظلم، لا في اختراع المعاني التي تجعلنا نتعايش معه.
وإذا لم نستطع أن نجعل العالم أكثر عدلا، فأضعف الإيمان الإنساني ألا نتركه أكثر ظلما مما وجدناه.
***
ابتهال عبد الوهاب








