عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تجديد وتنوير

ابتهال عبد الوهاب: هل صنعت المعرفة إنسانا أكثر إنسانية؟

منذ أن بدأ الإنسان يخرج من عتمة المجهول وهو يراكم المعرفة كما لو أنه يبني بها سلما يصعد عليه نحو ذاته. اكتشف قوانين الطبيعة، وفكك أسرار المادة، وأعاد رسم خريطة الكون وغاص في أعماق الجسد وبلغ من التقدم التقني ما جعل المسافات تنكمش والمعلومة تعبر القارات في لحظة

لكن وسط هذا الانتصار الهائل للعقل، يظل سؤال أكثر قسوة يطاردنا:

هل جعلتنا كل هذه المعرفة أكثر إنسانية؟

هل أصبحنا أكثر عدلا لأننا عرفنا معنى العدالة؟

أكثر رحمة لأننا عرفنا أسباب الألم؟

أكثر تسامحا لأننا اكتشفنا تنوع البشر واختلافهم؟

أكثر وعيا لأننا امتلكنا هذا الكم الهائل من المعلومات؟

للأسف. في الوقت الذي أصبحت فيه الآلة قادرة على محاكاة اللغة، وفي الوقت الذي يفكر فيه الإنسان في غزو الفضاء، وإقامة مستوطنات على أجرامها، ويطور الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية والتنبؤ بمسارات الأمراض، واستكشاف أعماق الكون، لا يزال جزء من وعينا اليومي عالقا في أسئلة تبدو كأنها جاءت من زمن آخر. ما زلنا نفسر تعثر الإنسان بالحسد، ومرضه بالعين، وخوفه بالمس، وتعثر حياته بالسحر. ونبحث عن الرقية قبل أن نبحث عن الطبيب، وعن التعويذة قبل أن نسأل عن السبب، ونستدعي عبارات وطقوسا صغيرة لكل حركة من حركات الحياة، من دخول الحمام إلى ركوب المصعد والخروج من المنزل، وكأن الإنسان، بعد كل ما أنجزه العلم، لا يزال يحتاج إلى طقوس سحرية تحرسه من العالم الذي صنع أدواته بنفسه.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل:

 لقد تقدم الإنسان في السيطرة على الطبيعة، لكنه لم يتقدم بالقدر نفسه في تحرير وعيه من الخرافة. استطاع أن يرسل مركبة إلى كوكب بعيد، لكنه لا يزال عاجزا أحيانا عن تفسير الصداع الذي اصابه دون أن يبحث عن عين أصابته، وعن فشله دون أن يبحث عن حاسد، وعن مصادفة مؤلمة دون أن يفترض وراءها قوة غيبية تعمدت إيذاءه.

بنينا المستشفيات والمختبرات والجامعات ومراكز الأبحاث، ثم أبقينا في داخلنا ذلك الكائن القديم الذي يخاف المجهول

العلم يا ساده لا يتقدم لأن الإنسان لم يعد يخاف، بل لأنه تعلم كيف يواجه خوفه بالمعرفة. أما الخرافة فتمنح الخوف شكلا قابلا للتصديق؛ تجعل للمرض فاعلا، وللحسد قوة، وللمصادفة قصدا، وللمجهول إرادة. إنها لا تزيل الغموض، وإنما تستبدل غموضا يحتاج إلى بحث بيقين وهمي لا يحتاج إلى دليل.

يمكن للإنسان أن يمتلك أحدث هاتف، ويستخدم الأقمار الصناعية، ويجري عملية جراحية بالروبوت، ويتحدث عبر الإنترنت مع شخص في الطرف الآخر من العالم، ثم يعود إلى بيته ليحاكم حياته بمنطق الحسد والعين والبركة والنحس. التكنولوجيا هنا لم تحرر العقل؛ لقد أصبحت مجرد أدوات حديثة يحملها وعي قديم

نحن نعيش في مجتمع يستطيع فيه الإنسان أن يفتح العالم كله من شاشة صغيرة في يده، لكنه قد يغلق عقله أمام سؤال صغير إذا مس منطقة مقدسة. نستخدم الطب حين نمرض، والهندسة حين نبني، والفيزياء حين نركب الطائرة، ثم حين نصل إلى بعض مناطق الخوف والعجز، نعود إلى تفسير العالم بمنطق العين والحسد والسحر والكرامة والبركة

لا تكمن المشكلة في الإيمان بوصفه تجربة روحية خاصة، وإنما حين يتحول الاعتقاد إلى بديل عن المعرفة، وحين يصبح الغيب أداة لتفسير ما يمكن للعقل والعلم أن يبحثا فيه

نحن بلد الفن. أنجب الموسيقى والمسرح والسينما والرواية والشعر، وخرج منه فنانون غيروا الذائقة العربية، يمكن أن يتحول فيه الفنان أحيانا إلى متهم لمجرد أنه طرح سؤالا لا يروق للذوق العام.

نحتفي بالفن حين يصبح تسلية، ونخاف منه حين يصبح فكرا.

 نريد الأغنية التافهه السريعه، لكننا لا نريد اللوحة التي تزعج يقيننا، ولا الرواية التي تضعنا أمام أنفسنا، ولا المسرحية التي تجعلنا نسأل: لماذا نعيش بهذه الطريقة؟

نعيش في عصر يستطيع فيه الهاتف أن يمنح المواطن المصري خلال ثوان معلومات لم تكن مكتبة كاملة قادرة على توفيرها منذ عقود، ومع ذلك أصبحنا في الوقت نفسه أكثر عرضة للتضليل، والشائعة، والعناوين المبتورة، والمعلومة التي تنتشر لأنها مثيرة لا لأنها صحيحة. صار لدينا فائض هائل من المعلومات، ونقص مؤلم في القدرة على التحقق منها.

لم تعد المشكلة أن المعلومة بعيدة عنا؛ المشكلة أنها أصبحت قريبة إلى درجة مخيفة. لقد أصبحنا نملك وسائل اتصال هائلة، لكننا لم نتعلم بالقدر نفسه كيف نميز بين المعرفة والدعاية، وبين الرأي والخبر، وبين الحقيقة وما نرغب في أن يكون حقيقة

نذهب إلى المدرسة والجامعة سنوات طويلة كي نتعلم، ثم نخرج منها أحيانا ونحن نعرف كيف نجيب عن السؤال الذي وضعه الامتحان، ولا نعرف كيف نصنع السؤال الذي يستحق أن نبحث عن إجابته.

نمنح الطالب شهادة تثبت أنه اجتاز مراحل التعليم، لكن الشهادة لا تثبت بالضرورة أنه تعلم كيف يفكر. نحفظه المعلومات، ثم نستغرب حين لا يستطيع إنتاج فكرة. نطالبه بالإجابة الصحيحة، ثم نتساءل لماذا يخاف الاختلاف. نكافئ الذاكرة أكثر مما نكافئ الفضول، ونخشى السؤال الذي يخرج عن حدود الدرس، ثم نشكو لاحقا من غياب العقل النقدي.

ورثها ولم يفكر فيها يوما. وقد يكون أميا في القراءة، لكنه أكثر استقلالا في الحكم من صاحب عشرات الشهادات. المعرفة ليست عدد الصفحات التي قرأتها، ولا عدد الشهادات المعلقة على جدارك؛ المعرفة الحقيقية هي قدرتك على مراجعة ما تعتقد أنك تعرفه.

نحن مجتمع شديد الاحتفاء بالعائلة، ثم قد نمارس داخل العائلة نفسها أقسى أشكال الوصاية على الفرد

. نتحدث عن الحب، ثم نخلطه بالامتلاك. نتحدث عن الاحترام، ثم نجعله طاعة. نطالب الشباب بأن يكونوا مسؤولين، ثم لا نمنحهم مساحة كافية ليختاروا. نتحدث عن الحرية، لكننا كثيرا ما نريدها لأنفسنا أكثر مما نريدها للآخرين.

لقد تغيرت مصر في أدواتها أكثر مما تغيرت في بعض أنماط تفكيرها. دخل الإنترنت كل بيت تقريبا، وانتشرت الهواتف الذكية، وتغيرت وسائل العمل والتواصل، لكن الحداثة التقنية لا تضمن وحدها حداثة العقل

واعتقد ان القضية ليست قضية مصر وحدها، وإنما قضية الإنسان الحديث كله: ماذا يحدث حين تتقدم التقنيات أسرع من الوعي؟

ربما يكون أخطر وهم في عصرنا أننا نظن أن امتلاك أدوات الحداثة يجعلنا بالضرورة حداثيين

التقدم الحقيقي يبدأ حين تصبح الحداثة طريقة في التفكير، لا مجرد أشياء حديثة نستخدمها

ربما لا تكون أزمتنا الحقيقية أننا ما زلنا نؤمن بالحسد أو العين أو السحر، ولا أننا ما زلنا نردد طقوسا ورثناها من أزمنة بعيدة، وإنما أن الإنسان الذي امتلك القدرة على تفكيك الذرة، وتصوير المجرات، وتعديل الجينات، وصناعة الذكاء الاصطناعي، لم يمتلك بعد الشجاعة الكافية لتفكيك الأوهام التي تسكن رأسه

لقد غادر الإنسان الكهف، لكنه لم يغادر العقلية التي كانت تسكن الكهف.. غير أدواته، ولم يغير بالقدر نفسه طريقته في تفسير العالم. استبدل النار بالكهرباء، والرسالة بالهاتف، والكتاب الورقي بالشاشة، والمركبة بالصاروخ، لكنه في أعماقه قد يعود إلى الإنسان القديم ذاته كلما واجه المجهول: يخاف، ثم يبحث عن قوة غيبية يحملها مسؤولية ما لا يفهم.

وهنا اتسائل.. ما جدوى أن نرسل عقولنا الصناعية إلى الفضاء، بينما نترك عقولنا البشرية رهينة للخرافة؟

 وما قيمة أن نكتشف أسرار الكون، إذا كنا لا نملك الجرأة على اكتشاف الأوهام التي تحكم وعينا؟

للأسف ونحن نفتح أبوابا جديدة للعلم، ما زلنا نحمل في داخلنا الإنسان القديم؛ بكل خوفه، وانحيازاته، وأوهامه، ورغبته في امتلاك الحقيقة، وحاجته إلى إخضاع المختلف.

ولعل أعظم معارك الإنسان القادمة ليست مع الفضاء، ولا مع الآلة، ولا حتى مع الطبيعة.. بل مع ذلك الجزء القديم من عقله الذي يخشى السؤال أكثر مما يخشى الجهل.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يجهل الحقيقة، وإنما أن يتصالح مع الوهم إلى الدرجة التي يكف فيها عن البحث عنها

نحن في حاجة إلى إنسان جديد، لا إلى إنسان أكثر معرفة فحسب؛ إنسان يعرف كيف يستخدم عقله دون أن يتحول إلى أسير لأفكاره، وكيف يمارس حريته دون أن يحولها إلى اعتداء على حرية الآخرين، وكيف يختلف دون أن يكره، وينقد دون أن يهين، ويملك القوة دون أن يستبد، ويعرف كثيرا دون أن يفقد تواضعه.

نحن في حاجة إلى وعي لا يكتفي بأن يملأ العقول بل يعيد تشكيل الضمائر..  إلى تعليم يجعل الإنسان أكثر قدرة على التمييز، لا أكثر براعة في تبرير انحيازاته.. وإلى ثقافة تعلمنا أن الحقيقة ليست ملكا لأحد، وأن الاختلاف ليس جريمة، وأن الإنسان لا يفقد قيمته لأنه لا يشبهنا.

نحن في حاجة إلى أن نعيد اكتشاف الإنسان في داخلنا قبل أن نطالب العالم بالإنسانية

نحن في حاجة لان نكون أكثر عدلا وأكثر رحمه وأكثر تسامحا وأكثر وعيا.. لأن أجمل ما يمكن أن تفعله المعرفة بالإنسان هو أن تجعله إنسانا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم