قراءة تحليلية في العلاقة بين الحاجات والحقوق وحدود النموذج النفسي
مقدمة: تثير العلاقة بين الحاجات الإنسانية وحقوق الإنسان سؤالًا مركزيًا في دراسة الأسس التي تقوم عليها منظومة الحقوق: هل تنشأ الحقوق من طبيعة الإنسان ذاتها، أم من حاجات أساسية يشترك فيها البشر، أم من مفهوم الكرامة الإنسانية وما يرتبط به من قيم ومصالح؟ ويزداد السؤال أهمية عندما ننظر إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كالحق في الغذاء والماء والصحة والتعليم والعمل والسكن، إذ تبدو هذه الحقوق وثيقة الصلة بشروط الحياة الإنسانية الأساسية.
وفي هذا السياق يبرز إسهام عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو، الذي نشر عام 1943 مقالته الشهيرة "نظرية في الدافعية الإنسانية" (A Theory of Human Motivation) في مجلة Psychological Review، المجلد 50، الصفحات 370-396. وقد حاول ماسلو من خلالها بناء تصور للدافعية الإنسانية ينطلق من مجموعة من الحاجات الأساسية، مع التأكيد على أن الإنسان ليس مجرد كائن تحركه استجابات منفردة للحرمان، وإنما كائن تتداخل في سلوكه حاجات ودوافع متعددة (Maslow 1943, pp. 370-376).
غير أن استخدام نظرية ماسلو في دراسة حقوق الإنسان يحتاج إلى قدر من الحذر المنهجي. فماسلو لم يضع نظرية قانونية لتفسير نشأة حقوق الإنسان، ولم يقل إن الحقوق الدولية تتطابق مع مستويات هرمه، كما أن الصورة الشائعة للهرم بوصفه سلمًا جامدًا من خمس درجات متتابعة ليست وصفًا كاملًا لتعقيد نظريته الأصلية. والأهم أن الدراسات اللاحقة لم تقدم دعمًا تجريبيًا كاملًا للترتيب الهرمي الصارم؛ فقد خلصت مراجعة Wahba وBridwell إلى أن الأدلة المتاحة تقدم دعمًا جزئيًا فقط لمفهوم هرم الحاجات، بينما أظهرت دراسة Tay وDiener، التي شملت 123 دولة، أن إشباع الحاجات المختلفة يرتبط بالرفاه الإنساني على نطاق واسع، وأن العلاقات بين بعض الحاجات والرفاه لا تتوقف بصورة بسيطة على إشباع حاجات أخرى (Wahba and Bridwell 1976, pp. 212-240; Tay and Diener 2011, pp. 354-365).
ومن هنا لا تتمثل الغاية في إثبات أن هرم ماسلو هو الأساس الفلسفي أو القانوني لحقوق الإنسان، وإنما في اختبار ما إذا كان يمكن استخدام مفهوم الحاجات الإنسانية بوصفه إطارًا تفسيريًا مساعدًا لفهم بعض المصالح الإنسانية التي تحميها الحقوق، مع إبقاء الفارق واضحًا بين الحاجة النفسية أو الاجتماعية، والمصلحة الإنسانية، والقيمة المعيارية، والحق القانوني.
وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن العلاقة بين الحاجات وحقوق الإنسان ليست علاقة تطابق، بل علاقة تفاعل وترابط: فقد تكون الحاجة أحد المبررات الاجتماعية أو الإنسانية للحماية القانونية، لكن تحويل الحاجة إلى حق لا يحدث بمجرد وجودها؛ وإنما يتطلب الاعتراف المعياري بها، وربطها بالكرامة والمساواة، وتحديد صاحب الحق، وتحديد واجبات الدولة أو غيرها من الجهات، وإنشاء آليات للحماية والانتصاف.
وبناءً على ذلك، تسعى الدراسة إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسية:
- ما طبيعة نظرية الحاجات عند ماسلو؟
- ما الفرق بين الحاجة الإنسانية والحق القانوني؟
- وإلى أي حد يمكن الاستفادة من نظرية الحاجات في تفسير منظومة حقوق الإنسان دون الوقوع في اختزال قانوني أو نفسي لها؟
المبحث الأول: نظرية ماسلو في الحاجات الإنسانية: الأساس النظري وحدود القراءة الشائعة
أولًا: ماسلو ونظرية الدافعية الإنسانية
طرح أبراهام ماسلو عام 1943 تصورًا للدافعية الإنسانية يقوم على أن السلوك الإنساني لا يمكن تفسيره من خلال دافع منفرد، مثل الجوع أو العطش، وإنما من خلال منظومة من الحاجات والدوافع التي تتفاعل داخل الكائن الإنساني. ولذلك انتقد الاقتصار على تفسير السلوك الإنساني باعتباره استجابة مباشرة لدافع فسيولوجي منفرد، مؤكدًا أهمية النظر إلى الكائن الإنساني بوصفه كلًا متكاملًا (Maslow 1943, pp. 370-372).
وتظهر في مقاله الأصلي مجموعة من الحاجات التي أصبحت لاحقًا أساسًا لما يعرف شعبيًا باسم "هرم ماسلو": الحاجات الفسيولوجية، وحاجات الأمان، والحاجات الاجتماعية أو حاجات الحب والانتماء، وحاجات التقدير، ثم تحقيق الذات. إلا أن من المهم التنبيه إلى أن ماسلو لم يقدم في مقاله الأصلي الرسم الهرمي الشائع اليوم بالصورة المدرسية التي أصبحت متداولة على نطاق واسع؛ كما أن استخدامه لفكرة التدرج لا يعني أن كل إنسان ينتقل ميكانيكيًا من مستوى إلى آخر بعد إشباع المستوى السابق بصورة كاملة.
ففي عرضه للحاجات الفسيولوجية، يبين ماسلو أن الجوع الشديد، مثلًا، يمكن أن يجعل الكائن الإنساني مركزًا بدرجة كبيرة على إشباع حاجته إلى الطعام، بحيث تتراجع حاجات أخرى إلى الخلفية مؤقتًا. لكنه لا يجعل من ذلك قانونًا مطلقًا يحكم جميع السلوكيات الإنسانية في جميع الظروف (Maslow 1943, pp. 373-376).
وتكمن أهمية هذا التمييز في أن القراءة الشائعة للنظرية كثيرًا ما حولتها من نظرية في الدافعية إلى "سلم" جامد للحاجات، وهو تبسيط لا يعكس بصورة كاملة الصياغة الأصلية.
ثانيًا: الحاجات الفسيولوجية
تحتل الحاجات الفسيولوجية موقعًا أساسيًا في نظرية ماسلو لأنها ترتبط مباشرة بالبقاء الجسدي. ويشير ماسلو إلى حاجات مثل الطعام والماء والنوم وغيرها من المتطلبات العضوية بوصفها حاجات قد تصبح مهيمنة على السلوك عندما تكون غير مشبعة بدرجة شديدة (Maslow 1943, pp. 373-376).
ومن منظور حقوق الإنسان، تتيح هذه الفكرة مدخلًا لفهم أهمية بعض الحقوق المرتبطة بالشروط المادية للحياة، مثل الحق في الغذاء والماء والصحة والسكن ومستوى المعيشة اللائق. لكن لا ينبغي تحويل هذا التقاطع إلى مساواة مباشرة بين "الحاجة الفسيولوجية" و"الحق القانوني". فالحاجة إلى الماء، مثلًا، تفسر أهميته للحياة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد مضمون الحق في الماء أو نطاق واجبات الدولة؛ وهذه مسائل تحددها القواعد القانونية الدولية.
ثالثًا: حاجات الأمان
بعد الحاجات الفسيولوجية ينتقل ماسلو إلى حاجات الأمان، ويشير إلى أن الإنسان يسعى إلى قدر من الاستقرار والنظام والحماية من المخاطر والتهديدات. ويبين أن ظهور هذه الحاجات يكون واضحًا بصورة خاصة عندما يشعر الإنسان بأن بيئته غير مستقرة أو مهددة (Maslow 1943, pp. 376-380).
وهنا تظهر صلة تحليلية مهمة مع مجموعة واسعة من حقوق الإنسان: الحق في الحياة، والحماية من التعذيب، والأمن الشخصي، والحماية من العنف، وبعض أبعاد الضمان الاجتماعي والعمل والسكن والصحة. لكن العلاقة تظل علاقة تفسيرية؛ فالحق في الأمن مثلًا ليس مجرد ترجمة نفسية لشعور الإنسان بالخوف، وإنما حق قانوني يفرض على الدولة التزامات محددة.
رابعًا: الحب والانتماء
يولي ماسلو أهمية للحاجة إلى الحب والانتماء والعلاقات الإنسانية، ويشير إلى أن الإنسان يسعى إلى علاقات ذات معنى وإلى عضوية اجتماعية يشعر من خلالها بأنه مقبول ومندمج في جماعة أو أسرة أو مجتمع (Maslow 1943, pp. 380-381).
ومن هنا يمكن استكشاف صلات بين هذه الحاجات وبين حقوق مثل حماية الأسرة، والحق في تكوين الأسرة، وحرية تكوين الجمعيات، والمشاركة الاجتماعية، وبعض أوجه الحرية الدينية والثقافية. إلا أن الحقوق المذكورة لا تقوم قانونيًا على نظرية ماسلو، بل تستمد قوتها من الصكوك الدولية والإقليمية والوطنية التي تعترف بها.
خامسًا: حاجات التقدير
يقسم ماسلو حاجات التقدير إلى اتجاهين متصلين: الرغبة في التقدير والاعتراف من الآخرين، والحاجة إلى تقدير الذات والشعور بالكفاءة والإنجاز والاستقلالية. ويشير إلى أن إشباع هذه الحاجات يرتبط بالشعور بالقيمة والقدرة والمكانة (Maslow 1943, pp. 382-383).
وهذا المستوى يفتح مجالًا مهمًا للمقارنة مع مبادئ الكرامة والمساواة وعدم التمييز، إلا أن مفهوم الكرامة في القانون الدولي لحقوق الإنسان أوسع بكثير من مفهوم "التقدير" النفسي عند ماسلو. فالكرامة ليست شعورًا فرديًا فحسب، بل مبدأ معياري تقوم عليه حماية الإنسان من الإهانة والتمييز والاستغلال والمعاملة المهينة.
سادسًا: تحقيق الذات
يمثل تحقيق الذات عند ماسلو اتجاهًا نحو تطوير القدرات والإمكانات الكامنة وتحقيق ما يستطيع الفرد أن يكونه. وهو يميز، في تصوره، بين الحاجات المرتبطة بالحرمان والحاجات المرتبطة بالنمو، بحيث لا يكون النمو مجرد التخلص من حالة نقص، وإنما يتضمن تحقيق إمكانات الإنسان (Maslow 1943, pp. 382-384).
ومن هذه الزاوية يمكن أن نجد صلات تفسيرية مع الحق في التعليم، والمشاركة الثقافية، وحرية الفكر والتعبير، والعمل، والمشاركة في الحياة العامة. إلا أن هذه الصلة لا تعني أن "تحقيق الذات" حق قانوني مستقل منصوص عليه في الصكوك الدولية.
المبحث الثاني: حقوق الإنسان: من الكرامة إلى القاعدة القانونية
أولًا: حقوق الإنسان ليست مرادفًا للحاجات
ينبغي التمييز منذ البداية بين ثلاثة مفاهيم: الحاجة، والمصلحة، والحق.
الحاجة تصف ما يتطلبه الإنسان أو الجماعة من أجل البقاء أو الاستقرار أو النمو أو المشاركة. أما المصلحة فتشير إلى ما يكون للإنسان مصلحة معتبرة في حمايته أو تحقيقه. أما الحق، في معناه القانوني، فيتضمن مركزًا قانونيًا يعترف به النظام القانوني ويقابله التزام على عاتق جهة أو أكثر.
ولهذا السبب لا يمكن القول إن كل حاجة إنسانية تتحول تلقائيًا إلى حق. فوجود حاجة إلى الصداقة، مثلًا، لا ينتج بذاته حقًا قانونيًا في أن يكون لكل شخص صديق محدد؛ في حين أن حماية الأسرة أو حرية تكوين الجمعيات يمكن أن تكون موضوعًا لحقوق قانونية محددة.
والفارق نفسه ينطبق على حاجات تحقيق الذات. فحاجة الإنسان إلى الإبداع قد تكون حقيقة نفسية أو اجتماعية، لكن الحق في حرية التعبير أو المشاركة الثقافية أو التعليم له أساس قانوني مستقل.
ثانيًا: الكرامة الإنسانية بوصفها أساسًا معياريًا
يضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الكرامة في قلب منظومة الحقوق عندما يقرر في مادته الأولى أن جميع البشر يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. كما تؤكد ديباجته أن الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية وغير القابلة للتصرف هو أساس الحرية والعدل والسلام (الأمم المتحدة 1948، الديباجة والمادة 1).
ومن هنا تختلف البنية القانونية لحقوق الإنسان عن هرم ماسلو: فالحق لا يصبح حقًا لأن الإنسان "صعد" إلى مستوى معين من الحاجات، بل لأن النظام المعياري يعترف بأن الإنسان، بوصفه إنسانًا، يستحق حماية معينة.
ولهذا فإن الكرامة يمكن أن تكون حلقة وسيطة أكثر دقة بين الحاجة والحق: الحاجة تكشف جانبًا من متطلبات الحياة الإنسانية، والكرامة تمنح هذا المتطلب دلالته المعيارية، والقانون يحوله إلى حق أو مصلحة محمية عندما تتوافر شروط الاعتراف القانوني بها.
ثالثًا: عالمية الحقوق وترابطها
لا تقدم منظومة حقوق الإنسان ترتيبًا قانونيًا يجعل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية "أدنى" من الحقوق المدنية والسياسية، أو يجعل بعضها مقدمة لازمة لجميع الحقوق الأخرى. بل تطورت منظومة حقوق الإنسان الحديثة على أساس الترابط والتكامل بين الحقوق.
وهذا مهم عند استخدام ماسلو؛ لأن الترتيب النفسي أو التفسيري لا ينبغي أن يتحول إلى ترتيب قانوني للحقوق. فقد يحتاج الإنسان إلى الأمن والغذاء كي يمارس حقه في التعبير، لكنه في الوقت نفسه قد يحتاج إلى حرية التعبير والمشاركة السياسية كي يدافع عن حقه في الغذاء أو الصحة أو العمل.
المبحث الثالث: الحاجات الإنسانية والحقوق: من التقاطع إلى التحويل القانوني
يقدم رودولفو ستافنهاغن مدخلًا مفيدًا لهذه المسألة في دراسته Needs, Rights and Social Development الصادرة عن معهد الأمم المتحدة للبحوث في التنمية الاجتماعية عام 2003. فهو يلاحظ أن كثيرًا من الحاجات الإنسانية صيغت في العصر الحديث باعتبارها حقوقًا مشروعة يستطيع المواطنون المطالبة بها، وأن النضالات الاجتماعية من أجل إشباع الحاجات أسهمت تاريخيًا في تحويلها إلى حقوق أصبحت جزءًا من الإطار القانوني والسياسي للعمل العام (Stavenhagen 2003, pp. iii, 7).
وتكتسب هذه الفكرة أهمية لأنها تبتعد عن التصور الميكانيكي الذي يقول إن "الحاجة = الحق". فالحاجة قد تكون نقطة انطلاق اجتماعية أو إنسانية، بينما يحتاج تحويلها إلى حق إلى عملية سياسية وقانونية ومؤسسية.
ويؤكد ستافنهاغن أن جميع البشر لديهم حاجات مادية وثقافية واجتماعية وروحية، وأن سياسات التنمية ينبغي أن تجعل إشباع هذه الحاجات في مركز عملية التنمية، لا أن تعتبره نتيجة ثانوية للنمو الاقتصادي (Stavenhagen 2003, pp. iii-iv).
ومن ثم يمكن اقتراح سلسلة تحليلية أكثر دقة من المطابقة المباشرة بين هرم ماسلو وحقوق الإنسان:
الحاجة الإنسانية ← المصلحة الإنسانية ← القيمة المعيارية/الكرامة ← الاعتراف القانوني ← الحق ← الالتزام ← آليات الحماية والانتصاف ← التمتع الفعلي.
هذه السلسلة تسمح باستخدام نظرية ماسلو دون تحميلها وظيفة لم تُصمم لأدائها.
المبحث الرابع: قراءة مستويات ماسلو في ضوء منظومة حقوق الإنسان
أولًا: الحاجة إلى الغذاء والماء والمستوى المعيشي اللائق
يقدم الحق في الغذاء والماء أوضح الأمثلة على العلاقة بين الحاجات البيولوجية الأساسية وبعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فقد نصت المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل شخص في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، بما في ذلك الغذاء والكساء والمسكن، كما اعترفت المادة نفسها بالحق الأساسي لكل شخص في التحرر من الجوع (الأمم المتحدة 1966، صـ5-6، المادة 11).
أما الماء فقد اكتسب تفسيرًا أكثر تحديدًا في التعليق العام رقم 15 للجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فقد أكدت اللجنة أن الماء مورد محدود وسلعة عامة أساسية للحياة والصحة، وأن الحق في الماء شرط لإعمال حقوق إنسان أخرى. كما حددت مضمون الحق في حصول الجميع على مياه كافية وآمنة ومقبولة وميسورة ومتاح الوصول إليها ماديًا للاستخدامات الشخصية والمنزلية (اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 2002، صـ1-2، الفقرتان 1-2).
وهنا تظهر فائدة ماسلو ولكن في حدودها الصحيحة: فالحاجة إلى الماء تفسر لماذا يمثل الماء شرطًا جوهريًا للحياة، بينما يحدد القانون الدولي مضمون الحق وآليات حمايته والتزامات الدول.
ثانيًا: الأمن والحياة والسلامة
ترتبط حاجات الأمان عند ماسلو بالبحث عن بيئة مستقرة والحماية من التهديدات. ويقدم القانون الدولي لحقوق الإنسان حماية قانونية أكثر تحديدًا للحياة والسلامة الجسدية والشخصية. فالإعلان العالمي ينص على الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي في المادة الثالثة، ويحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في المادة الخامسة (الأمم المتحدة 1948، صـ2، المادتان 3 و5).
ويختلف هذا الأمن القانوني عن "الشعور بالأمان" في نظرية ماسلو. فالدولة لا تضمن ببساطة أن يشعر كل شخص بالطمأنينة، وإنما تتحمل التزامات قانونية محددة في حماية الحقوق ومنع الانتهاكات والتحقيق فيها ومعاقبة المسؤولين عنها وتوفير سبل الانتصاف.
ثالثًا: الصحة بوصفها حاجة وحقًا مركبًا
تمثل الصحة حالة واضحة لتداخل مستويات متعددة من الحاجات. فهي مرتبطة بالبقاء الجسدي، وبالأمان، وبالقدرة على العمل والتعلم والمشاركة الاجتماعية. لكن القانون الدولي لا يختزل الحق في الصحة في مجرد حاجة فسيولوجية.
فقد أكدت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في التعليق العام رقم 14، أن الحق في الصحة حق أساسي لا غنى عنه لممارسة حقوق الإنسان الأخرى، وأن لكل إنسان الحق في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية بما يسمح له بالعيش بكرامة (اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 2000، صـ1، الفقرة 1).
كما أوضحت اللجنة أن الحق في الصحة لا يعني فقط الحصول على العلاج، وإنما يتطلب مجموعة من العوامل والمرافق والسلع والخدمات التي تجعل التمتع بالصحة ممكنًا، وهو ما يجعل الحق في الصحة مثالًا نموذجيًا على الطابع المركب للحقوق الإنسانية.
رابعًا: التعليم من الحاجة إلى التمكين
يمثل التعليم مثالًا آخر على استحالة اختزال الحق في حاجة واحدة. فهو قد يرتبط بتحقيق الذات عند ماسلو، لكنه يرتبط كذلك بالعمل والمشاركة الاجتماعية والكرامة والاستقلالية.
وقد أكدت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في التعليق العام رقم 13 أن التعليم حق إنساني في ذاته، ووسيلة لا غنى عنها لإعمال حقوق الإنسان الأخرى، وأنه أداة أساسية لتمكين الفئات المهمشة اقتصاديًا واجتماعيًا من الخروج من الفقر والمشاركة الكاملة في مجتمعاتها (اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1999، صـ1-2، الفقرة 1).
كما حددت اللجنة أربعة عناصر مترابطة لإتاحة التعليم: التوافر، وإمكانية الوصول، والقبول، وقابلية التكيف، وهو ما يظهر في الفقرة السادسة من التعليق العام رقم 13 (اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1999، صـ3-4، الفقرة 6).
ومن ثم فإن التعليم لا ينبغي أن يوصف فقط بأنه وسيلة لـ"تحقيق الذات"، لأن هذا يضيق نطاقه؛ فهو أيضًا حق قائم بذاته، ووسيلة للتمكين، وأداة لممارسة حقوق أخرى.
خامسًا: العمل والأمن الاقتصادي والاعتراف الاجتماعي
يقدم العمل مثالًا شديد الأهمية على تداخل الحاجات. فالعمل قد يؤمن الدخل، ويوفر الاستقرار، ويتيح علاقات اجتماعية، ويمنح الإنسان الشعور بالإنجاز، ولذلك يمكن ربطه تحليليًا بأكثر من مستوى في تصور ماسلو.
لكن القانون الدولي يضع الحق في العمل في إطار أوسع. فالمادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تعترف بحق كل فرد في فرصة كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، بينما تعترف المادة السابعة بالحق في شروط عمل عادلة ومرضية (الأمم المتحدة 1966، صـ3-4، المادتان 6 و7).
ويؤكد التعليق العام رقم 18 أن الحق في العمل حق أساسي، وأنه يرتبط بكرامة الإنسان، وببقاء الفرد وأسرته، وبالتنمية والاعتراف داخل المجتمع (اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 2005، صـ1، الفقرة 1).
وهذا المثال يكشف بوضوح أن الحق الواحد يمكن أن يستجيب لحاجات متعددة في الوقت نفسه، وأن الحاجة الواحدة يمكن أن ترتبط بعدة حقوق.
المبحث الخامس حدود المطابقة بين هرم ماسلو وحقوق الإنسان
أولًا: مشكلة التدرج الصارم
أكبر مشكلة تواجه محاولة مطابقة هرم ماسلو بحقوق الإنسان هي افتراض أن الإنسان لا يستطيع الاهتمام بالحاجات الأعلى إلا بعد إشباع الحاجات الأدنى بالكامل.
فالنص الأصلي لما سلو أكثر تعقيدًا من هذه الصورة؛ إذ يتحدث عن هيمنة بعض الحاجات عندما تكون غير مشبعة بدرجة كبيرة، ولا يقدم قانونًا آليًا يفسر كل السلوك الإنساني في جميع السياقات (Maslow 1943, pp. 373-384).
كما أن المراجعة التجريبية التي أجراها Wahba وBridwell خلصت إلى أن الدراسات المتاحة تقدم دعمًا جزئيًا فقط لمفهوم التسلسل الهرمي، ولم تجد الدراسات الطولية التي اختبرت بعض فرضيات النظرية دعمًا كافيًا لفرضية أن إشباع حاجة معينة يؤدي بالضرورة إلى تنشيط الحاجة التالية (Wahba and Bridwell 1976, pp. 212-240).
ثانيًا: الحاجات لا تتحرك دائمًا في خط صاعد
تقدم دراسة Tay وDiener دليلًا أكثر حداثة على تعقيد العلاقة بين الحاجات والرفاه. فقد فحص الباحثان العلاقة بين إشباع الحاجات والرفاه الذاتي في عينة شملت 123 دولة، ووجدَا أن إشباع الحاجات ارتبط بالرفاه عبر مناطق العالم، لكن العلاقات بين إشباع الحاجات المختلفة والرفاه كانت في جانب مهم منها مستقلة نسبيًا بعضها عن بعض (Tay and Diener 2011, pp. 354-365).
وهذا يعني أن الإنسان قد يبحث عن الحب أو الكرامة أو الحرية أو المعنى حتى في ظروف مادية صعبة، كما قد يخاطر بحاجاته المادية من أجل قيمة أو اعتقاد أو علاقة أو قضية. ولذلك لا يصح تحويل الهرم إلى قاعدة قانونية تقول إن حقًا معينًا يجب أن يسبق حقًا آخر في جميع الأحوال.
ثالثًا: الاختلاف الثقافي والاجتماعي
تكشف الدراسات المقارنة كذلك أن الحاجات الإنسانية لا يمكن فهمها خارج السياق الاجتماعي والثقافي. وقد أظهرت دراسة Tay وDiener أن بعض العلاقات بين إشباع الحاجات الأساسية والأمان والرفاه كانت مرتبطة بسياق الدولة، في حين ظهرت أنماط أكثر اتساقًا في بعض الحاجات النفسية والاجتماعية (Tay and Diener 2011, pp. 354-365).
ومن ثم فإن استخدام ماسلو في مجال حقوق الإنسان ينبغي ألا يؤدي إلى فرض ترتيب ثقافي واحد للحاجات على جميع المجتمعات.
رابعًا: الحقوق ليست كلها قابلة للاختزال في الحاجات
هناك حقوق لا يمكن تفسيرها بصورة كافية من خلال الحاجات النفسية وحدها. فحظر التعذيب، مثلًا، لا يستمد أهميته فقط من أن الإنسان "يحتاج" إلى عدم الألم، وإنما يرتبط بحماية الكرامة والسلامة الجسدية وبمنع السلطة من تحويل الإنسان إلى موضوع للإكراه والإذلال.
وبالمثل، المساواة أمام القانون ليست مجرد حاجة نفسية إلى التقدير، وإنما قاعدة قانونية تتعلق بالمركز المتساوي للأشخاص وبحظر التمييز.
وهذا يوضح أن الحاجات يمكن أن تساعد على تفسير لماذا تكون بعض المصالح الإنسانية مهمة، لكنها لا تستنفد الأساس المعياري للحقوق.
المبحث السادس: نحو نموذج تكاملي للعلاقة بين الحاجات والحقوق
استنادًا إلى التحليل السابق يمكن اقتراح نموذج أكثر دقة للعلاقة بين الحاجات وحقوق الإنسان، يقوم على سبع حلقات مترابطة:
1. الحاجة الإنسانية: وهي المتطلب البيولوجي أو النفسي أو الاجتماعي أو الثقافي الذي يرتبط ببقاء الإنسان أو استقراره أو نموه أو مشاركته.
2. المصلحة الإنسانية: تتحول الحاجة إلى مصلحة عندما يصبح من الممكن تحديد ما الذي يستفيد منه الشخص أو الجماعة وما الذي يتعرض للخطر عند عدم تلبية الحاجة.
3. القيمة المعيارية والكرامة: لا يكفي أن تكون هناك مصلحة؛ بل يجب أن تكتسب هذه المصلحة قيمة معيارية تجعل حمايتها جزءًا من احترام الإنسان وكرامته ومساواته.
4. الاعتراف القانوني: في هذه المرحلة تدخل المصلحة في مجال القانون، سواء من خلال الدستور أو المعاهدة أو التشريع أو الاجتهاد القضائي أو غير ذلك من مصادر القانون.
5. الحق: يصبح للشخص مركز قانوني يمكن الاحتجاج به، وتصبح الحماية قابلة للصياغة في صورة حق أو حرية أو ضمان قانوني.
6. الالتزام: كل حق يفترض التزامات مقابلة. وقد تكون هذه الالتزامات سلبية، مثل الامتناع عن التعذيب، أو إيجابية، مثل اتخاذ تدابير لتحقيق التمتع الفعلي بالحق في الصحة أو التعليم.
7. الحماية والانتصاف والتمتع الفعلي: لا تكتمل الحماية بمجرد إعلان الحق؛ إذ ينبغي أن تتوافر آليات تمنع الانتهاك، وتراقبه، وتوفر الانتصاف عند وقوعه.
وبذلك يمكن صياغة النموذج في صورة:
الحاجة ← المصلحة ← الكرامة والقيمة المعيارية ← الاعتراف القانوني ← الحق ← الالتزام ← الحماية والانتصاف ← التمتع الفعلي.
ويمتاز هذا النموذج بأنه لا يجعل ماسلو مصدرًا للحقوق، بل يستخدم نظرية الحاجات في المرحلة التفسيرية الأولى، بينما يترك تحديد مضمون الحقوق ومصادرها والتزامات الدول للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
المبحث السابع: الحاجات والحقوق في أربعة تطبيقات رئيسية
أولًا: الغذاء والماء
تكشف حالة الغذاء والماء عن أقوى صلة بين الحاجة والحق. فالإنسان يحتاج بيولوجيًا إلى الغذاء والماء، لكن القانون الدولي لا يكتفي بالإقرار بهذه الحقيقة؛ بل يحولها إلى حقوق والتزامات.
فالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يربط المستوى المعيشي اللائق بالغذاء، ويقر بالحق الأساسي في التحرر من الجوع (الأمم المتحدة 1966، صـ5-6، المادة 11).
أما التعليق العام رقم 15 فقد جعل الحق في الماء أكثر تحديدًا، إذ ربطه بالكمية الكافية والسلامة والمقبولية وإمكانية الوصول المادي والقدرة على تحمل التكلفة (اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 2002، صـ1-2، الفقرة 2).
وبذلك لا يكون الماء مجرد "حاجة فسيولوجية" في التحليل الحقوقي، بل موردًا يرتبط بالحياة والصحة والكرامة وبإعمال حقوق أخرى.
ثانيًا: التعليم
يمكن أن يخدم التعليم حاجات متعددة: المعرفة، والاستقلال، والعمل، والانتماء، والتقدير، وتحقيق الإمكانات. لكن قوته الحقوقية لا تنشأ من كونه يحقق حاجات ماسلو، وإنما من الاعتراف به حقًا مستقلًا.
وقد أكدت اللجنة أن التعليم "حق إنساني في ذاته" ووسيلة لإعمال حقوق أخرى، وأنه يؤدي وظيفة تمكينية خاصة للفئات المهمشة (اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1999، صـ1-2، الفقرة 1).
ومن هنا ينبغي تجنب القول إن التعليم هو فقط "الحاجة العليا" في هرم ماسلو؛ فهو حق قانوني مستقل، ووسيلة لتحقيق مجموعة واسعة من الحقوق.
ثالثًا: الصحة
توضح الصحة بصورة خاصة تداخل الحاجات. فالإنسان يحتاج إلى الصحة كي يعيش ويعمل ويتعلم ويشارك، لكن الحق في الصحة يتضمن إطارًا قانونيًا أكثر اتساعًا من مجرد الحاجة إلى البقاء.
وقد أكدت اللجنة أن الحق في الصحة أساسي لممارسة حقوق الإنسان الأخرى، وأن مضمونه يتصل بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة، وبمجموعة من العوامل والمرافق والخدمات اللازمة لتحقيقه (اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 2000، صـ1-3، الفقرات 1-4).ومن ثم فإن الصحة مثال واضح على أن الحقوق لا تنتمي بالضرورة إلى "درجة واحدة" من هرم الحاجات.
رابعًا: العمل
يمثل العمل حقًا متعدد الأبعاد. فهو قد يؤمن الدخل، والاستقرار، والعلاقات الاجتماعية، والشعور بالإنجاز، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى حماية قانونية من الاستغلال والتمييز والظروف غير العادلة.
وقد ربط التعليق العام رقم 18 بين الحق في العمل وكرامة الإنسان وبقاء الفرد وأسرته وتطوره واعتراف المجتمع به (اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 2005، صـ1، الفقرة 1).
وهكذا يمكن استخدام ماسلو للكشف عن تعدد الأبعاد الإنسانية للعمل، لكن لا يجوز اختزال الحق في العمل في وظيفته الاقتصادية أو النفسية.
النتائج
يمكن استخلاص مجموعة من النتائج الأساسية:
أولًا: تمثل نظرية ماسلو إسهامًا مهمًا في تفسير الدافعية الإنسانية، لكنها ليست نظرية قانونية في حقوق الإنسان. فقد صاغ ماسلو نظريته في سياق علم النفس والدافعية، ولم يقصد بها تحديد مصادر الحقوق أو ترتيبها القانوني (Maslow 1943, pp. 370-384).
ثانيًا: لا تدعم الأدلة التجريبية بصورة كافية تحويل هرم ماسلو إلى تسلسل صارم وعالمي للحاجات. فقد خلصت مراجعة Wahba وBridwell إلى دعم جزئي فقط لفرضية الهرم، بينما أظهرت دراسة Tay وDiener أن إشباع الحاجات يرتبط بالرفاه عبر 123 دولة بطرق أكثر تعقيدًا من التسلسل الهرمي البسيط (Wahba and Bridwell 1976, pp. 212-240; Tay and Diener 2011, pp. 354-365).
ثالثًا: توجد علاقة تحليلية قوية بين بعض الحاجات الإنسانية وبعض الحقوق، ولا سيما الغذاء والماء والصحة والتعليم والعمل والأمن، لكن العلاقة ليست علاقة تطابق قانوني.
رابعًا: يمكن أن تشكل الحاجات الإنسانية أحد العناصر التي تساعد في تفسير القيمة الإنسانية لبعض الحقوق، إلا أن الكرامة والاعتراف القانوني والالتزامات وآليات الحماية هي التي تمنح الحق بنيته القانونية.
خامسًا: يمكن فهم التحول من الحاجة إلى الحق من خلال مسار متدرج يبدأ بالحاجة، ثم المصلحة، ثم القيمة المعيارية، ثم الاعتراف القانوني، فالحق، فالالتزام، فالحماية والانتصاف.
سادسًا: يبين تحليل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن الحق الواحد يمكن أن يخدم حاجات متعددة في آن واحد؛ فالعمل، مثلًا، يمكن أن يرتبط بالحاجات المادية والأمن والانتماء والتقدير والتنمية الذاتية.
سابعًا: لا ينبغي استخدام هرم ماسلو لترتيب حقوق الإنسان بحسب "الأهمية"، لأن الحقوق مترابطة ومتداخلة، ولأن إضعاف أحدها قد يؤثر في القدرة على ممارسة حقوق أخرى.
التوصيات
1. استخدام هرم ماسلو بوصفه أداة تفسيرية لا مصدرًا قانونيًا لحقوق الإنسان. ينبغي عند الكتابة في هذا المجال تجنب التعبير الذي يوحي بأن الحقوق الدولية مشتقة مباشرة من مستويات هرم ماسلو.
2. التمييز بين الحاجة والحق. فالحاجة قد تكون أساسًا إنسانيًا أو اجتماعيًا لتفسير أهمية الحماية، لكنها لا تتحول إلى حق قانوني إلا عبر عملية معيارية وقانونية.
3. اعتماد مفهوم الكرامة بوصفه حلقة وسيطة. فمن الأنسب تفسير العلاقة وفق الصيغة: الحاجة الإنسانية تكشف المصلحة، والكرامة تمنحها قيمتها المعيارية، والقانون يحولها إلى حق محمي.
4. عدم استخدام الهرم بوصفه ترتيبًا جامدًا للحقوق. ينبغي الاعتراف بتداخل الحاجات، وبإمكان وجودها في الوقت نفسه، وبالاختلاف بين الأفراد والمجتمعات.
5. الاستناد إلى المصادر الأولية في تحديد مضمون الحقوق. عند دراسة الحق في الماء أو الصحة أو التعليم أو العمل، ينبغي الرجوع إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليقات العامة الصادرة عن اللجنة المختصة، بدل الاكتفاء بالمصادر الثانوية.
6. تطوير دراسات متعددة التخصصات. تظل العلاقة بين الحاجات والحقوق مجالًا مناسبًا للجمع بين علم النفس، وعلم الاجتماع، والفلسفة السياسية، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ودراسات التنمية.
7. ربط دراسة الحاجات بمفهوم التمتع الفعلي بالحقوق. فلا يكفي أن تنص الدولة على الحق؛ بل يجب فحص ما إذا كان الإنسان يستطيع فعليًا الحصول على الغذاء والماء والصحة والتعليم والعمل والحماية القانونية.
خاتمة
تكشف المقارنة بين نظرية ماسلو ومنظومة حقوق الإنسان عن علاقة غنية، لكنها ليست علاقة تطابق. فماسلو يقدم إطارًا نفسيًا لفهم بعض دوافع الإنسان وحاجاته، بينما تقدم حقوق الإنسان إطارًا معياريًا وقانونيًا لحماية الإنسان وكرامته وحرياته ومصالحه الأساسية.
وتكمن قيمة نظرية الحاجات بالنسبة إلى دراسة حقوق الإنسان في أنها تذكرنا بأن الحقوق لا تعمل في فراغ اجتماعي؛ فالحق في الغذاء يتعلق بإنسان يحتاج إلى الغذاء، والحق في الماء يتعلق بإنسان يحتاج إلى الماء، والحق في الصحة يتعلق بإنسان يحتاج إلى شروط تمكنه من العيش، والحق في التعليم يتعلق بإنسان يحتاج إلى المعرفة والتمكين والمشاركة، والحق في العمل يتعلق بإنسان يحتاج إلى مورد للعيش وإلى المشاركة والاعتراف الاجتماعي.
لكن الانتقال من هذه الحقيقة الإنسانية إلى الحق القانوني ليس انتقالًا مباشرًا. فالحاجة ليست حقًا بالمعنى القانوني لمجرد وجودها، والحق لا يصبح أكثر أو أقل أهمية تبعًا لموقعه المفترض في هرم نفسي. إنما تتدخل الكرامة والقيم المعيارية والقواعد القانونية والمؤسسات وآليات الحماية والانتصاف في تحويل المصلحة الإنسانية إلى مركز قانوني قابل للحماية والمطالبة.
ومن هنا يبدو النموذج الأكثر دقة هو:
الحاجة الإنسانية ← المصلحة الإنسانية ← الكرامة والقيمة المعيارية ← الاعتراف القانوني ←الحق ← الالتزام ←الحماية والانتصاف ← التمتع الفعلي.
ووفق هذا النموذج، لا يصبح هرم ماسلو "هرمًا لحقوق الإنسان"، وإنما يصبح عدسة تفسيرية تساعد على فهم بعض الشروط الإنسانية التي تجعل منظومة الحقوق ضرورية. أما المصدر القانوني للحقوق، ومضمونها، وحدودها، والتزامات الدول بشأنها، فتظل مسائل يحكمها القانون الدولي لحقوق الإنسان ومصادره وآلياته.
***
خليل إبراهيم كاظم الحمداني – باحث
........................
قائمة المراجع
أولًا: المصادر الأصلية والأكاديمية
- Maslow, Abraham H. "A Theory of Human Motivation." Psychological Review 50, no. 4 (1943): 370-396.
- Stavenhagen, Rodolfo. Needs, Rights and Social Development. Overarching Concerns, Paper No. 2. Geneva: United Nations Research Institute for Social Development, 2003.
- Tay, Louis, and Ed Diener. "Needs and Subjective Well-Being Around the World." Journal of Personality and Social Psychology 101, no. 2 (2011): 354-365. DOI: 10.1037/a0023779.
- Wahba, Mahmoud A., and Lawrence G. Bridwell. "Maslow Reconsidered: A Review of Research on the Need Hierarchy Theory." Organizational Behavior and Human Performance 15, no. 2 (1976): 212-240. DOI: 10.1016/0030-5073(76)90038-6.
ثانيًا: الوثائق الدولية
- الأمم المتحدة. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. اعتمدته الجمعية العامة في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948.
- الأمم المتحدة. العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. اعتمدته الجمعية العامة بموجب القرار 2200 ألف (د-21)، 16 كانون الأول/ديسمبر 1966.
- اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. التعليق العام رقم 13: الحق في التعليم (المادة 13 من العهد). الوثيقة E/C.12/1999/10، 8 كانون الأول/ديسمبر 1999، 16 صفحة.
- اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. التعليق العام رقم 14: الحق في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة (المادة 12 من العهد). الوثيقة E/C.12/2000/4، 11 آب/أغسطس 2000، 21 صفحة.
- اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. التعليق العام رقم 15: الحق في الماء. الوثيقة E/C.12/2002/11، 20 كانون الثاني/يناير 2003.
- اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. التعليق العام رقم 18: الحق في العمل. الوثيقة E/C.12/GC/18، 6 شباط/فبراير 2006.








