عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

منير محقق: المنهاج الدراسي في المنظومة التربوية المغربية

من بناء التصور إلى تحديات التنزيل والممارسة

على سبيل الافتتاح: يمثل المنهاج الدراسي أحد المكونات المركزية في بناء المنظومة التربوية، باعتباره الإطار الذي تنتظم داخله مختلف الاختيارات التي تحدد غايات التربية والتكوين، ومضامين التعلم، وطرائق التدريس، والأنشطة التعليمية، ووسائل التقويم، والأدوار المنوطة بكل من المدرس والمتعلم. ولذلك لم يعد المنهاج في التصورات التربوية الحديثة مجرد قائمة من المعارف والموضوعات التي ينبغي تدريسها خلال موسم دراسي معين، وإنما أصبح تصورا متكاملا للفعل التربوي، يتقاطع فيه البعد المعرفي مع البعد المهاري والقيمي والتواصلي.

وقد ارتبط تطور مفهوم المنهاج بتطور النظرة إلى المدرسة والمتعلم والمعرفة. فإذا كانت المدرسة التقليدية قد أولت أهمية كبرى لنقل المعارف وتلقينها، فإن الاتجاهات التربوية الحديثة أعادت النظر في هذه الوظيفة، وجعلت المتعلم طرفا فاعلا في بناء تعلماته، وربطت المعرفة بالاستعمال والتوظيف وحل المشكلات والتفاعل مع المحيط. ومن ثم أصبح المنهاج مطالبا بأن يستجيب ليس فقط لما ينبغي أن يعرفه المتعلم، وإنما أيضا لما ينبغي أن يكون قادرا على إنجازه وتوظيفه في وضعيات مختلفة.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن المنهاج الدراسي يقود بالضرورة إلى الحديث عن فلسفة المدرسة ووظائفها وأدوارها في المجتمع. فالمنهاج ليس كيانا منفصلا عن السياق الاجتماعي والثقافي، وإنما هو انعكاس لمجموعة من الاختيارات التي تتصل بصورة الإنسان الذي يراد تكوينه، وبطبيعة المواطن الذي يراد إعداده، وبالمعارف والقيم والمهارات التي ينظر إليها المجتمع باعتبارها ضرورية لبناء مستقبله.

وقد عرف مفهوم المنهاج، تبعا لذلك، انتقالا من التصور الضيق الذي يساويه بالمقرر أو البرنامج الدراسي إلى تصور أكثر شمولا يعتبره منظومة مترابطة من الأهداف والمضامين والطرائق والوسائل والتقويم، حيث لا ينبغي  أن يختزل المنهاج في عنصر واحد من عناصر العملية التعليمية، وإنما ينبغي النظر إليه باعتباره بنية متكاملة تتفاعل مكوناتها من أجل تحقيق أهداف تربوية محددة.

وفي السياق المغربي، اكتسب موضوع المنهاج أهمية خاصة بفعل توالي الإصلاحات التي عرفتها منظومة التربية والتكوين. فقد مر إصلاح المناهج بمحطات متعددة، من وثيقة إصلاح سنة 1985، إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999، ثم الوثيقة الإطار والكتاب الأبيض سنة 2002، وصولا إلى الإصلاحات اللاحقة والرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030. ويكشف هذا المسار عن استمرار البحث عن نموذج تربوي قادر على الاستجابة للتحولات التي عرفها المجتمع المغربي وعلى تجاوز الاختلالات التي أفرزتها الممارسات السابقة.

غير أن تعدد الإصلاحات وتوالي الوثائق الرسمية لا يعني بالضرورة أن المنهاج استطاع دائما الانتقال بصورة سلسة من مستوى التصور إلى مستوى الممارسة. فهناك مسافة قد تنشأ بين المنهاج كما تصوغه الجهات الرسمية، والمنهاج كما يفهمه المدرس، والمنهاج كما يمارس داخل الفصل، ثم النتائج الفعلية التي يحققها المتعلم.

وهنا تبرز إحدى أهم الإشكالات التي تحاول هذه الدراسة مقاربتها: هل تكمن أزمة المنهاج في طريقة بنائه وتصوره، أم في شروط تنزيله وممارسته؟ وهل يكفي تغيير المضامين والوثائق والمقاربات البيداغوجية من أجل تحقيق إصلاح فعلي، أم أن نجاح المنهاج يقتضي إصلاحا متزامنا لمختلف عناصر المنظومة؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر عندما ننظر إلى المنهاج باعتباره مسارا ممتدا عبر مختلف الأسلاك التعليمية، فالمنهاج في التعليم الابتدائي يضطلع بوظيفة تأسيسية، بينما ينتقل في التعليم الإعدادي إلى بناء تعلمات أكثر تنظيما وعمقا، ثم يبلغ في التعليم الثانوي التأهيلي مستوى أعلى من التخصص والتجريد والتفكير والتحليل، استعدادا لمواصلة الدراسة الجامعية أو الاندماج في الحياة المهنية. ومن ثم لا يمكن دراسة المنهاج باعتباره وثيقة واحدة جامدة، وإنما باعتباره منظومة تتغير وظائفها وطرائق تنزيلها تبعا لتغير خصائص المتعلم ومستوى التعلم وطبيعة الغايات التربوية.

وقد أظهرت المادة الأصلية أن عملية تنزيل المناهج تواجه صعوبات متعددة، من بينها اتساع البرامج مقارنة بالزمن المدرسي، وكثرة الأنشطة، وصعوبة الجمع بين استكمال المقرر والتعمق في التعلمات، بما قد يؤدي إلى تغليب الكم على الكيف.

كما أن مشكلات المنهاج لا ترتبط بالمحتويات وحدها، وإنما تتداخل فيها عوامل تتصل بالمدرس والمتعلم والكتاب المدرسي والمحيط الاجتماعي والنفسي والثقافي، وهو ما يجعل إصلاح المنهاج قضية منظومية لا يمكن معالجتها من خلال عنصر واحد.

وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى إعادة النظر في المنهاج الدراسي داخل المنظومة التربوية المغربية من خلال الجمع بين مستويين متكاملين: مستوى التصور النظري الذي يحدد فلسفة المنهاج ومكوناته وغاياته، ومستوى الممارسة الذي يكشف شروط تنزيله والعوائق التي قد تحد من فعاليته.

 إشكالية الدراسة:

ينطلق البحث من ملاحظة أساسية تتمثل في أن المنهاج الدراسي أصبح محورا رئيسا في مختلف مشاريع إصلاح المنظومة التربوية، غير أن كثرة المراجعات والتعديلات لم تؤدي إلى تجاوز جميع الصعوبات التي تواجه المدرسة المغربية.

حيث ظلت الإصلاحات المتعاقبة تواجه إشكالات في التنفيذ، وأن المنهاج قد يجد نفسه أمام فجوة بين ما تفرضه الوثائق الرسمية من أهداف وكفايات ومضامين، وبين ما تسمح به شروط العمل الميداني من إمكانات. ومن هنا يمكن أن نطرح سؤالا حول ما إذا كان النقص يكمن في المستوى النظري أم في المستوى التطبيقي، وما إذا كان تجديد المنهاج وحده كافيًا لتحقيق النتائج المرجوة.

وانطلاقا من ذلك، يمكن صياغة الإشكالية المركزية للدراسة في السؤال الآتي:

إلى أي حد استطاع المنهاج الدراسي في المنظومة التربوية المغربية الانتقال من مستوى التصور والإصلاح النظري إلى مستوى الممارسة الفعلية، وما أبرز الإكراهات التي تحد من تنزيله وتحقيق غاياته عبر مختلف الأسلاك التعليمية؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الجزئية من قبيل:

ما المقصود بالمنهاج الدراسي وما مكوناته الأساسية؟

كيف تطور مفهوم المنهاج من التصور التقليدي إلى التصورات التربوية الحديثة؟

ما الأسس الفكرية والفلسفية والاجتماعية التي يقوم عليها بناء المنهاج؟

كيف تطور المنهاج الدراسي في سياق إصلاح المنظومة التربوية المغربية؟

ما طبيعة التحول الذي أحدثته المقاربة بالكفايات؟

كيف تتغير وظائف المنهاج تبعا لمراحل التعليم المختلفة؟

أين تتمثل الفجوة بين المنهاج الرسمي والمنهاج الممارس؟

ما أبرز الإكراهات التي تواجه المدرس والمتعلم أثناء تنزيل المنهاج؟

وما المداخل الممكنة لتحقيق قدر أكبر من الانسجام بين المنهاج المعلن والمنهاج الفعلي؟

أهمية الدراسة:

تظهر أهمية هذه الدراسة من المكانة التي يحتلها المنهاج في بناء العملية التعليمية التعلمية برمتها، فهو الذي يحدد نوعية التعلمات التي ينبغي أن يكتسبها المتعلم، والمهارات التي ينبغي أن يمتلكها، والقيم التي ينبغي أن تتشكل لديه، كما يوجه الممارسات التعليمية ويؤطر طرائق التقويم.

وتتضاعف هذه الأهمية في السياق المغربي بالنظر إلى توالي مشاريع الإصلاح التي جعلت من مراجعة المناهج والبرامج أحد المداخل الأساسية لتطوير المدرسة. وقد ارتبط تغيير المناهج، في بعض محطات الإصلاح، بإعادة تنظيم الأسلاك والمستويات والزمن المدرسي، بما يؤكد أن إصلاح المنهاج كان ينظر إليه باعتباره جزءا من إصلاح شامل للمنظومة.

كما تستمد الدراسة أهميتها من محاولة تجاوز النظرة التجزيئية التي تحصر دراسة المنهاج في سلك تعليمي واحد، وذلك من خلال النظر إليه باعتباره منظومة ممتدة من التعليم الابتدائي إلى التعليم الثانوي التأهيلي.

وتنبع أهميتها كذلك من بعدها النقدي، إذ لا تكتفي بوصف المنهاج كما يظهر في الوثائق الرسمية، وإنما تحاول مساءلة العلاقة بين التصور والتنفيذ، وبين الإصلاح والممارسة، وبين الكفايات المعلنة والكفايات المتحققة.

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف لعل من أهمها ما يأتي:

تحديد مفهوم المنهاج الدراسي وتمييزه عن المفاهيم المتداخلة معه.

إبراز التحولات التي عرفها مفهوم المنهاج في الفكر التربوي.

تحليل الأسس النظرية والفلسفية والاجتماعية التي يقوم عليها بناء المناهج.

تتبع أهم محطات إصلاح المنهاج في المنظومة التربوية المغربية.

بيان خصوصية المنهاج عبر مختلف الأسلاك التعليمية.

تحليل موقع المقاربة بالكفايات في التصور الحديث للمنهاج.

الكشف عن الفجوة الممكنة بين المنهاج الرسمي والمنهاج الممارس.

تشخيص أبرز الإكراهات التي تعيق عملية التنزيل.

إبراز دور المدرس والمتعلم والكتاب المدرسي والتقويم في إنجاح المنهاج.

اقتراح مداخل عملية لتطوير المنهاج وتحقيق قدر أكبر من الفعالية والواقعية.

 مفهوم المنهاج الدراسي وتحولاته:

لم يعد المنهاج الدراسي في الفكر التربوي الحديث مجرد وثيقة تحدد الموضوعات التي ينبغي للمدرس تقديمها، بل أصبح مفهوما مركبا يشمل مختلف مكونات العملية التعليمية.

ويقتضي هذا التصور التمييز بين المنهاج والبرنامج والمقرر والكتاب المدرسي. فالبرنامج يركز أساسا على ما ينبغي تدريسه من موضوعات خلال فترة معينة، بينما يتجاوز المنهاج هذا الجانب ليشمل الغايات والأهداف والكفايات والطرائق والأنشطة والوسائل والتقويم.

وبذلك يصبح المنهاج تصورا عاما للفعل التربوي، في حين يمثل الكتاب المدرسي أحد الوسائط التي تترجم بعض اختياراته إلى محتويات وأنشطة.

فدراسة المنهاج تستدعي تحديد مفاهيم متعددة، من بينها المنهاج والمنهج واللغة والمنهجية والبرنامج والمقرر والكتاب المدرسي والكفاية والمدرسة، وهو ما يعكس الطبيعة المركبة للمفهوم.

ومن هنا يمكن القول إن المنهاج الناجح هو الذي يحقق الانسجام بين مختلف مكوناته، بحيث لا تكون الأهداف منفصلة عن المضامين، ولا تكون المضامين منفصلة عن طرائق التدريس، ولا تكون التقويمات منفصلة عن الكفايات المستهدفة.

الأسس الفلسفية والاجتماعية للمنهاج:

لا يؤسس المنهاج من فراغ، وإنما يعكس تصورا معينا للإنسان والمجتمع والمعرفة. ولذلك فإن أي منهاج دراسي يحمل ضمنيًا اختيارات فلسفية وثقافية واجتماعية.

فالمدرسة لا تكتفي بإكساب المتعلم المعارف، وإنما تسهم في تشكيل شخصيته وفي بناء علاقته بالمجتمع وبالقيم وبالثقافة. ومن ثم فإن بناء المنهاج ينبغي أن يستحضر خصائص المجتمع وتحولاته وحاجاته المستقبلية.

وهذا يفسر كون المناهج قابلة للمراجعة والتطوير؛ لأن المجتمع نفسه ليس ثابتا، والمعرفة تتطور، والتكنولوجيا تتغير، وحاجات المتعلم تتبدل.

وعليه، فإن المنهاج الذي لا يواكب هذه التحولات قد يتحول إلى إطار جامد يفصل المدرسة عن محيطها بدل أن يجعلها مؤسسة فاعلة في المجتمع.

 المنهاج في سياق إصلاح المنظومة التربوية المغربية:

تكشف التجربة المغربية عن مسار طويل من محاولات إصلاح المناهج. فقد شهدت المنظومة محطات متعددة بدأت بوثائق إصلاحية سابقة، ثم تعززت مع الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والكتاب الأبيض، والمخطط الاستعجالي، وصولا إلى الرؤية الاستراتيجية 2015-2030.

وقد جاءت هذه الإصلاحات استجابة لتراكم مجموعة من الاختلالات، وهو ما جعل الحاجة إلى تقييم المكتسبات والصعوبات جزءا أساسيا من التفكير في مستقبل المدرسة. وتوضح المادة أن الرؤية الاستراتيجية جاءت في سياق فحص ما تحقق من الإصلاحات السابقة والكشف عن الاختلالات والصعوبات وتحديد رهانات المرحلة المقبلة.

ويكشف هذا المسار أن إصلاح المنهاج في المغرب لم يكن مسألة ثابتة، وإنما كان عملية متواصلة من المراجعة والتحيين.

غير أن استمرار الإصلاح لا ينبغي أن يعني استمرار التغيير فقط، بل ينبغي أن يعني أيضا القدرة على التعلم من نتائج الإصلاح السابق.

وهنا تتأكد أهمية التقويم حيث لا يمكن تطوير منهاج دون معرفة ما الذي نجح، وما الذي لم ينجح، ولماذا.

المنهاج الدراسي عبر مختلف الأسلاك التعليمية:

لا يؤدي المنهاج الدراسي الوظيفة نفسها في جميع مراحل التعليم، وإن كانت الأسس العامة والغايات الكبرى للمنظومة التربوية تجمع بينها. فلكل سلك تعليمي خصوصياته المرتبطة بسن المتعلمين، ومستوى نموهم العقلي والوجداني، وطبيعة المعارف المقدمة، والمهارات المراد بناؤها، والآفاق التي تفتحها المرحلة أمام المتعلم.

ومن ثم فإن الحديث عن منهاج موحد لا يعني بالضرورة تطابق المناهج بين مختلف الأسلاك، وإنما يعني وجود استمرارية وتدرج وتكامل بينها، بحيث تشكل كل مرحلة امتدادا لما قبلها وتمهيدا لما بعدها.

المنهاج في التعليم الابتدائي: مرحلة التأسيس وبناء التعلمات الأساسية:

يمثل التعليم الابتدائي قاعدة الهرم التعليمي، ولذلك تتركز وظيفته الأساسية في تمكين المتعلم من الأدوات الأولى التي تسمح له بالتعلم المستقل والمتدرج. وتأتي القراءة والكتابة والحساب والتواصل في مقدمة هذه التعلمات، إلى جانب تنمية الشخصية والمهارات الاجتماعية والقيمية.

ولا ينبغي النظر إلى المنهاج في هذه المرحلة باعتباره مجرد مجموعة من الدروس، وإنما باعتباره إطارا لتكوين شخصية المتعلم وإكسابه القدرة على التعلم والتفاعل مع محيطه.

وهنا تأتي أهمية التركيز على الكفايات والمعارف الأساسية خلال السنوات الأولى، بما يسمح للمتعلم بمتابعة مساره الدراسي في المراحل اللاحقة بعد امتلاك الأدوات الضرورية للتعلم.

ومن هنا فإن أي اختلال في هذه المرحلة قد تكون له آثار ممتدة على المسار الدراسي اللاحق، لأن التعثر في التعلمات الأساسية يصعب تجاوزه كلما انتقل المتعلم إلى مستويات أكثر تعقيدا.

المنهاج في التعليم الإعدادي: مرحلة الانتقال وبناء الاستقلالية:

يشكل التعليم الإعدادي مرحلة وسطى بين التأسيس الذي يميز التعليم الابتدائي والتخصص النسبي الذي يميز التعليم الثانوي التأهيلي.

ويتميز المنهاج في هذه المرحلة بارتفاع تدريجي في مستوى التجريد، وتوسع دائرة المعارف، وتعدد المواد والتخصصات، وانتقال المتعلم من التعلمات الأساسية إلى توظيفها في مجالات أكثر تنوعا.

وهنا يصبح المتعلم مطالبا ليس فقط باستيعاب المعرفة، وإنما بفهم العلاقات القائمة بين مكوناتها، وباكتساب قدر أكبر من الاستقلالية في التعلم والبحث والتعبير.

ومن ثم فإن نجاح المنهاج الإعدادي يتوقف على قدرته على تحقيق التدرج بين ما تم اكتسابه في الابتدائي وما سيأتي في الثانوي التأهيلي، حتى لا تتحول هذه المرحلة إلى مجرد حلقة انتقالية منفصلة عن باقي المسار.

المنهاج في التعليم الثانوي التأهيلي: المعرفة والتخصص وبناء التفكير:

تكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لأنها تمثل مستوى متقدما من المسار المدرسي، وتنتقل فيها التعلمات من مستوى التأسيس العام إلى مستوى أكثر عمقا وتنظيما وتخصصا.

فالمنهاج في الثانوي التأهيلي لا ينبغي أن يقتصر على تقديم معارف تخصصية، وإنما يفترض أن يطور لدى المتعلم القدرة على التحليل والتركيب والاستدلال والنقد والمناقشة وإنتاج المعرفة.

وهنا تتعاظم مسؤولية المنهاج في إعداد المتعلم للمرحلة الجامعية أو للتكوين المهني أو للاندماج في الحياة الاجتماعية والمهنية.

ومن هذه الزاوية، فإن الثانوي التأهيلي يمثل اختبارا حقيقيا لمدى نجاح الإصلاحات السابقة؛ لأن المتعلم الذي يصل إلى هذه المرحلة ينبغي أن يكون قد راكم مجموعة من الكفايات التي تمكنه من التعامل مع المعرفة بصورة أكثر استقلالية ونضجا.

وبالنسبة إلى اللغة العربية، مثلا، لا ينبغي أن ينحصر التعلم في استيعاب القواعد أو حفظ المفاهيم، وإنما ينبغي أن ينتقل إلى تحليل النصوص، وبناء المواقف، وممارسة النقد، وإنتاج الخطاب، والقدرة على توظيف اللغة في التفكير والتواصل.

وهنا تبرز أهمية الانسجام بين مختلف الأسلاك؛ إذ لا يمكن مطالبة المتعلم في الثانوي التأهيلي بامتلاك مهارات عليا إذا لم يكن قد اكتسب تدريجيا شروطها في المرحلتين الابتدائية والإعدادية.

 المنهاج والمقاربة بالكفايات:

شكل اعتماد المقاربة بالكفايات أحد أبرز التحولات التي عرفها التفكير في المناهج التعليمية. فقد انتقل الاهتمام من السؤال التقليدي: ماذا ينبغي أن ندرس؟ إلى سؤال أكثر ارتباطا بالممارسة: ماذا ينبغي أن يكون المتعلم قادرا على فعله بما تعلمه؟

وهذا التحول يعني أن المعرفة لا تفقد قيمتها، وإنما يعاد تحديد وظيفتها. فالمعرفة تصبح موردا من الموارد التي ينبغي للمتعلم تعبئتها وتوظيفها في وضعيات مختلفة.

 فالمقاربة بالكفايات تقوم على تعبئة موارد متعددة ومندمجة من أجل معالجة وضعية معينة، وأنها جعلت المتعلم طرفا فاعلا في بناء المعرفة بدل أن يكون مجرد مستقبل لها.

غير أن الإشكال لا يكمن في المقاربة بالكفايات من حيث مبدئها، وإنما في كيفية ترجمتها إلى ممارسة فعلية.

حيث واجهت مسألة. تنمية الكفايات صعوبات مرتبطة بتعدد المرجعيات والترجمات وغياب تصور مرجعي موحد في بعض السياقات، إضافة إلى عدم ملاءمة بعض المحتويات للتعلم الوظيفي. وهنا يظهر أن تبني المقاربة بالكفايات على المستوى النظري لا يكفي، بل ينبغي أن يرافقه تكوين مناسب للمدرس، وإعادة بناء الأنشطة التعليمية؟ و تطوير الكتب المدرسية، ومراجعة أدوات التقويم، وتوفير الزمن الكافي، وتقليص كثافة المحتويات، بالاضافة إلى اعتماد وضعيات تعلم حقيقية وذات معنى.

المدرس في قلب تنزيل المنهاج:

مهما بلغت جودة الوثيقة المنهاجية، فإنها لا تتحول إلى ممارسة تعليمية إلا من خلال المدرس.

فالمدرس هو الذي يقرأ المنهاج ويفسره ويعيد تنظيمه، ويختار طرائق تقديمه، ويكيفه مع مستوى المتعلمين، ويحدد طبيعة الأنشطة، ويقدم الدعم، ويراقب التعلمات ويقوّمها. ولهذا فإن تحميل المنهاج وحده مسؤولية نجاح أو فشل العملية التعليمية يؤدي إلى اختزال المشكلة.

فالمدرس يحتاج إلى معرفة دقيقة بفلسفة المنهاج، وليس فقط بمضامين المادة التي يدرسها. ويحتاج كذلك إلى تكوين مستمر يمكنه من مواكبة التحولات التي تعرفها المقاربات البيداغوجية والوسائل الرقمية وطرائق التقويم.

ومن هنا فإن إصلاح المنهاج وإصلاح تكوين المدرس مساران متلازمان حيث لا يمكن بناء منهاج حديث بأدوات وممارسات لم تعد منسجمة معه.

كما ينبغي إشراك المدرسين في عمليات بناء المناهج وتقويمها، لأن المدرس هو الأكثر احتكاكا بالواقع اليومي للمدرسة، وهو الأقدر على الكشف عن مواطن القوة والضعف التي قد لا تظهر في الوثائق النظرية.

 المتعلم من متلقٍ للمعرفة إلى فاعل في بنائها:

يقوم المنهاج الحديث على إعادة تحديد موقع المتعلم داخل العملية التعليمية. فالمتعلم لم يعد مجرد مستقبل للمعلومات، وإنما أصبح طرفا مشاركا في بناء المعرفة، من خلال البحث والمناقشة والتجريب والتحليل والتعبير وحل المشكلات.

غير أن تحويل هذا التصور إلى ممارسة يتطلب شروطا معينة، فلا يمكن مطالبة المتعلم بالاستقلالية في التعلم إذا كانت الأنشطة المقدمة له قائمة أساسا على الحفظ والاسترجاع، ولا يمكن الحديث عن التفكير النقدي إذا كانت الوضعيات التعليمية لا تسمح بالسؤال والمناقشة والاختلاف. ولهذا، فإن المنهاج الفعّال هو الذي يتيح للمتعلم الانتقال من الحفظ إلى الفهم، ومن الفهم إلى التوظيف، ثم إلى التحليل والنقد، وصولا إلى الإنتاج.

وهذا التدرج يكتسب أهمية خاصة في التعليم الثانوي التأهيلي، حيث ينبغي أن يبلغ المتعلم درجة متقدمة من الاستقلالية الفكرية والقدرة على بناء المواقف وتحليل القضايا.

 الكتاب المدرسي بين المنهاج والواقع التعليمي:

يحتل الكتاب المدرسي موقعا مهما في العملية التعليمية التعلمية ، لكنه لا يمثل المنهاج كله.

فالكتاب وسيلة لتنفيذ بعض اختيارات المنهاج، وينبغي أن يساعد المدرس والمتعلم على تحقيق أهدافه، لا أن يتحول إلى إطار مغلق يفرض نمطا واحدا من التعلم.

 فالكتاب المدرسي ظل يتمتع بمكانة مهمة رغم التحولات الرقمية، وأن الموارد الرقمية يمكن أن تكمله بدل أن تلغيه. غير أن تضخم المحتويات وكثرة الأنشطة قد يحولان الكتاب إلى عبء معرفي بدل أن يكون وسيلة للتعلم.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء الكتاب المدرسي على أسس تربوية ومنهجية تضمن وضوح المحتوى وتنظيمه، وتراعي التدرج في تقديم المعارف بما ينسجم مع مستويات المتعلمين وقدراتهم، مع اعتماد قدر مناسب من الاقتصاد في المحتوى وتجنب الحشو والتكرار. كما يقتضي هذا التصور تنويع الأنشطة التعليمية، وفتح المجال أمام المتعلم للبحث والاستقصاء، وتنمية قدراته على التفكير والتحليل والنقد، وتشجيعه على الإنتاج والإبداع، فضلا عن تحقيق التكامل بين الكتاب المدرسي والموارد الرقمية الحديثة، بما يجعل الكتاب أداة فاعلة لبناء التعلم وتنمية الكفايات، وليس مجرد وعاء لتلقين المعارف.

 التقويم باعتباره جزءًا من المنهاج:

لا يمكن الحديث عن منهاج ناجح دون الحديث عن التقويم. حيث أن هذا الأخير ليس مرحلة تأتي بعد انتهاء عملية التدريس، وإنما هو عنصر ملازم للعملية التعليمية التعلمية، حيث يساعد التقويم على تحديد مستوى المتعلم، وتشخيص التعثرات، وتقديم الدعم، وتعديل الممارسة.

وتزداد أهمية التقويم عندما يتعلق الأمر بالمقاربة بالكفايات، لأن قياس الكفاية لا يمكن أن يقتصر على اختبار مدى حفظ المتعلم للمعلومة، بل ينبغي أن يكشف عن قدرته على استخدامها في وضعيات جديدة.

ومن هنا ينبغي الانتقال تدريجيا من تقويم يركز على:

استرجاع المعرفة إلى تقويم يقيس عمليات الفهم والتوظيف والتحليل والإنتاج.

وهذا لا يعني إلغاء المعرفة، بل يعني وضعها في سياق يسمح للمتعلم بإثبات قدرته على توظيفها.

المنهاج والتحول الرقمي:

فرض التحول الرقمي على المدرسة إعادة التفكير في كثير من الممارسات التعليمية، وأصبح المنهاج مطالبا باستحضار البيئة الرقمية التي يعيش فيها المتعلم.

غير أن إدخال التكنولوجيا إلى التعليم لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في ذاته. فالأجهزة والمنصات والموارد الرقمية لا تصبح ذات قيمة تربوية إلا إذا وظفت لخدمة التعلم.

 فهناك وجود تفاوت في الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والاتصال بسبب اختلاف البنيات التحتية والإمكانات، وهو ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند بناء المناهج واعتماد المقاربات الرقمية.

وبالتالي فإن المنهاج الرقمي الناجح لا يقوم على تحويل الكتاب الورقي إلى ملف إلكتروني فقط، وإنما على إعادة التفكير في طريقة بناء التعلم ذاته.

إكراهات تنزيل المنهاج الدراسي:

تبدو الفجوة بين المنهاج النظري والممارسة من خلال مجموعة من الإكراهات التي تتقاطع بدرجات مختلفة بين الأسلاك التعليمية.

 كثافة المقررات:

تمثل كثافة المضامين أحد أبرز العوائق التي تواجه عملية التنفيذ حيث قد يجد المدرس نفسه أمام ضرورة استكمال برنامج واسع في زمن محدود.

وهذا الوضع قد يدفع أحيانا إلى التضحية بالتعمق لصالح سرعة الإنجاز، وهو ما ينعكس على جودة التعلم.

 ضيق الزمن المدرسي:

لا يمكن فصل كثافة المقررات عن الزمن المدرسي. فكلما ازدادت المضامين والأنشطة دون مراجعة الزمن المخصص لها، ازدادت صعوبة تحقيق الأهداف.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل المنهاج غني؟ وإنما: هل الزمن المخصص له يسمح بتحقيقه فعلا؟ الاكتظاظ والفروق الفردية:

تؤدي الفروق بين المتعلمين إلى الحاجة إلى تنويع طرائق التدريس والدعم، لكن الاكتظاظ يجعل تفريد التعلم أكثر صعوبة. فالتفاوت في قدرات المتعلمين يستوجب تفريد التعليم، إلا أن الاكتظاظ يعقد هذه المهمة.

الفجوة بين المقاربة النظرية والممارسة:

قد يتبنى المنهاج مقاربة حديثة، بينما تظل الممارسة الصفية أسيرة أساليب تقليدية. وهنا لا ينبغي تحميل المدرس وحده المسؤولية، لأن تغيير الممارسة يحتاج إلى تكوين، ووقت، ووسائل، وأقسام ملائمة، وكتب مدرسية منسجمة، ونظام تقويم داعم.

 تعدد المتدخلين والمرجعيات:

كلما تعددت الوثائق والمقاربات والمرجعيات دون وجود تصور واضح ومتكامل، أصبح تنزيل المنهاج أكثر تعقيدا. ففي كثير من الأحيان ما تصطدم تنمية الكفايات في بعض المراحل بتعدد المرجعيات والترجمات وغياب تصور مرجعي موحد.

 المنهاج بين الإصلاح المستمر والحاجة إلى الاستقرار:

تظهر التجربة المغربية أن إصلاح المناهج ارتبط بسلسلة متوالية من المشاريع والوثائق.

ولا يمكن اعتبار كثرة الإصلاحات في حد ذاتها مؤشرا سلبيا، لأن المنهاج ينبغي أن يتطور باستمرار. لكن الإشكال يظهر عندما تصبح كثرة التغييرات سببا في عدم استقرار الممارسة، أو عندما يتم إدخال إصلاح جديد قبل تقييم نتائج الإصلاح السابق.

وقد ظلت المناهج التعليمية عرضة للنقد المستمر، وأن المؤسسة التعليمية قد تجد نفسها أمام تغيير جديد قبل أن تستكمل عملية تثبيت الإصلاح السابق.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى معادلة دقيقة تجمع بين استقرار المنهاج وقابليته للتطوير.

فالمدرس يحتاج إلى قدر من الاستقرار يسمح له باستيعاب المنهاج وتجريبه وتطوير ممارسته، بينما تحتاج المنظومة في الوقت نفسه إلى مراجعة مستمرة تستجيب للتحولات الجديدة.

 نحو تصور جديد للمنهاج الدراسي:

إن تجاوز الإشكالات السابقة يتطلب الانتقال من تصور يرى المنهاج باعتباره وثيقة رسمية إلى تصور يعتبره مشروعا تربويا حيا.

وهذا المشروع ينبغي أن يقوم على مجموعة من المبادئ لعل من أهمها ما يلي:

 الواقعية: .ينبغي أن يكون المنهاج قابلا للتنفيذ في الظروف الفعلية للمدرسة.

المرونة: ينبغي أن يتيح للمدرس هامشا لتكييف التعلمات مع حاجات المتعلمين.

التكامل: ينبغي أن تتكامل الأهداف والمضامين والطرائق والوسائل والتقويم.

التدرج: ينبغي أن تكون هناك استمرارية واضحة بين الابتدائي والإعدادي والثانوي التأهيلي.

الوظيفية:

ينبغي أن يجد المتعلم معنى لما يتعلمه، وأن يستطيع توظيفه في وضعيات مختلفة.

 الانفتاح: .ينبغي أن ينفتح المنهاج على التحولات العلمية والتكنولوجية والثقافية.

 التقويم المستمر: ينبغي ألا ينتظر النظام التعليمي نهاية مرحلة معينة لاكتشاف مواطن الخلل، بل ينبغي أن تكون عملية التقويم جزءًا دائمًا من بناء المنهاج.

 من إصلاح المنهاج إلى إصلاح المنظومة:

تكشف القراءة السابقة أن إصلاح المنهاج لا يمكن أن ينجح إذا جرى التعامل معه بمعزل عن بقية مكونات المنظومة التربوية، إذ يرتبط نجاحه بتكامل مجموعة من العناصر الأساسية، في مقدمتها مدرس متمكن، ومتعلم فاعل، وكتاب مدرسي مناسب، وزمن تعليمي كاف، وموارد تربوية ملائمة، ونظام تقويم منسجم، وبيئة مدرسية داعمة. ومن ثم، فإن تطوير المنهاج ينبغي أن ينطلق من رؤية شمولية تراعي تفاعل هذه المكونات وتكامل أدوارها في تحقيق الأهداف التربوية المنشودة.

وبالتالي فإن أي إصلاح يركز على عنصر واحد ويترك بقية العناصر دون تغيير قد يجد نفسه أمام النتائج نفسها التي حاول تجاوزها.

ومن هنا فإن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من إصلاح جزئي إلى إصلاح منظومي، ومن تغيير الوثائق إلى تغيير شروط الممارسة، ومن التركيز على ما ينبغي تدريسه إلى الاهتمام بما ينبغي أن يتعلمه المتعلم فعلًا وما يستطيع إنجازه بما تعلمه.

يتبين من خلال هذه القراءة أن قضية المنهاج الدراسي في المغرب ليست قضية تقنية مرتبطة بالمضامين وحدها، وإنما هي قضية تربوية ومجتمعية تتصل بصورة المدرسة ووظائفها، وبطبيعة المتعلم الذي تسعى إلى تكوينه، وبنوعية المجتمع الذي تريد المساهمة في بنائه.

وقد أظهرت التجربة الإصلاحية المغربية وجود إرادة مستمرة لتطوير المناهج، كما أظهرت في المقابل استمرار مجموعة من الإكراهات التي تحول دون تحقيق الانسجام الكامل بين التصور والممارسة.

على سبيل الختام:

تظهر دراسة المنهاج الدراسي في المنظومة التربوية المغربية أن هذا المفهوم لم يعد من الممكن اختزاله في مجموعة من المضامين أو الدروس أو الوثائق التي تحدد ما ينبغي للمدرس أن يقدمه للمتعلمين خلال سنة دراسية معينة. فالمنهاج، في دلالته الحديثة، يمثل مشروعا تربويا متكاملا تتقاطع داخله الغايات والمضامين والكفايات والطرائق والأنشطة والوسائل والتقويم، ويتحدد نجاحه بمدى قدرته على إحداث تحول فعلي في معارف المتعلم ومهاراته واتجاهاته وقدرته على توظيف ما تعلمه في مواقف مختلفة.

وقد بينت هذه الدراسة أن تطور مفهوم المنهاج ارتبط بتحول أعمق في فلسفة التربية نفسها، حيث انتقلت المدرسة تدريجيًا من نموذج يجعل المعرفة غاية أساسية في حد ذاتها إلى نموذج ينظر إليها باعتبارها موردا لبناء شخصية المتعلم وتنمية قدرته على الفهم والتحليل والتواصل وحل المشكلات. وأدى هذا التحول إلى إعادة تحديد موقع كل من المدرس والمتعلم، فلم يعد المدرس مجرد ناقل للمعرفة، كما لم يعد المتعلم مجرد مستقبل سلبي لها، وإنما أصبح المدرس مؤطرا وموجها وميسرا للتعلم، وأصبح المتعلم طرفا فاعلا في بنائه.

وفي السياق المغربي، أظهرت الدراسة أن إصلاح المنهاج الدراسي كان حاضرا في مختلف محطات إصلاح المنظومة التربوية، وأن المراجعات المتعاقبة حاولت الاستجابة للتحولات الاجتماعية والمعرفية والثقافية التي عرفها المجتمع. وقد مر هذا الإصلاح بمحطات متعددة، من إصلاح سنة 1985، والميثاق الوطني للتربية والتكوين، والكتاب الأبيض، والمخطط الاستعجالي، وصولا إلى الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030. وهذا التعدد يكشف من جهة عن وعي بأهمية المنهاج، لكنه يطرح من جهة أخرى سؤال الاستقرار والاستمرارية والتقويم الفعلي لنتائج كل إصلاح قبل الانتقال إلى إصلاح جديد.

كما تبين أن المنهاج الدراسي لا يؤدي الوظيفة نفسها في مختلف الأسلاك التعليمية، فالابتدائي يمثل مرحلة تأسيس التعليمات والمهارات الأساسية، والإعدادي يمثل مرحلة انتقالية لبناء قدر أكبر من الاستقلالية والقدرة على التعامل مع المعارف، في حين يضطلع الثانوي التأهيلي بوظيفة أكثر ارتباطا بالتخصص والتفكير والتحليل والاستعداد لمتابعة الدراسة أو الاندماج في الحياة المهنية.

وهذا التدرج يفرض أن ينظر إلى المنظومة التعليمية باعتبارها مسارا متصلا، لا مجموعة من الأسلاك المنفصلة. فنجاح المنهاج في الثانوي التأهيلي، مثلا، لا يمكن فصله عن طبيعة التعلمات التي راكمها المتعلم في الابتدائي والإعدادي، كما أن معالجة التعثرات في مرحلة متقدمة تقتضي في كثير من الأحيان العودة إلى الأسس التي بنيت في المراحل السابقة.

ومن جهة أخرى، كشفت الدراسة عن وجود مسافة بين المنهاج كما يظهر في الوثائق الرسمية والمنهاج كما يمارس داخل الفصل الدراسي. وهذه المسافة ليست بالضرورة دليلا على فشل المنهاج في ذاته، وإنما تكشف عن تعقد عملية التنزيل وعن تأثير عوامل متعددة فيها، من بينها كثافة المقررات، وضيق الزمن المدرسي، والاكتظاظ، وتفاوت مستويات المتعلمين، وتعدد المرجعيات، وطرائق التقويم، والموارد المتاحة، ومدى استفادة المدرسين من التكوين المستمر.

وقد ظهر بوضوح أن المدرس يمثل الحلقة الحاسمة في تحويل المنهاج من نص رسمي إلى ممارسة تربوية. ولذلك فإن أي إصلاح لا يستحضر المدرس منذ مرحلة بناء المنهاج وتقويمه وتكوينه وتأهيله يظل معرضا لمواجهة صعوبات أثناء التنفيذ.

كما أن اعتماد المقاربة بالكفايات شكل تحولا مهما في تصور التعلم، لأنه نقل الاهتمام من مجرد اكتساب المعارف إلى القدرة على تعبئتها وتوظيفها. غير أن هذه المقاربة لا يمكن أن تحقق أهدافها إذا ظلت بعض الممارسات الصفية وأشكال التقويم أسيرة منطق الحفظ والاسترجاع. فالكفاية لا تقاس فقط بما يعرفه المتعلم، وإنما بما يستطيع أن يفعله بما يعرفه.

ومن هنا تتضح الحاجة إلى تحقيق الانسجام بين مختلف مكونات المنهاج، فلا معنى لتبني خطاب تربوي يقوم على الكفايات إذا ظلت المضامين كثيفة، والزمن محدودا، والتقويم مركزا على الاسترجاع، والكتاب المدرسي مثقلا بالمعلومات، والظروف الصفية لا تسمح بتنويع التعليمات.

وعليه، فإن إصلاح المنهاج ينبغي ألا ينظر إليه باعتباره عملية تنتهي بإصدار وثيقة جديدة، وإنما باعتباره مشروعا مستمرا للتشخيص والتجريب والتقويم والمراجعة.

إن الرهان الحقيقي للمنهاج الدراسي المغربي لا يكمن في إنتاج وثائق أكثر حداثة من الناحية النظرية فحسب، وإنما في بناء شروط تجعل هذه الوثائق قابلة للتحول إلى ممارسات تربوية فعالة، وتمنح المدرس الإمكانات الضرورية لتنفيذها، وتوفر للمتعلم بيئة تسمح له بالتعلم والفهم والتفكير والإبداع.

وبذلك يصبح إصلاح المنهاج بالمغرب جزءا من إصلاح شامل للمدرسة المغربية، وليس بديلا عنه؛ لأن المدرسة لا يمكن أن تتغير بتغيير المقررات وحدها، وإنما بتكامل المنهاج مع المدرس والمتعلم والمؤسسة والتقويم والموارد والبيئة التعليمية.

نتائج الدراسة:

أسفرت هذه الدراسة عن مجموعة من النتائج التي يمكن إجمالها في الآتي:

 المنهاج الدراسي منظومة متكاملة:

خلصت الدراسة إلى أن المنهاج أوسع من البرنامج والمقرر والكتاب المدرسي، لأنه يضم مختلف العناصر التي تؤطر العملية التعليمية التعلمية، من الغايات والأهداف إلى المضامين والكفايات والطرائق والوسائل والتقويم.

 مفهوم المنهاج عرف تحولا جوهريا:

انتقل المنهاج من التصور التقليدي القائم على تحديد المعارف والمضامين إلى تصور حديث يجعل التعلم عملية مركبة تتداخل فيها المعرفة والمهارة والقيمة والتواصل.

المنهاج مرتبط بفلسفة المجتمع:

لا يمكن بناء منهاج بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي والقيمي الذي تتحرك داخله المدرسة، لأن المنهاج يعكس في جانب كبير منه التصور الذي يتبناه المجتمع للإنسان والمواطن والمعرفة.

 إصلاح المنهاج في المغرب مسار متواصل:

أظهرت الدراسة أن المنظومة التربوية المغربية عرفت محطات متعددة لإصلاح المناهج، بما يؤكد أن قضية المنهاج ظلت في صلب التفكير في إصلاح المدرسة. غير أن توالي الإصلاحات يفرض في المقابل تعزيز آليات التقييم والتقويم والاستمرارية.

هناك ضرورة لتحقيق التكامل بين الأسلاك التعليمية:

لا ينبغي النظر إلى الابتدائي والإعدادي والثانوي التأهيلي باعتبارها جزرا تعليمية منفصلة، وإنما باعتبارها حلقات متكاملة في مسار واحد، لكل منها وظائفه وخصوصياته.

المنهاج في الثانوي التأهيلي يقتضي الانتقال إلى مستويات معرفية عليا:

ينبغي أن يتجاوز التعلم في هذه المرحلة مجرد نقل المعارف إلى تنمية القدرة على التحليل والتركيب والنقد والاستدلال والإنتاج، بما يؤهل المتعلم للدراسة الجامعية أو التكوين المهني والحياة الاجتماعية.

المقاربة بالكفايات أحدثت تحولا مهما:

أعادت المقاربة بالكفايات تعريف وظيفة المعرفة وموقع المتعلم، وجعلت تعبئة الموارد وتوظيفها في الوضعيات المختلفة عنصرا أساسيا في عملية التعلم.

 تنزيل المقاربة بالكفايات يواجه صعوبات:

لا تزال هناك صعوبات في الانتقال من المستوى النظري إلى التطبيق، بسبب تعدد المرجعيات، وعدم الانسجام أحيانا بين المضامين والطرائق والتقويم.

 كثافة المقررات من أبرز إكراهات التنزيل:

يمكن أن يؤدي اتساع المحتويات مقارنة بالزمن المتاح إلى تغليب سرعة الإنجاز على عمق التعلم، وهو ما يضعف أحيانًا الجانب الوظيفي للتعلمات.

 الاكتظاظ يؤثر في جودة الممارسة:

يحد الاكتظاظ من قدرة المدرس على مراعاة الفروق الفردية وتنويع الأنشطة وتقديم الدعم الفردي، خصوصا عندما تكون مستويات المتعلمين متباينة.

 المدرس عنصر حاسم في نجاح المنهاج:

لا يمكن للمنهاج أن يتحول إلى ممارسة ناجحة دون مدرس يمتلك الكفايات المعرفية والديداكتيكية التي تمكنه من فهمه وتكييفه وتنزيله.

الكتاب المدرسي لا يمكن أن يحل محل المنهاج:

يمثل الكتاب المدرسي أداة لتنفيذ بعض اختيارات المنهاج، لكنه لا ينبغي أن يصبح المصدر الوحيد للتعلم أو إطارًا مغلقا يحد من المبادرة والبحث والإبداع.

 التقويم يحتاج إلى مزيد من الانسجام مع المنهاج:

إذا كان الهدف هو بناء الكفايات، فإن التقويم ينبغي أن يقيس قدرة المتعلم على الفهم والتوظيف والتحليل والإنتاج، وليس مجرد استرجاع المعلومات.

 التحول الرقمي يفرض إعادة التفكير في المنهاج:

لم يعد ممكنا بناء منهاج معاصر دون استحضار البيئة الرقمية، لكن إدماج التكنولوجيا ينبغي أن يكون وظيفيًا ومتكافئًا، وليس مجرد إضافة تقنية إلى الممارسة التقليدية.

 المشكلة ليست في المنهاج وحده:

تؤكد الدراسة أن صعوبات المدرسة لا يمكن ردها إلى المحتوى المنهاجي وحده، بل هي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل المرتبطة بالمدرس والمتعلم والكتاب والزمن والتقويم والبيئة المدرسية والاجتماعية.

 الإصلاح الحقيقي هو الإصلاح المنظومي:

إن تغيير المنهاج دون تغيير شروط تنزيله قد يؤدي إلى إعادة إنتاج بعض الاختلالات نفسها، ولذلك فإن الإصلاح الفعال ينبغي أن يجمع بين المنهاج والتكوين والتقويم والموارد والممارسة الصفية.

توصيات الدراسة:

انطلاقا من النتائج السابقة، تقترح الدراسة مجموعة من التوصيات العملية لعل من أبرزها ما يأتي:

على مستوى بناء المنهاج:

إعادة النظر في بناء المناهج على أساس المرونة والواقعية وقابلية التنفيذ.

تخفيف كثافة المقررات، وإعطاء الأولوية للتعلمات الأساسية والعميقة بدل تضخم المحتوى.

تحقيق قدر أكبر من الانسجام بين أهداف المنهاج ومضامينه وطرائق تدريسه وتقويمه.

اعتماد تصور متدرج ومتكامل للمناهج من الابتدائي إلى الإعدادي ثم الثانوي التأهيلي.

إشراك المدرسين والممارسين في مراحل بناء المناهج وتقويمها وتطويرها.

 على مستوى المدرس

تعزيز التكوين الأساسي والمستمر للمدرسين، خصوصا في مجالات الديداكتيك والمقاربات الحديثة والتقويم.

تمكين المدرس من هامش أكبر لتكييف المنهاج مع خصوصيات المتعلمين والبيئة المدرسية.

الانتقال من تصور المدرس بوصفه منفذا للمنهاج إلى اعتباره شريكا في بنائه وتطويره وتقويمه.

على مستوى المتعلم:

جعل المتعلم فاعلا حقيقيًا في بناء تعلماته، من خلال اعتماد أنشطة قائمة على البحث والمناقشة والتحليل والإنتاج.

تعزيز مهارات التفكير النقدي والاستقلالية والتعلم الذاتي، خصوصًا في التعليم الثانوي التأهيلي.

مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين واعتماد آليات أكثر فعالية للدعم والمعالجة.

على مستوى التقويم:

مراجعة منظومة التقويم بما يجعلها أكثر انسجامًا مع المقاربة بالكفايات.

تعزيز التقويم التكويني باعتباره وسيلة للكشف المبكر عن التعثرات ومعالجتها.

الانتقال تدريجيا من تقويم يعتمد أساسا على الاسترجاع إلى تقويم يقيس الفهم والتوظيف والتحليل والإنتاج.

على مستوى الكتاب المدرسي والموارد:

مراجعة الكتب المدرسية لتخفيف كثافة المحتويات وتطوير الأنشطة التطبيقية.

تنويع الموارد التعليمية وعدم حصر التعلم في الكتاب المدرسي.

تطوير الموارد الرقمية التعليمية بما ينسجم مع أهداف المنهاج وليس باعتبارها غاية مستقلة.

على مستوى الإصلاح التربوي:

عدم الانتقال إلى إصلاح جديد قبل إخضاع الإصلاح السابق لتقويم علمي وميداني جاد.

بناء الإصلاحات على نتائج البحث العلمي والدراسات الميدانية والتقويمات الموضوعية.

تحقيق الاستقرار النسبي في المناهج بما يسمح للمدرسين والمؤسسات بتملكها وتجريبها وتقويمها.

اعتماد التجريب المرحلي قبل تعميم الإصلاحات الكبرى.

ربط إصلاح المنهاج بإصلاح شروط العمل داخل المؤسسة التعليمية.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي

 

في المثقف اليوم