عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

حيدر شوكان: التشيّع والتهميش.. هل تصنع تجربة الإقصاء التاريخي "قيم المهمَّشين"؟

كنت أشاهد أستاذي المفكر د.عبد الأمير زاهد في حوارٍ مع صاحب قناة "حيرة" المتخصصة بالحوارات الفكرية والدينيَّة. ومن أبرز الأفكار التي استوقفتني في حديثه الدعوة إلى التأمل في ما يمكن تسميته بـ" قيم المهمَّشين"، وإلى فحص مدى حضور هذه القيم في التجربة التاريخية الشيعية. فالتشيع بحكم ما تعرض له عبر قرون طويلة من الإقصاء والاضطهاد على يد سلطات سياسية متعاقبة، كوَّن خبرةً تاريخيةً خاصة تركت آثارها في أنماط التفكير والسلوك. ومن هذه الزاوية أو هذه القيمة يمكن أنْ يُثار سؤالٌ مهم: هل أفرزت تلك التجربة منظومةً قيميةً يمكن وصفها بأنَّها "قيم المهمَّشين"؟ وإذا صحّ ذلك، فهل تتسم هذه القيم بطابعٍ تكتيكي يفرضه منطق البقاء والتكيّف أكثر من كونها قيماً تنزع إلى التخطيط الاستراتيجي الذي يتاح عادةً للجماعات المستقرة في موقع السلطة والقدرة؟

هذا التساؤل على بساطته الظاهرة لا يمكن الجواب عنه دون التوقف أولاً عند طبيعة العلاقة بالتاريخ نفسها؛ فكيف نتعامل مع حدث ماض حين نحاول أنْ نفكك ونستخلص منه دلالة راهنة؟ هنا تصبح الاستعانة بفلسفة التأويل، وتحديداً بما طرحه هانس غادامير(ت2002م) عن "الوعي التاريخي"، مدخلاً منهجياً لا بد منه.

يذهب غادامير إلى أنّ الوعي التاريخي هو الثورة الروحية الكبرى للعصر الحديث، وربما تفوق في دلالتها المحورية ما أنجزته علوم الطبيعة من تحويل مادي لوجه الأرض. فالإنسان المعاصر لا يملك ترف الخروج من هذا الوعي؛ إنه امتياز يميّزه، لكنه في الوقت ذاته عبء لم يُفرض على الأجيال السابقة بالقدر ذاته. والفارق الجوهري هنا أن الوعي بالتاريخ لم يعد يعني معرفة وقائع الماضي كما كانت تُروى لشعب أو لعصر معين، بل صار يعني الوعي بتاريخية كل حاضر، وبنسبية كل رأي ووجهة نظر. [1]

من هذا الفهم، يميّز غادامير بين موقفين تجاه التراث: الأول يتلقى فهم الماضي بشكل ساذج، إما عبر إتباع التراث حرفياً أو الاستسلام لحقائق عريقة متفق عليها بلا مساءلة؛ والثاني - وهو الوعي التاريخي الحديث - يتخذ موقفاً تأملياً نقدياً تجاه كل ما يُسلَّم له من الماضي. فهذا الوعي لم يعد ينصت للصوت الآتي من الماضي بسلبية، هذا الوعي أخذ يعيد - بتفكيره في هذا الصوت - وضعه ضمن الإطار أو السياق الذي تتجذر فيه دلالته وقيمته النسبية. وهذا السلوك الفكري تجاه التراث هو بعينه ما يُسمى "التأويل"، الذي لا نلجأ إليه إِلَّا حين لا يمكن فهم دلالة النص أو الحدث مباشرة، فيغدو شرطاً ضرورياً لإعادة صياغة الشروط التي يتحرك من خلالها ذلك النص أو الحدث في وعينا الراهن.

إن امتلاك هذا "الحس التاريخي"- كما يصفه غادامير- معناه التغلب على السذاجة التي تجعلنا نحاكم الماضي بمعايير بديهية تخص حاضرنا وحده، وأن نفكر صراحة داخل أفق تاريخي ممتد ومتلازم مع الحياة التي نحياها فعلاً لا التي نتخيلها ثابتة أو منتهية.

هذه المقدمة الغادامرية- إن صح التعبير- هي المدخل المنهجي الضروري له؛ ذلك أنّ السؤال عن "قيم التهميش" في الفكر والتاريخ والوجود الشيعي هو في جوهره سؤال تأويلي بامتياز. فنحن هنا لا نتعامل مع وقائع تاريخية صماء هادئة تُروى كما هي، نحن نتعامل مع حدث- كربلاء مثلًا - اكتسب عبر الزمن طبقات متراكمة من الدلالة، أُعيد فيها تفسيره وتوظيفه وإسقاط أفق كل عصر عليه[2].

فحين يُقال إنّ التشيع أفرز "منظومة قيمية" خاصة بالمظلومية والانتظار والتضامن نتيجة تجربة تاريخية من الإقصاء، فإن هذا القول نفسه يفترض ضمناً عملية تأويل مزدوجة: تأويلاً أوّل لحدث كربلاء من قبل الفاعلين الشيعة أنفسهم عبر القرون، وتأويلاً ثانياً من قبل الباحثين من خارج الدائرة الدينية والذين حاولوا صياغة هذا التراكم الدلالي في إطار تحليلي معاصر. وبين هذين التأويلين تكمن المسافة النقدية التي يستدعيها منهج غادامير: فكما أن الوعي التاريخي الحقّ يعيد وضعه في سياقه المتجدد، ولا يكتفي بتلقي التراث سلبياً، كذلك لا ينبغي لدارس "قيم التهميش" الشيعية أن يجمّد دلالة المظلومية أو الانتظار عند مشهد نشأتها الأولى، وإنما عليه أنْ يتتبع كيف أُعيد تأويل هذه الرمزية ذاتها في كل عصر: من موقف "حزن وانتظار" إلى موقف "ثورة وفعل سياسي" كما حدث في الخطاب الخميني، ومن رمزية أقلية مقهورة إلى خطاب دولة حاكمة كما حدث مع الصفويين وإيران المعاصرة.

بهذا المعنى، فإن السؤال الأهم الذي تطرحه هذه المقاربة- هل قيم التهميش في الوجود الشيعي بنية ثابتة أم علاقة دينامية متجددة تُعاد صياغتها بحسب موقع الجماعة من السلطة؟ وهذا هو استئناف مباشر لإشكالية التأويل الغادامرية ذاتها: فالقيمة ككل نص أو حدث تاريخي، لا تحمل دلالة نهائية معلّقة خارج الزمن، ولكنها تحيا وتتجدد ضمن حيز يمتد ويتلازم مع الحياة التي يعيشها حاملوها، لا التي عاشها أسلافهم فقط. وهذا ما سنحاول تفصيله فيما يأتي.

يتردد في الأدبيات التاريخية والسوسيولوجية على حد سواء تصورٌ مفاده أنّ التشيع بوصفه مسارًا دينيًا وسياسيًا عاش قرونا طويلة كموقف أقلية أو معارضة، أفرز- عبر هذه التجربة الممتدة- منظومة قيمية خاصة: الشعور بالمظلومية، وتمجيد الشهادة والتضحية، والحذر البنيوي من السلطة، والتماسك الداخلي، وثقافة "الانتظار" كأفق لعدالة مؤجلة. ولفحص هذا التصور لا بد من الوقوف أولاً على الوقائع التي تسنده.

فمن الناحية التاريخية، لا جرَم في أنّ التشيع- في شرائح واسعة من تاريخه وجغرافيته- عاش كموقف أقلوي أو معارض بدءاً من الصدام المبكر حول الخلافة والإمامة في السقيفة، ثم استشهاد الإمام الحسينu في كربلاء عام 61هـ، الذي تحوّل إلى الحدث التأسيسي للوجدان الشيعي؛ مروراً بقرون من العيش كأقلية دينية وسياسية تحت حكم سنّي في أغلب الحواضر الإسلاميَّة الكبرى كبغداد[3] ودمشق، ثم القاهرة لاحقًا تحت المماليك والعثمانيين؛ وصولًا إلى إرث التقية كآلية تكيّف مع سياقات القمع ونشوء المدرسة الفقهية والكلامية الشيعية غالبًا في هوامش السلطة لا في مراكزها، كما هو الحال في النجف الأشرف[4] وقم تاريخيًا قبل ازدهارهما لاحقاً. وفي العصر الحديث، استمرت تجربة التهميش السياسي والاجتماعي لشرائح شيعية في دول عديدة، منها العراق قبل 2003، وبعض دول الخليج، ولبنان قبل الحرب الأهلية، وباكستان وأفغانستان. هذه الوقائع حقيقية وموثقة، وهي ما يمنح التصور المطروح مصداقيته الأولية[5].

الرؤية الأكاديمية الأكثر تأثيراً لهذه الفكرة هو"نموذج كربلاء " الذي يصف لك كيف يعمل حدث كربلاء كإطار ذهني يمنح الشيعة نفسيةً من الصمود والاستعداد للنضال من أجل العدالة الاجتماعية حتى في مواجهة احتمالات ساحقة.

صار هذا المفهوم لاحقاً عدسة تحليلية معتمدة في دراسات عديدة، وطُبِّق تفسيرياً على الثورة الإيرانية عام 1979، إذ رأى باحثون أن الخطاب الثوري للسيد الخميني أعاد هندسة رمزية كربلاء من نموذج "حزن وانتظار وعزاء نفسي" - سلبي وتراجيدي - إلى نموذج "ثورة وفعل سياسي" إيجابي وتعبوي، وهو ما يُظهر أنّ رمزية "المظلومية" ليست ثابتة الدلالة، بمقدار ما هي قابلة لإعادة التوظيف بحسب السياق السياسي. وقد ظهرت مؤشرات أو دراسات أو توصيفات بالتوازي مع هذا صاغت مفاهيم مثل "أقلية داخل أقلية" و"الآخر داخل الآخر" لوصف وضع الجاليات الشيعية في الغرب، بوصفها تواجه تهميشاً مضاعفاً: كمسلمين في مجتمعات غير مسلمة، وكشيعة داخل الجسم الإسلاميَّ السنّي الأوسع[6].

من منظور علم اجتماع الأديان، فإن التجارب الطويلة من الاضطهاد أو وضع الأقلية تنتج - في حالات متعددة عبر أديان وثقافات مختلفة، كاليهودية في الشتات والأقباط والبروتستانت الأوائل- مجموعة أنماط سلوكية وقيمية متكررة، إلا أنَّ الحديث عن القيم التي يمكن أنَّ تنتجها تجربة التهميش يظل ناقصًا إذا اقتصر على المظلومية، والشهادة، والتضامن الداخلي، والحذر من السلطة، وانتظار الخلاص؛ إذ ثمة مستوى أعمق وأكثر جذرية يتصل بصورة الجماعة عن ذاتها وموقعها من الآخرين، وهو ما يمكن تسميته بـ" وعي الدونية". والمقصود بالدونية هنا ليس حكمًا على جماعة بعينها، ولا وصفًا ثابتًا في بنيتها الثقافية، بمقدار ما هو الإشارة إلى إمكانية أن تتحول تجربة الإقصاء الطويلة من مجرد وضع خارجي إلى تمثّل داخلي لموقع الجماعة في العالم إذ تتشكل لديها بدرجات متفاوتة حساسية خاصة تجاه القوة والسلطة والاعتراف والمكانة.

فالجماعة التي تعيش طويلًا خارج مركز القوة لا تكتسب بالضرورة مجرد الحذر من السلطة، وإنما قد تطوّر أيضًا وعيًا بموقعها الأدنى في سلم القوة الاجتماعية والسياسية. ومع تكرار التجربة عبر أجيال متعاقبة يمكن لهذا الموقع أن ينتقل من كونه واقعة تاريخية إلى ذاكرة جماعية، ومن الذاكرة إلى تمثّل رمزي للذات. وهنا لا تعود الدونية مجرد شعور فردي، بقدر ما تصبح احتمالًا من احتمالات الوعي الجمعي الذي تصنعه خبرة الهامش.

نعم هذا الوعي لا يعمل في اتجاه واحد؛ إذ يمكن أن يستولد آلية تعويضية مقابلة. فحين تعجز الجماعة عن امتلاك القوة المادية أو السياسية، قد تعيد تعريف موقعها من خلال امتلاك رأس مال أخلاقي ورمزي أعلى: نحن المظلومون، ونحن أصحاب الحق، ونحن الذين دفعنا ثمن الانحراف التاريخي وتشوهاته وو. وبالتالي تنشأ علاقة جدلية من التأثر والتأثير بين الدونية والمظلومية؛ فالشعور بالوقوع في موقع أدنى من حيث القوة قد يتحول إلى شعور بالتفوق من حيث القيمة الأخلاقية. وبهذا المعنى لا تكون المظلومية مجرد وصف للاضطهاد، ولكنها قد تصبح آلية لإعادة بناء الذات بعد تجربة الهزيمة. فالجماعة التي فقدت موقعها في المجال السياسي تستطيع أن تستعيد مكانتها في المجال الرمزي، فتحوّل الهزيمة إلى بطولة، والضعف إلى صبر والعزلة إلى نقاء، والشهادة إلى معيار للتفوق الأخلاقي. وعليه، يمكن فهم الكيفية التي تتحول بها الواقعة التاريخية من علامة على الضعف السياسي إلى مصدر للقوة الرمزية.

وهكذا تتألف بنية مزدوجة يمكن أن نطلق عليها "قيم المهمشين": إحساس بالدونية أمام القوة من جهة، وإحساس بالتفوق الأخلاقي أمام الخصم من جهة أخرى؛ حذر من الآخر يقابله تماسك داخلي؛ شعور بالعجز يقابله استعداد للمقاومة؛ وطلب للاعتراف يقابله رفض لأنْ تكون الجماعة خاضعة لتعريف الآخر لها. ولذلك فإن تجربة التهميش لا تنتج بالضرورة منظومة قيم متجانسة، تجربة التهميش قد تنتج وعيًا محتدمًا يتحرك بين الانكفاء والمقاومة، وبين طلب الاعتراف والرغبة في استعادة الموقع، وبين الإحساس بالضعف والبحث عن مصادر بديلة للقوة.

ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن إعادة قراءة بعض العناصر التي ارتبطت تاريخيًا بالوجدان الشيعي. فالمظلومية لا تعبّر فقط عن تذكّر الاضطهاد، ولكنها يمكن ان تؤدي وظيفة في إعادة تعريف الجماعة لذاتها؛ والشهادة لا تمثل مجرد استحضار للهزيمة، ولكنها تحويل للهزيمة السياسية إلى انتصار أخلاقي؛ والتضامن الداخلي لا ينشأ فقط من رابطة العقيدة والهوية، وإنما قد يتعزز حين تشعر الجماعة بأنّ محيطها الخارجي غير مضمون أو مهدد بالمباشر؛ أما الحذر من السلطة فقد يتغذى من ذاكرة تاريخية تجعل القوة السياسية موضع ريبة، حتى عندما يتغيّر موقع الجماعة منها.

ومن ثمَّ، يمكن أن نسأل: كيف تنتقل الجماعة من تجربة التهميش إلى بناء وعي بالذات، وكيف يتحول هذا الوعي من الإحساس بالموقع الأدنى إلى المظلومية، ومن المظلومية إلى التفوق الأخلاقي، ومن التفوق الأخلاقي إلى المقاومة، ثم كيف يستمر هذا البناء الرمزي بعد انتقال الجماعة من الهامش إلى المركز؟

من أبرزها:

أ- تقديس الضحية والشهيد: تحويل لحظة الهزيمة التاريخية إلى مصدر معنى أخلاقي وهوية جماعية، بدل كونها مجرد نكسة سياسية.

ب- التضامن الداخلي القوي: شبكات تكافل اجتماعي ودعم متبادل تعوّض غياب الحماية من الدولة أو الأغلبية.

ت- الحذر من السلطة العلنية: نشوء آليات تكيّف مثل التقية، أو تفضيل العمل غير المباشر على المجابهة المباشرة.

ث-أفق الخلاص المؤجل: عقيدة الانتظار- انتظار الإمام المهدي الغائب u- بوصفها إطاراً يمنح المعنى للحاضر المؤلم عبر ربطه بعدالة مستقبلية موعودة.

وهذه القراءة ليست اختراعاً معاصراً مزعزعا للتشيع، بقدر ما هي نمط تفسيري معروف في علم الاجتماع الدينيَّ عموماً، يُستخدم لفهم جماعات دينية أخرى بالمنطق نفسه.

ولكن هذا التصور أو هذا التحليل التفكيكي رغم وجاهته الجزئية، يواجه أربعة اعتراضات جوهرية تحدّ من صلاحيته كتفسير شامل:

أوّلَّا: غياب الخطية التاريخية والجغرافية، فالتعميم القائل إن "التشيع = تهميش دائم" يصطدم بوقائع مضادة كثيرة: فالدولة الصفوية، منذ عام 1501م، جعلت التشيع مذهب الدولة الرسمي في إيران، أي أنّ التشيع تحوّل من موقف معارضة إلى سلطة حاكمة منذ خمسة قرون. وإيران المعاصرة قوة إقليمية كبرى لا مجتمع مهمَّش. وحزب الله في لبنان طرفٌ مهيمن سياسياً وعسكرياً منذ عقود لا حركة أقلية مقموعة. والعراق بعد 2003 شهد انتقال الشيعة إلى موقع القوة السياسية الأكبر في البلاد. بمعنى آخر، استمرت "المظلومية" كسردية ثقافية حتى في سياقات لم تعد فيها الجماعة موضوعياً مهمَّشة، وهذا يعني أنّ العلاقة بين "التهميش الفعلي" و"قيمة المظلومية" هي علاقة رمزية وتاريخية أعقد من مجرد انعكاس مباشر للواقع الاجتماعي.

ثانيًا: اختزال اللاهوت في علم النفس الاجتماعي، فعقيدة الإمامة، ومفهوم الانتظار، ومكانة الحسينu، لها جذور كلامية وفلسفية مستقلة سابقة على أي سياق اضطهاد بعينه، ومرتبطة بنظرية شيعية متكاملة عن الشرعية الدينية والسياسية. واختزال هذه المنظومة إلى مجرد "نتاج نفسي لتجربة تهميش" يتجاهل عمقها العقدي، ويُسقط من الحساب وجهة النظر الداخلية للمؤمنين بها كحقيقة دينية قائمة بذاتها لا كآلية تعويضية فقط.

ثالثًا: الاستخدام الأيديولوجي التبسيطي، فهذا الإطار التفسيري يُستدعى أحياناً- من خصوم المذهب أو من مستشرقين ذوي نزعة اختزالية- لتفسير الشعائر الحزينة، كاللطم والتطبير، بوصفها "عصاباً جماعياً" ناتجاً عن مظلومية تاريخية، بدل التعامل معها كمنظومة معنى دينية لها منطقها الداخلي. وهذا الاستخدام يتجاهل عمداً أنّ جماعات شيعية عديدة- كما توثق دراسات عن الجاليات الشيعية في أوروبا- تعيد صياغة هذه الطقوس بوعي نقدي، بل وتُعدّل من طريقة ممارستها الظاهرة، كالتخلي عن اللباس الأسود التقليدي في بعض السياقات الأوروبية بعد داعش، استجابةً لسياقات التلقي المحيطة؛ وهذا سلوك فاعل وواعٍ لا مجرد انعكاس آلي لصدمة تاريخية.

رابعًا: التنوع الداخلي الهائل، فـ"التشيع" ليس كتلة واحدة متجانسة، والحديث عن "قيم الشيعة" ككل يُخفي فروقاً هائلة بين التشيع الإيراني الحاكم، وتشيع لبنان المقاوم، وتشيع العراق ما بعد 2003، وتشيع الخليج كأقلية مهمَّشة سياسيًا حتى اليوم في بعض الدول، وتشيع الجاليات في الغرب الذي يعيد تعريف هويته بمعزل عن أي مركز سياسي. وكل من هذه السياقات ينتج علاقة مختلفة تماما مع مفردة "التهميش".

يتبيّن مما سبق أنَّ التصور المطروح صحيح جزئيًا وسياقيًا، لا كقانون عام مطرد – كما يقول علماء أصول الفقه- والأدق أن يُقال: إن بعض عناصر الثقافة الشيعية- خصوصاً حول الشهادة والانتظار والتضامن الداخلي- تشكّلت أو تعزّزت تاريخياً في سياقات معينة من الإقصاء السياسي، واستمرت كموروث رمزي فاعل حتى بعد أنّ تغيّر الموقع الموضوعي لكثير من الجماعات الشيعية في العالم. لكن اختزال التشيع بأكمله- عقيدةً وتاريخاً وتنوعاً جغرافياً وثقافياً- في مقولة "قيم مهمَّشين" هو تبسيطٌ يتجاهل الاستقلالية اللاهوتية لهذه العقائد، ويتجاهل الوقائع التاريخية المعاصرة - الصفويين وإيران وحزب الله والعراق- التي تُظهر أنّ التشيع كان ولا يزال، في مواضع كثيرة، موقعَ سلطة لا هامشًا لها.

***

د. حيدر شوكان السلطانيَّ

جامعة بابل- قسم الفقه وأصوله.

........................

[1] ينظر: هانس غيورغ غادمير، فلسفة التأويل: الأصول، المبادئ، الأهداف، ترجمة: محمد شوقي الزين، (المغرب: المركز الثقافي العربي)، 147.

[2] تظل واقعة كربلاء في عمقها التأويلي، نصّاً مفتوحاً تتجاذبه القراءات عبر الزمن، فكل جيل يستنطقها بحسب أسئلته الخاصة، ويعيد إنتاج معناها وفق حيز فهمه وحاجاته التاريخية. فحين نتأمل في النظريات التي حاولت تفسير أسباب خروج الإمام الحسينu نحو مصيره المفجع، وحين نتتبع الآثار التي تركها هذا الخروج في بناء الوجدان الشيعي عبر القرون، ندرك أنّ "كربلاء" لم تكن حدثاً مغلقاً انتهى بانتهاء لحظته التاريخية، فقد ظلت كياناً رمزياً متحولاً تتلبّس في كل عصر ثوبًا يناسب ظرفه، وتُقرأ في كل مرحلة بلغة تلك المرحلة ذاتها. فالوعي الشيعي التقليدي، في غالب تاريخه حبس كربلاء داخل اطار التكليف الإلهي الغيبي الخاص، إذ نظر إليها بوصفها قدراً مقدساً استأثر به الإمام وحده، فعلاً استثنائياً لا يقبل التكرار ولا يحتمل القياس، لأنَّه فعل مرتبط بعالم الغيب لا بعالم الأسوة والاقتداء . أمَّا ذلك التحول الذي أخرج كربلاء من عزلتها الغيبية، وحوّلها إلى نموذج حيّ ينبغي أن يُستلهم في لحظات المواجهة والنهضة، إلى مثال يُستحضر كلما استُدعيت إرادة التغيير ومقاومة الاستبداد، فهذا تحول لم يبرز بوضوح في الدراسات الشيعية إلَّا في العقود المتأخرة وحاجاتها، حين بدأ الوعي الدينيَّ يتحرر تدريجياً من سطوة القراءة الغيبية المحضة، لينفتح على أفق آخر يرى في كربلاء طاقة رمزية متجددة، قابلة لأن تُستأنف في كل زمان يستدعي معناها. ينظر: د. حيدر شوكان السلطاني، نظرية التكليف الشخصي في الحركة الحسينية: قراءة نقدية في الأدلة والآثار الفقهية، مجلة كلية التربية الأساسية- جامعة بابل، العدد 47، المجلد 12، 381- 382.

[3] يمكن أن نستثني العهد البويهي من سياق التضييق والتهميش الذي طبع تاريخ التشيع في علاقته بالسلطة السياسية، فهذه الحقبة تمثل مشهدًا استثنائيًا في جدلية العلاقة بين الفقيه والسلطان، إذ لم يكن الفضاء العام إقصائيًا بالضرورة، ولكنه انفتح على إمكانية التعايش المعرفي والثقافي بين مختلف الملل والنحل. ففي أحضان هذا العهد تبلورت أمهات المصادر الحديثية الأربعة، وتحقق للشيخ المفيد والسيد المرتضى، وصولًا إلى الشيخ الطوسي، حضور فكري ومكانة رمزية لافتة، بما يكشف عن تحول معتبر في موقع الفقيه الشيعي ضمن منظومة السلطة، بوصفه فاعلًا يتفاوض على شرعيته ووجوده ضمن معادلة معقدة من التوازنات. وقد كان لنا في دراسة سابقة محاولة لسبر أغوار هذه العلاقة الجدلية، من خلال قراءة رسالة السيد المرتضى في العمل مع السلطان، التي تكشف عن وعي فقهي بإشكالية الاشتغال ضمن بنية سلطوية لا تنتمي بالضرورة إلى الأفق العقدي للفقيه، لكنها في الآن ذاته توفر له هامشًا من الفعل والتأثير. وهذا ما يفتح الباب أمام تساؤل فلسفي: هل الشرعية الدينيّة والسياسيّة دائمًا في تعارض بنيوي، أم أنَّها قابلة لإعادة إنتاج نفسها ضمن سياقات تاريخية بعينها، بحيث تتحول العلاقة من علاقة قهر إلى علاقة تفاوض؟ أما إشكالية الهوية المذهبية للبويهيين أنفسهم، بين من يراهم إمامية ومن يراهم زيدية ومن يذهب إلى نسبتهم الفاطمية، فهي في جوهرها تعبير عن سيولة الهوية السياسية في تلك المرحلة، وعن كون التصنيف المذهبي الصارم قد يكون إسقاطًا لاحقًا أكثر منه واقعًا معيوشًا آنذاك. فبصرف النظر عن الترجيح النهائي لهذه الهوية، فإن الأهم فكريًا هو أنّ غياب المركزية العقدية الصارمة في بنية الحكم البويهي هو ما أتاح مناخًا من التسامح الثقافي والديني، مكّن التجربة الإسلاميَّة من أنّ تعيش واحدة من أخصب لحظاتها الحضارية. ولكن هذا لا يعني تصوير هذه الحقبة بوصفها يوتوبيًا خالية من التوتر، فالتشيع لم يكن في حالة استقرار مطلق، إذ ظل يتحرك ضمن هامش من الضغط والتقييد، لكنه هامش أقل حدة بما لا يقاس إذا ما قورن بالعهد السلجوقي اللاحق، إذ تحولت السلطة إلى أداة تصفية عقدية ممنهجة. وبهذا يصبح العهد البويهي نموذجًا فكريا لفهم كيف يمكن للسلطة أنّ تكون، في لحظة تاريخية ما فضاءً للتعدد بدل أنّ تكون آلية للإقصاء، وكيف أنّ العلاقة بين الفقيه والسلطان هي بنية متحولة تُعاد صياغتها بتغير موازين القوة ومنطق الشرعية السائد. ينظر: د. حيدر شوكان السلطاني، الفقه والسلطة في مأزق التغلب، تفكيك تحليلي لرسالة " في العمل مع السلطان" للسيد المرتضى، مجلة مركز بابل للدراسات الحضارية والتاريخية، عام 2015م، المجلد 15، العدد 5، 377- 378.

[4] يمكن تمثل أو قراءة تجربة الشيخ الطوسي وهجرته من بغداد إلى النجف عام 448هـ، إذ مثلت ساعة تأسيسية تكشف جدلية عميقة بين حقل المعرفة وحقل السلطة. فبغداد بكونها مركز القرار إذ تتشابك وتتخادم الخلافة ونفوذ السلاجقة مع تشدد التيار الحنبلي، كانت فضاءً يصعب فيه على الخطاب الشيعيَّ أنْ يحتفظ باستقلاليته دون الذوبان في لعبة السلطة واحتكاكاتها. ولذلك اندفع منتقلا إلى النجف سعياً نحو استقلال الحقل الديني عن الحقل السياسي، بالمعنى الذي يسعى فيه كل حقل معرفي لبناء منطقه ومعاييره الخاصة بمعزل عن إكراهات حقل آخر. ولم يكن هذا الابتعاد انسحاباً سلبياً بمقدار ما كان فعلاً تأسيسياً، تحوّل فيه الهامش الجغرافي إلى مركز رمزي بديل، ولكن هذا الربح في الاستقلالية لم يخل من كلفة، إذ إن الابتعاد عن مركز القرار يعني أيضاً تأجيل التأثير المباشر في صناعته، وهي إشكالية تكررت لاحقاً في نموذج المرجعية العلمية المستقلة عن الدولة، بما يحمله من توتر او احتدام بنيوي بين الزهد في السلطة والحاجة إليها.

[5] بخصوص التجربة العراقية المعاصرة يمكن متابعة اشتغال حسن العلوي في كتابه "الشيعة والدولة القومية" الذي تناول فيه وكشف هندسة الدولة العراقية الحديثة، منذ تأسيسها عام 1921م تحت الانتداب البريطاني، إذ قامت على أساس قومي عروبي ذي طابع سني ورثته من الإدارة العثمانية التي كانت تعتمد على السنة في الجيش والإدارة، فانتقل هذا النمط إلى الدولة الجديدة وأدى إلى إقصاء الشيعة عمليًا عن أهم مواقع السلطة والجيش والوظائف العليا رغم كونهم الأغلبية السكانية. ومن أبرز أطروحات الكتاب أنّ الخطاب القومي العربي الذي تبنته الدولة استُخدم بشكل ضمني كأداة لتهميش الشيعة، إذ رُبطت المرجعيات الدينيَّة الشيعية في النجف وكربلاء بإيران أو بـ"الفرس"، مما شكّك في عروبة الشيعة وولائهم الوطني رغم عراقيتهم الأصيلة. ويستعرض العلوي مظاهر هذا التمييز في التعليم والتوظيف الحكومي والتمثيل السياسي والجيش، مستندًا إلى وقائع وإحصاءات تاريخية هامة. وقد أثار الكتاب جدلاً واسعًا واعتُبر من الأعمال التأسيسية في أدبيات المظلومية الشيعية العراقية، وإن انتُقد من بعض الباحثين لغلبة الطابع التحليلي- السياسي عليه على حساب الصرامة الأكاديمية.

[6] نقلي لي بعض الأصدقاء والمعارف أنَّهم- أي الشيعة- لا يزالون يعانون من الوجود الأقلي حتى في البلدان الغربية التي تعيش حالة المواطنة بعنواناتها العالية، وهذا يكشف أنّ إشكالية الأقلية ليست سياسية- قانونية بحتة تُحل بالمواطنة الشكلية، ولكنها إشكالية تتصل بالبنية الرمزية للهوية. فالشيعي في الغرب وإن خرج من دائرة الاضطهاد القانوني، يجد نفسه أمام أقلوية داخل الأقلوية: مسلم في مجتمع غير مسلم، وشيعي داخل جالية إسلامية يغلب عليها الطابع السني، وهو ما يكشف أنّ الأقلية شبكة من علاقات القوة الرمزية لا تُختزل في العدد. فالمواطنة الليبرالية تُحيّد الدولة عن التمييز الرسمي، لكنها لا تفكك التراتبيات الثقافية العاملة خارج نطاق القانون، فتتحول الأقلية من ضحية القانون إلى ضحية التمثيل والصورة والانطباع، وهو إقصاء أشد مراوغة لأنَّه يُواجَه بصراع على الاعتراف الرمزي لا بتشريع.

 

في المثقف اليوم