عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

ئاريان علي: ولاية الفقيه بين إرث التاريخ ورهانات المستقبل

دراسة في الشرعية والاجتهاد والسلطة

 تُعرف ولاية الفقيه اصطلاحاً بأنها نيابة الفقيه الجامع لشروط الاجتهاد والعدالة عن الإمام المعصوم الغائب في إدارة شؤون المجتمع وتنفيذ الأحكام الشرعية وتولى السلطة العامة حيث كانت الولاية في الأدبيات المتقدمة محصورة في نطاق ضيق يُعرف بالأمور الحسبية كشؤون القُصّر والأوقاف ورعاية المحتاجين ممن لا وليّ له بينما ترقت هذه الولاية عند بعض الفقهاء وعلى رأسهم الإمام الخميني لتصبح ولاية مطلقة تمنح الفقيه العادل ذات الصلاحيات الإدارية والسياسية والتشريعية التي كان يمتلكها النبي والأئمة المعصومون باعتبار أن تعطيل هذه الصلاحيات في عصر الغيبة يؤدي إلى تعطيل أحكام الشريعة وفوضى المجتمع.

مر الفكر السياسي الشيعي الإمامي بمخاض تاريخي طويل تباينت فيه مواقفه تجاه السلطة في عصر الغيبة بدءاً من غيبة الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري سنة تسع وعشرين وثلاثمائة هجرية حيث ساد اتجاه فقهي متشدد يحرم إنشاء أي كيان سياسي شيعي أو تصدي العلماء للحكم مستنداً إلى ظلال النصوص الحديثية التي تُحذر من رفع أي راية قبل ظهور الإمام المنتظر معتبرة إياها رايات ضلالة وبلغ هذا التحريم درجة منع إقامة صلاة الجمعة جماعة بإمامة الفقهاء باعتبارها منصباً سياسياً وعبادياً مختصاً بالإمام المعصوم أو من ينصبه نصاً خاصاً قبل أن يبدأ الجدار التقليدي بالتصدع مع ظهور آراء فقهية جريئة جوّزت للفقهاء إمامة صلاة الجمعة والقيام ببعض شؤون القضاء والاحتسبة معتبرين أن الفقيه هو نائب عام للإمام الغائب وهو ما شكّل حجر الأساس والتمهيد المنهجي لنشوء نظرية الولاية لاحقاً.

لم تكن نظرية ولاية الفقيه وليدة الفراغ

لم تكن نظرية ولاية الفقيه وليدة الفراغ بل تضافرت فيها عوامل سياسية واقعية مع تطور نظري قام به أعلام الفقه عبر مرحلتين فارقتين تمثلت الأولى في العصر الصفوي والتطبيق العملي الأول مع صعود الدولة الصفوية في إيران مطلع القرن السادس الهجري وتوجهها لتبني المذهب الشيعي الإمامي مذهباً رسمياً للدولة حيث نشأت حاجة براغماتية متبادلة تمثلت في احتياج الشاه إلى شرعية دينية لتثبيت أركان حكمه الجديد ورغبة الفقهاء في استثمار هذه الفرصة لنشر التشيع وحماية المجتمع الشيعي فاستدعى الشاه الفقيه اللبناني علي بن الحسين الكركي العاملي المعروف بالمحقق الثاني وأشركه في الحكم وأصدر مرسوماً رسمياً ينيبه فيه في إدارة شؤون البلاد ليُعد الكركي بذلك أول من مارس النيابة العامة سياسياً وعملياً على نطاق مؤسسي واسع بينما تمثلت المرحلة الثانية في التأصيل النظري المنهجي عبر جهود الفقيه أحمد النراقي الكاشاني في العصر القاجاري والذي أفرد بحثاً مستقلاً وواسع النطاق لمسألة ولاية الفقيه في مؤلفاته مسوقاً استدلالاته الفقهية لإثبات أن كل ما للنبي والأئمة من صلاحيات في الولاية والتدبير والحكومة يثبت للفقيه الجامع للشرائط ليضع بذلك اللبنة الأولى والبناء النظري المنهجي المتكامل الذي استند إليه لاحقاً كلّ من جاء بعده وفي مقدمتهم الإمام الخميني

تطبيقات ولاية الفقيه المعاصرة بين الولاية المطلقة والرؤى البديلة وجذورها السياسية والشرعية

تبلورت نظرية ولاية الفقيه في العصر الحديث وفق رؤية الإمام الخميني الذي طرح مفهوم الولاية المطلقة لترسخ أن الفقيه العادل يمتلك كافة الصلاحيات الإدارية والسياسية للأنبياء والأئمة لحماية الدين ومنع هيمنة الطواغيت مستنداً إلى رؤية شمولية تجعل من قيام الدولة الإسلامية الفريضة الكبرى لتطبيق أحكام الشريعة وإدارة شؤون الأمة في حين برزت الرؤى البديلة عبر طروحات محمد باقر الصدر الذي قدم نظرية خلافة الأمة وإشراف المرجعية حيث تعد الأمة هي صاحبة الحق الأصلي في الخلافة بينما يتولى المرجع الإشراف والتربية والتوجيه وتهيئة المجتمع لممارسةدوره الإلهي وإلى جانب ذلك ذهب علي السيستاني إلى قصر الولاية على الأمور الحسبية والضرورات العامة مع اشتراط المقبولية العامة ورضا الجمهور لثبوت الولاية رافضاً أي أشكال الاستبداد الفوقي ومحافظاً على استقلالية الحوزة العلمية وتتأتى هذه التحولات والتجاذبات ضمن سياق أعمق يبين أن نظرية ولاية الفقيه في العصر الحديث تقع عند تقاطع عاملين أساسيين يكمن أولهما في المنبع الديني الشرعي باعتبارها الامتداد الطبيعي للتطور الفقهي الداخلي في الفقه الإمامي وتراثه الاستدلالي بينما يتمثل ثانيهما في الاستجابة لظروف القهر والسياسة باعتبارها رد فعل شعبي وسياسي عارم على التدخلات الاستعمارية وسلطة الشاه وسياسات القمع والهيمنة الخارجية لتتحول النظرية من مبحث فقهي نظري إلى مشروع سياسي غيّر خريطة المنطقة برمتها.

المقاربة الفلسفية لولاية الفقيه ونظائرها في الأديان السماوية الأخرى

تتضح المقاربة الفلسفية لنظرية ولاية الفقيه ونظائرها التاريخية والدينية عندما ننظر إليها عبر ثنائية الرفض والقبول في الفكر الإنساني؛ فمن الناحية الفلسفية يبرز المنظور الليبرالي المعارض الذي يرتكز على مفاهيم العقد الاجتماعي وسيادة الشعب ورفض الوصاية المطلقة كما تمظهرت في أفكار إيمانويل كانط وجان جاك روسو في حين يتقاطع المنظور المؤيد للوصاية مع أطروحة حكم الحكماء أو الفلاسفة عند أفلاطون القائمة على تولي النخبة العارفة لزمام القيادة ومثلما ظهرت هذه التجليات الفكرية فقد وجدت ولاية الفقيه نظائر واضحة لها في سائر الأديان السماوية الأخرى ففي اليهودية تجسدت من خلال سلطة الحخامات التاريخية وإدارة شؤون الجماعة الدينية والسياسية عبر أحكام الهالاخا بينما تمثلت في المسيحية عبر محطات كبرى شملت الولاية البابوية المطلقة في العصور الوسطى وحكومة القديسين التي قادها جون كالفن في جنيف إضافة إلى نموذج السمفونية القيصرية الكنيسية الذي دمج بانسجام بين رأس الدولة ورأس الكنيسة لحماية النظام العام والدين.

***

ئاريان علي

في المثقف اليوم