بينّا في مقالة سابقة تحت عنوان (المتلاعبون بالتاريخ في مواجهة معطيات العلم) وكيف زعم الزاعمون بان هناك تناص مكثف بين الاديان السماوية والحضارات القديمة السابقة لهذه الاديان في سلم الزمن، وقد بينا درجة تهافت فكرة التناص فيما يتعلق بالنصوص الاصلية لهذه الاديان، ولكني لا استبعد بنفس الوقت التفسيرات لهذه النصوص بانها استوحت بقدر ما من ثقافة ورؤى، ومعارف ترشحت من هذه الحضارات، كنوع من التثاقف والتلاقح الحضاري استمده بعض المفسرين المسلمين، وجعلوا منها كوسائل توضحية لتفسير نصوص القران الكريم، وهو ما يشبه الاستعانة بالعلم الحديث في تاويل وتفسير بعض الايات القرانية، وهي استعانة قد تكون موفقة وقد تكون غير موفقة ببلوغ مقاصد المشرع لهذه النصوص، ولكن لا يمكن لايٍ كان ان ينسب هذه التفسيرات والنظريات العلمية التي استعان بها بعض المفسرين بالوقت الحاضر الى النص الاصلي للنصوص المقدسة، واعتبارها جزءً لا يتجزأ منها والامر سيان مع الروايات الاسرائيلية التي استعان بها بعض مفسري القران في ذلك الوقت في تفسير النص المقدس، ولتوضيح الامر للقاريء الكريم فيما يخص مصطلح الاسرائيليات، والتي يمكن تعريفها بشكل مختصر : بانها الروايات والقصص والاخبار المنقولة الى التراث الاسلامي عن مصادر يهوديه ومسيحية، تسربت الى كتب التفسير والتاريخ الاسلامي، ومن اشهر رواة الاسرائيليات هم (كعب الاحبار، وعبد الله بن سلام، ووهب بن منبه) وقد استعان بعض المفسرين وكتبة التاريخ من المسلمين بما نقلوه من روايات عن طريق هؤلاء، ومن بعض هؤلاء ابن عباس وابو هريرة وابن كثير وغيرهم، ومن كثرة الدخيل من هذه الاسرائيليات الى المعارف الاسلامية اصبحت تشكل مشكلة كبيرة وعويصة اخذت جهدا استثنائيا من الباحثين المسلمين من اجل فرزها والتنبه منها، وغربلة النصوص الاسلامية منها بسبب خطورتها، وبسبب ما تؤديه من تشوهات على النص والفكر الاسلامي، ومن المهم ان يعلم القاريء ان سبب هذا التسرب هو ان الفكر التلمودي اليهودي كان هو الفكر المكتوب والشائع في الفضاء الثقافي لذلك العصر، حيث هو الفكر المسيطر على الشارع الثقافي، مما ساهم في عملية التثاقف بين المفسرين المسلمين وما هو سائد من ثقافة يهودية على ايدي حاخامات وشخصيات يهودية دخلت الاسلام، وادخلت معها ثقافتها السابقة التي تنتمي لديانتها السابقة، والتي عجنتها مع معتقدها الجديد، بغض النظر عن مدى جدية هذه الشخصيات المتحولة الى الديانة الجديدة ودرجة وفاءها لها، ولكن على كل حال حصل نوع من التماس والتداخل والاحتكاك الثقافي، فتسرب منها الكثير الى التفسيرات الاسلامية كمادة توضيحية للنصوص المقدسة، وخاصة في البعد التاريخي، وتصورات التكوين والخلق التي هي مشبعة بالاساطير ذات المصادر المجهولة والموغلة بالقدم، وهي المصادر المُدونة الوحيدة في ذلك الزمن . هذا الانتحال الفكري لم يلتفت الى تاثيرة الدراماتيكي الذين عملوا به ونقلوا منه، ناهيك عن الوضع المُتعمد لبعضه من قِبل شخصيات خططت بعمد لحدوث ذلك ولغايات مشبوهة، ظهرت نتائجها المدمرة بعد ذلك، وهنا لا اريد الاستطالة في موضوع الاسرائيليات فهو موضوع شائك وطويل، ومن يُريد التوسع ومعرفة المزيد عنه، فهناك الكثير من المؤلفات في هذا الجانب يمكن الرجوع اليها، وقد اشبعها الباحثون والمفكرون المسلمون بحثا وتاليفا، وقد قامت محاولات علمية رصينة بالتصدي لهذا الخرق الخطير، في محاولة لعزلها عن التراث الاسلامي، بسبب ماتجلبه من اثر خطير وشبهه واساءة لنصوصنا المقدسة . المهم لما تقدم من تقدمة مختصرة هو ان الاسرائيليات لم يحدث منها اي محاولة تناص الى نصوص القران الكريم، وان ما تسرب منها هو في مجال الحديث النبوي، والتاريخ، والادب الشعبي، وقد انتبه له المسلمون وقاموا بعملية تنقية هذه الاحاديث منها، وان لا يمكننا الجزم بانها كانت تنقية تامة، فما زال بعضها معشعش بين نصوص الاحاديث، وبين سطور التاريخ .
في هذه المقالة ساتطرق لموضوع التناص المزعوم بين القران والعهد القديم، الذي حاول البعض تثبيته عبر طروحات فكرية يقودها الدكتور خزعل الماجدي والباحث السوري فراس السواح، زاعمين بان السماء لم تنزل رسالة على الاطلاق، ولم ينزل منها الا المطر، وما هذه النصوص المقدسة الا نتاج عملية تناص قام بها محمد من نصوص دينية سبقته بالزمن، وهو راي لايثبت امام ما سوف نطرحه، وبشكل مختصر فيما يخص الاختلاف بين القران الكريم وما جاء بالتوراة، مما يوضح درجة التهافت التي جاءت به افكار من زعموا ذلك، ولكن قبل البدء في تبيان هذه الاختلافات يكون من المفيد ان اشير الى ان القران وتوراة موسى يصدران من نبعٍ واحد، وهو المصدر الالهي، لذلك لا يمكن ان تتقاطع توراة موسى (الحقيقية) مع ما جاء بالقران الكريم الا بتشريعات هو الله اراد لها ان تكون مختلفة، قدرتها الارادة الالهية.
من المهم ان نقدم فكرة موجزة عن حقيقة التوراة الحالية، وهو كتاب يكتنف مصدره الغموض، واختلط فيه ماهو الهي، وماهو غير الهي، فنصوص التوراة الحاليه عبارة عن سيرة انبياء بني اسرائيل، ولا يُعرف من جمع هذه الاسفار والاصحاحات، وان هذه النصوص يكتنفها الكثير من الاساطير المجهولة المصدر، ولا يُستبعد ان يكون فيها من التناص الكثير من مصادر اخرى، ترجع الى الادب الشفوي الموغل بالقدم، وهناك انطباع واضح من خلال طبيعة النصوص الموجوده انها نتاج شخصيات ينتمون للكهنوت اليهودي ساهم في كتابتها، لان التوراة الحقيقة قد وضعت في تابوت العهد في بناية الهيكل في اورشليم ولكن تم تدمير الهيكل بما فيه من نسخة اصلية في زمن الملك البابلي نبوخذ نصر، التي دونها موسى بيده(تاريخ اليهود/ الدكتور اسماعيل حامد: ص٣٣٤ وكان ذلك الحرق والتدمير في عام ٥٨٦ ق.م، وبعد ذلك حصل السبي البابلي لذي اخذ به نبوخذ نصر اغلب اليهود الى بابل، ومنهم حاخاماتهم، وبقوا هناك الى ان سمح لهم الملك الفارسي كورش بالرجوع الى فلسطين وذلك عام ٤٥٨ ق.م، حيث اعاد عزرا تدوين التوراة، وتقول التوراة (لان عزرا هيا قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها(عزرا-٧)، كما تقول (عزرا الكاهن كاتب شريعة اله السماء الكامل (عزرا-٧)(تاريخ اليهود:ص٣٨١) وهذا مايعتقد به الكثيرون، ان عزرا هو الذي لعب الدور الابرز في تدوين التوراة الحالية، ومن بين هؤلاء الفيلسوف اليهودي باروخ اسبينوزا (١٦٣٢-١٦٧٧م)، وهنا نُشير الى مايقوله (ول ديورانت) (ان عزرا الكاتب دعا اليهود حوالي سنة ٤٤٤ق.م الى اجتماع هام، ثم اخذ يقرا عليهم شريعة موسى..)(ول ديورانت:ص٣٦٦)، واذا نظرنا فقط الى فترة دمار الهيكل وحرق التوراة الاصلية، واعادة تدوين التوراة على يد عزرا والتي تتراوح مابين ٥٨٠-٤٥٨ ق.م لنجدانها ١٢٢ سنة، هذا على افتراض ان عزرا قد بدا بالتدوين حين وصوله لاورشليم بعد عودته من بابل في العراق، وهذه فترة غير قصيرة، وكيف لانسان يستطيع تذكر نصوص بالدقة طوال هذه السنيين من دون ان يعتري هذه النصوص زيادة ونقصان، ولاشك ما للتلاقح الثقافي من اثر في طبيعة الصياغة اللغوية حيث كُتبت باللغة الارامية، ولايمكن استبعاد ان يكون هناك تناص مع ما موجود من تراث ثقافي بابلي المعروف بملامحه الاسطورية، ولهذا يفضل الكثير نسبة التوراة الحالية الى عزرا الكاهن، ويُطلق عليها توراة عزرا، وهو من دوّن الاسفار الخمسة مضاف اليها سفر يسوع، ومن نافلة القول هناك راي يقول ان التوراة التي دونها موسى قد فقدت لما استولى الفلسطينيون على تابوت العهد سنة ١٠٧٦ق.م. هذا موجز مختصر عن التوراة وما تعرضت له من ضياع وحرق، واعادتها بعد سنين طويلة على يد كاهن اجتهد في كتابتها، وانا لا اريد ان ادخل في المجال اللغوي الذي هو ليس باختصاصي، والذي يبين ويحلل اسلوب صياغة التوراة، والذي توضح بشكل جلي لا علاقتها البته بما هو منزل من الله، فهو مكتوب بطريقة شخص ثالث يكتب عن الله وعن موسى وعن ماجرى من احداث على بني اسرائيل، وهذا واضح من النص التالي (فمات هناك موسى عبد الرب في ارض مؤاب، حسب قول الرب، ودُفن في الجوار في ارض مؤاب مقابل بيت فغور، ولم يعرف انسان قبره الى هذا اليوم ..)(تقنية-٣٤)، وهنا نكتفي بهذه المقدمة الضرورية، كمقدمة مهمة لتبيان الاختلافات بين القران والتوراة، للكشف عن نفي مزاعم التناص بين القران والتوراة.
من المفارقات بين القران والتوراة، ان القران يصرح بان ابو ابراهيم هو ازر (اذ قال ابراهيم لابيه ازر اتخذ اصناما الهة)(الانعام:٧٤)، في حين تدعي التوراة ان ابو ابراهيم هو تارح (وهذه مواليد تارح، ولد تارح ابرام وناحور وهاران...(التكوين:٢٢)، كما ان الرؤية الاسلامية تقول ان الذبيح هو اسماعيل لان ابراهيم تلقى الامر من الرب بذبح ابنه الاكبر، وكان الابن الاكبر هو اسماعيل وليس اسحاق، في حين تكون الرؤية التوراتية تقول ان الذبيح هو اسحاق (وحدث بعد هذه الامر ان الله امتحن ابراهيم، فقال له ابراهيم .. خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحاق.. واصعده هناك محرقة على احد الجبال الذي اقول لك..)(تكوين-٢٢). يقول الدكتور عبّد الوهاب المسيري في موسوعته ج١ ص٤٠١ (وليس لاسحاق اهمية كبيرة في التراث الديني اليهودي.. ويرى بعض دارسي العهد القديم ان اهميته كانت اكبر بروزا في نسخ العهد القديم التي فقدت..)، وهنا يتاكد فقدان النسخة الاصلية للتوراة، وقد كُتبت نسخ اخرى جديدة مغايرة . في التوراة وردت كلمة فرعون في قصة يوسف (فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجلا فيه روح الله، ثم قال فرعون ليوسف..)(تاريخ اليهود:ص٥٧)، اما في القران يذكر في قصة يوسف الملك (وقال الملك ائتوني به استخلصه لنفسي..)(يوسف٥٤-٥٦). القران يقول ان من ربت موسى هي امراة فرعون وقد ورد اسمها بالاحاديث النبوية واسمها (اسية بنت مزاحم)(واوحينا الى امّ موسى ان ارضعيه..وقالت امرات فرعون قُرت عين لي ..)(القصص ٧:٩)، وحتى الانجيل يقول ان بنت فرعون هي من ربته (ولما نبذ موسى اتخذته ابنة فرعون وربته لنفسها..)(سفر اعمال الرسل-٧)، ونلاحظ الاختلاف واضح وجلي بين القران الذي يقول ان قتل موسى للمصري كان غير متعمد ولم يقصد قتله(..فوكزه موسى فقضى عليه، قال هذا من عمل الشيطان، انه عدو مضل مبين، قال ربي اني ظلمت نفسي فاغفر لي..)(القصص٢٤-١٧) في حين تبين التوراة ان عملية القتل كانت متعمده (..فالتفت (موسى) هنا وهناك وراى انه ليس احد فقتل المصري وطمره في الرمل..)(خروج-٢). كما نرى من اختلافات القران مع التوراة، حيث يُسمي القران الجبل الذي صعد اليه موسى لمناجاة الله بجبل الطور، وطور سنين، في حين تسميه التوراة بجبل الله، وجبل حوريب، وجبل موسى . وهناك خلاف واضح وحاد بين القران والتوراة في مسالة صنع العجل، حيث تزعم التوراة ان هارون هو من صنع العجل من الذهب، فتقول (..لان هذا موسى الرجل الذي اصعدنا من ارض مصر لا نعلم ماذا اصابه، فقال لهم هارون انزعوا اقراط الذهب التي في اذان نسائكم وبنيكم وبناتكم واتوني بها ..فاخذ ذلك من ايديهم وصوره بالازميل وصنعه عجلا مسبوكا . فقال هذه الهتك يا اسرائيل التي اصعدتك من ارض مصر، فلما نظر هارون بنى مذبحا امامه ونادى هارون وقال غدا عيد الرب)(خروج-٢٢)(تاريخ اليهود:ص١٤٥) في حين ان القران لا يقول بذلك عن هارون وان العجل قد عمله السامري (قالوا ما اخطانا موعدك بملكنا ولكن حُملنا اوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك القى السامري، فاخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا الهكم واله موسى ..)(طه-٨٨). وعندما نسترسل في تبيان الاختلافات نجد ان التوراة تزعم ان زوجة موسى (صفورة)، وهي بنت كاهن مدين، الذي اسمه يثرون، في حين تذكر الروايات الاسلامية انه النبي شُعيب. ويذكر الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته ج١ ص٤١٤ ان داوود لم يكن نبي عند الاسرائيلين، اما حسب العقيدة الاسلامية فهو نبي وملك، ولا يقف الاختلاف على هذا المستوى، بل ينسحب الى التقيم الاخلاقي والتصرف السلوكي للانبياء فترى التوراة ان هناك انبياء يحتسون الخمرة، في حين القران لا يقر ذلك، ويذكر السفر التوراتي (اخبار الايام (١-١٥) (.. ولما انتهى داود من اصعاد المحرقات وذبائح السلامة بارك الشعب باسم الرب، وقسم على كل ال اسرائيل. من الرجال والنساء على كل انسان رغيف خبز وكاس خمر وقرص زبيب..)((اخبار الايام-١-١٦)، في حين يصف القران كل الانبياء بانهم ناس صالحون، على مستوى اخلاقي عالي، ولم يقتربوا من المحرمات ومنها الخمرة، بل نرى التوراة تصور النبي لوط بصورة غير اخلاقية مع بناته حيث يحتسي الخمرة ويتضاجع معهن ويلدن منه (.. ابونا قد شاخ، وليس في الارض رجل ليدخل علينا كعادة كل الارض، هلُمَّ نسقي ابانا خمرا ونضطجع معه فنحي من ابينا نسلا)(التكوين١٩ : ٣٠-٣٥)، وهذه اهانه مابعدها اهانه لاحد انبياء الله الصالحين، في حين القران كما ذكرنا يذكر الانبياء بكل اجلال وتكريم، ويجعل منهم قدوة لباقي البشر (ولكم في رسول الله اسوة حسنة)(الاحزاب؛٢١). كما هناك اختلافا واضحا بين القران الذي يقول بنبوة داود وابنه سليمان، في حين لا تقر التوراة ذلك، بل تدعوهم بالملوك، لذلك نسبوا اليهم امور وسلوكيات لا تُليق بالانبياء، وتستمر الخلافات بين الكتابين حتى نصل الى قصة مجيء عرش بلقيس الى سُليمان، حيث تُشير التوراة بانها جاءت بنفسها مع حشمها وخدمها، في حين يخبرنا القران ان مجيء بلقيس بطريقة اخرى لاتمت بصلة لما جاءت به التوراة، حيث يذكر القران الكريم، جاء به من له علم من الكتاب، والذي تقول بعض التفاسير واسمه اصف بن برخيا (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ انَا اتِيكَ بِهِ قَبْلَ انْ يَرْتَدَّ الَيْكَ طَرْفُكَ)(النمل).
ويمكن تلمس ذلك من خلال الاطلاع على رواية (سفر الملوك-١٠)(تاريخ اليهود، اسماعيل حامد:ص٢٦٨). وكما قلنا اعلاه ان التوراة تعامل النبي سليمان على انه ملك، وتفتري عليه بان قلبه مال عن الرب وجاء في سفر الملوك الاول -١١) عن سليمان (وكان في زمان شيخوخة سليمان اذ نساءه امالن قلبه وراء الهة اخرى، ولم يكن قلبه كاملا مع الرب كقلب ابيه داود..)(تاريخ اليهود:ص٢٧٣)في حين القران الكريم كما قلنا يعتبر سليمان نبيا، والنبي لايمكن الا ان يكون قلبه كله لله ومعصوم من التدنيس والمعصية. اضافة لما ذكرنا من الاختلافات، نرى هناك قصصا جاء بها القران، وليس لها اثر ولا ذكر في التوراة، ومثال ذلك قصة ابن نوح وكفره ومعصيته لامر والده النبي نوح، وغرقه بالطوفان، كذلك حادثة اشعال النار بابراهيم عليه السلام، وحفظ الله له، وقصة ايمان امراة فرعون، وكذلك قصة المسيح وهو يكلم الناس بالمهد، كما ينجر الاختلاف الى حادثة ذبيح ابراهيم الذي تقول عنه التوراة انه اسحاق، في حين في الاسلام يكون الذبيح اسماعيل باعتباره هو الابن الاكبر لابراهيم . كما ان القران يختلف مع العهد الجديد في مسالة صلب النبي عيسى، وان الذي صُلب هو من شُبه لهم، وان الله اصعده السماء . واذا انتلقنا الى مسالة الخلق نرى هناك تفاوت كبير بين القران والتوراة، ونُشير هنا للباحث الفرنسي موريس بوكاي في مقارنته بين قصة الخلق في القران والتوراة والانجيل الذي وضح الفارق بينهما، والتي يمكن الرجوع اليها بالتفصيل ، واشير هنا الى قضية مهمة الا وهي خلق حواء من ضلع ادم الذي لايقرها القران، والذي اكد على ان الرجل والمراة خُلقا من نفس واحدة "يَا ايُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا"، ولم يتوقف امر الاختلاف على ماذكرنا، فالقران ينطق بوضوح بان الله رب العالمين اجمع (الحمدُ لله رب العالمين)(سورة الفاتحة)، في حين رب بني اسرائيل كما تذكر التوراة هو رب الشعب المختار، وهذا خلاف كبير، حيث يضعون منزلة متميزة لبني اسرائيل، وينظرون لباقي البشر كعبيد لهم، في حين يقول القران (ولقد كرمنا بني ادم)(الاسراء :٧٠)، والحديث النبوي يقول (الناس سواسية كاسنان المشط).
نلمس من القران الرحمة والمودة لكل البشر، حيث يصف الله بالرحمن الرحيم، ويدعو نبيه الكريم محمد ص الى التعامل بالرفق والمودة، سورة ال عمران: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، في حين نرى التوراة تدعو لاسلوب العنف والقسوة اتجاه غير اليهود، فمما جاء بالتوراة بامر اله التوراة بقتل كل المواليد الابكار في مصر (سفر الخروج:١٢ العدد ٩)، ويامر اليهود بعد خروجهم من الاسر في مصر بقتل الكنعانيين جميعا(سفر التثنية ٢٠ الاعداد ١٦-١٨)، ويامر بقتل امة المماليك كلها الرجال والنساء والاطفال والماشية والخرفان والماعز والجمال والحمير، في حين نرى القران يدعو الى حفظ الحياة وعدم قتل النفس المحترمة (﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ اوْ فَسَادٍ فِي الْارْضِ فَكَانَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ احْيَاهَا فَكَانَّمَا احْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وهذا فرق جوهري بين من يدعو الى احياء الناس وصون النفس المحترمة، ومن يدعو الى قتل الانسان والحيوان . من الاختلافات الواردة بين القران والتوراة، نرى القران يقول (ولقد اتينا موسى تسع ايات بينات) ويقصد بها معجزات، في حين تُشير التوراة ان الله سلط على مصر عشر ضربات موجعة تاديبية ليزرع بها فرعون، وهي ضربات رادعة لفرعون كي يسمح للعبرانيين بالخروج من ارض مصر، وتستمر الاختلافات بين الكتابين تباعا، بينما نرى ان القران اورد قصة موسى مع الخضر، في حين لا وجود لقصة الخضر، ولا ذكر لشخصيّته في التوراة، كما ذكر القران ولادة مريم للمسيح، حيث جاءها المخاض تحت جذع نخلة، في حين يذكر الانجيل ولدت في اسطبل للحيوانات في قرية من قرى بيت لحم، وهنا اذكر الانجيل باعتباره العهد الجديد، والقران يذكر ان المسيح تكلم بالمهد، وهو طفل امام اليهود ليبرا امه، اما في الانجيل لا وجود لمثل هذه الحادثة المعجزة. ولو جئنا الى النبي ابراهيم، حيث يذكر القران ان النمرود هو من القاه الى النار، في حين لا يوجد ذكر لذلك في التوراة عن النمرود، ولا ذكر لحادثة الحرق. كما اشار القران الكريم الى ان ابراهيم واسماعيل هم من بنو الكعبة ورفعوا قوائمها في ارض مكة، سورة البقرة: ﴿وَاذْ يَرْفَعُ ابْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَاسْمَاعِيلُ)(سورة البقرة)، في حين لم تشر التوراة الى ذهاب ابراهيم الى مكة اطلاقا. كما هناك اختلافا في امور العقيدة، حيث يصف الله المسيح بانه عبد الله ورسوله (انَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ادَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)(ال عمران:٥٩)، ولكن المسيح يعتبرونه ابن الله، واذا ذهبنا الى امر الله لابليس بالسجود لادم (واذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم، فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين)(البقرة)، في لم يكن هناك اي ذكر لهذه الحادثة في التوراة، ولو انتقلنا الى قصة النبي يوسف، يذكر القران ان اخوته ادعوا اكله الذئب (..فاكله الذئب، وما انت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين)(يوسف:١٧)، في حين تذكر التوراة اكله الوحش . من المفارقات الحادة بين القران والتوراة نرى ان التوراة تدعي كما في سفر التكوين -١٢) ما لا يمكن ادعاءه على نبي مرسل، فتقول عنه (..وحدث لما قرب ان يدخل ابرام مصر انه قال لساراي زوجته اني قد علمت انك امراة حسنة المنظر، فيكون اذا راك المصريين انهم يقولون هذه امراته فيقتلوني ويستبقونك . قولي انك اختي، ليكون لي خير بسببك، وتحيا نفسي من اجلك..)(تاريخ اليهود:ص٢٩)، وفي نص اخر تدعي التوراة ان فرعون اخذ ساراي الى بيته لجمالها واعطى لابراهيم الكثير من الغنم والبقر والحمير والجمال، ويمكن الاطلاع على ذلك في سفر التكوين-١٢)(تاريخ اليهود:ص٢٩)، وماذكرته التوراة تمثل اساءة بالغة للنبي ابراهيم وهدر لكرامته وطعن بزوجته، في حين القران لم يذكر ذلك، بل يذكر العكس عن النبي ابراهيم، قال تعالى: ﴿ قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(النحل:١٢٠)، ويصفه الله في مقام اخر بالامام، لرفعته وعلو منزلته (وَاذِ ابْتَلَىٰ ابْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَاتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ اني جاعلك لِلنَّاسِ امَامًا..)، (البقرة:١٣٤)، وهكذا يكرم القران انبياء الله، في حين تذكرهم التوراة بصفات لا يتصف بها الا احقر واسقط البشر، والامر لا يتوقف بالوصف المُشين على ابراهيم ولوط وبل حتى اسحاق ويعقوب، فتقول التوراة في سفر التكوين : ٢٧:٢٥ وهو يصف ما وقع بين اسحاق ويعقوب، وكيف يطلب اسحاق الخمرة من ابنه يعقوب (قَدم لي الاكل من صيد ابني حتى تُباركك نفسي فقدم له فاكل واحضر له خمرا فَشرب)، ولم يقف الاختلاف بالموقف من الانبياء عند ذلك، فنرى التوراة تجسد الذات الالهية (وظهر الرب لابرام وقال لنسلك اعطي هذه الارض)(تاريخ اليهود:ص٢٥، في حين القران يقول عن الذات الالهية (ليس كمثله شيء)(الشورى:١١)، فهم هنا يجسدوا الذات الالهية ويجعلوا لله يد (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ ايْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا..}، وهذا منافي ومخالف لما جاء به القران الكريم, والادهى من ذلك ان هناك خلاف جوهري، وهو ان اليهود يقولوا انهم ابناء الله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ ابْنَاءُ اللَّهِ وَاحِبَّاؤُهُ)(المائدة)، (وفي اية اخرى (وقالت اليهود عزيز ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله .. قاتلهم الله انى يؤفكون، اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله) (التوبة ٤٠-٣١)، وفي اية اخرى يقول القران (في حين يذكر القران في سورة التوحيد (لم يلد ولم يولد) وهذا فرق شاسع بين العقيدتين اليهودية والاسلامية .
طبعا لم نتطرق الى اختلافات بامور الشريعة والعقيدة والتاريخ، فهي كثيرة جدا، وهناك مؤلفات كثيرة وكبيرة تتحدث عن ذلك، وليس مقامها مقالة بحثية لا يمكنها ان تتجاوز حدودها، وما تمليه عليها حدود المقالة .
واخيرا يتضح للقاريء الكريم ليس هناك ما يدل على وجود تناص، بشكليه الحرفي، وهو نقل للنص بحذافيره، ولا تناص بالفكرة، فالقران والعهدين القديم والجديد لامشابه بينهم الا اللهم في امور مرجعها الاصل الواحد كاديان جاءت من مصدر الهي واحد، اما غير ذلك، لم نجد مايؤكد مزاعم البعض بان هناك تناص بين القران والتوراة لا من بعيد ولا من قريب، وان التناص المزعوم يبدو فقط في مخيلة من يدعيه، زاعما افتراضات غير موفقة، دفعته لها افكار مسبقة تبنوها في مخيالهم لعلها تخدم ايديولوجيات تعادي الاديان في محاولة بائسة للنيل منها، والحط من مكانتها التي كانت ولا زالت عصية على كل من حاول تسفيهها، وانزالها من علياءها التي تحدت من خلالها الزمن، واثبت التاريخ تهافت الكثير الكثير من الافكار والفلسفات والايدلوجيات، وبقى القران وكانه جاء من الامس القريب، وماتت الملاحم الاسطورية والمعلقات الشعرية، واصبحت نسيا منسيا وبقي القران حيا طريا، يمارس تاثيره وبقوة على شعوب الارض جميعا، من اعتقد به، ومن لم يعتقد.
***
اياد الزهيري








