عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: القيمة والمعيار في الرواية العربية

من حكاية الوقائع إلى شعرية التشكيل

مقاربة نقدية في ضوء رؤية يوسف سامي اليوسف واجتهادات كبار النقاد

ليست الرواية العظيمة تلك التي تحسن سرد الأحداث فحسب، ولا التي تستدرج القارئ إلى متابعة مصائر شخصياتها، بل هي التي تستطيع تحويل الحياة إلى معرفة جمالية، والوقائع إلى تجربة إنسانية، واللغة إلى فضاء تتكشف فيه طبقات الوجود الخفية. فالرواية ليست نقلاً آلياً للواقع، وإنما إعادة خلق له عبر المخيلة والرؤية والبناء واللغة، بحيث يغدو النص عالماً مستقلاً، له منطقه الداخلي وأسئلته الوجودية ودلالاته المتعددة.

ومن هنا يبرز السؤال النقدي الجوهري: ما الذي يجعل رواية ما عملاً إبداعياً رفيعاً، بينما تظل أخرى، على الرغم من وفرة أحداثها أو انتشارها، مجرد حكاية عابرة؟ أين تكمن القيمة: في الموضوع، أم اللغة، أم الشخصيات، أم البناء السردي، أم في قدرة النص على اختراق التجربة الإنسانية وإعادة تشكيل وعينا بها؟

إن البحث عن معيار القيمة لا يعني إخضاع الرواية لقوالب جاهزة، بل امتلاك القدرة النقدية على التمييز بين النص الذي يحقق ضرورة فنية وإنسانية، والنص الذي يكتفي باستعراض الحكاية أو استهلاك التقنيات.

الناقد يوسف سامي اليوسف وسؤال القيمة الروائية

تكتسب رؤية الناقد الفلسطيني يوسف سامي اليوسف أهمية خاصة في هذا السياق، إذ لم يتعامل مع النقد بوصفه وصفاً للنصوص وتصنيفاً لاتجاهاتها، بل ممارسة تبحث عن الأسباب التي تمنح العمل الأدبي قيمته.

في كتابه «مقال في الرواية»، يطرح اليوسف أسئلة تتصل بجوهر الفن الروائي، وبالخصائص التي تميز الرواية الأصيلة من الأعمال التي قد تحظى بالانتشار دون أن تمتلك قيمة جمالية موازية.

ويتصل هذا التصور بما طرحه في كتابه «القيمة والمعيار: مساهمة في نظرية الشعر»، حيث يعيد الاعتبار إلى سؤال القيمة، ويرفض الاكتفاء بالتحليل التقني الذي يشرح كيفية تشكل النص دون أن يفسر أسباب تفوقه الجمالي.

ويمكن استثمار هذا المنظور في قراءة الرواية: فكما لا تكون القصيدة عظيمة لمجرد امتلاكها صوراً بلاغية، لا تكون الرواية عظيمة لمجرد امتلاكها حبكة محكمة أو موضوع اجتماعي وسياسي مهم.

إن القيمة حصيلة تفاعل بين أصالة التجربة، وعمق الحساسية الإنسانية، وخصوبة الخيال، وضرورة الشكل، وحيوية اللغة، والقدرة على ترك أثر يتجاوز لحظة القراءة.

وهنا ينبغي التمييز بين المعيار والقاعدة، فالقاعدة تفرض حكماً ثابتاً، أما المعيار فيساعد على اكتشاف القيمة داخل خصوصية كل عمل. فلا يمكن قياس رواية دوستويفسكي بمسطرة رواية بروست، ولا محاكمة الرواية التجريبية بمعايير الرواية الواقعية التقليدية.

حين يصبح السرد فناً للغة والخيال: شعرية الرواية

لا تعني شعرية الرواية تحولها إلى قصيدة موزونة، وإنما امتلاك اللغة السردية طاقة إيحائية تتجاوز الإخبار المباشر، وتحويل المشهد والشخصية والصورة إلى عناصر منتجة للجمال والدلالة.

فالرواية التي تخبرنا بأن شخصية ما حزينة تختلف عن رواية تجسد حزنها في ارتعاشة يدها، ونافذة أغلقتها قبل الغروب، وكرسي ظل فارغاً سنوات طويلة. في الحالة الثانية لا يشرح الكاتب الشعور، بل يجسده، ولا يقدم المعنى جاهزاً، بل يترك للقارئ فرصة اكتشافه.

وتتأسس هذه الشعرية على كثافة اللغة، وخصوبة الصورة، والإيقاع الداخلي، وعمق التخييل، وتعدد الدلالات، ووحدة البناء الفني.

فالشعرية ليست زخرفة لغوية، ولا استعراضاً للاستعارات، بل طريقة خاصة في رؤية العالم وإعادة تشكيله. وقد تكون الرواية مكتوبة بلغة مقتصدة، ومع ذلك تبلغ ذروة الشعرية من خلال رموزها وصمتها وتوترها الداخلي.

سؤال القيمة الروائية، وكبار النقاد

قدمت النظريات النقدية الحديثة تصورات أساسية تساعد على فهم القيمة الفنية للرواية.

يرى جورج لوكاتش أن الرواية تعبير عن عالم فقد وحدته، وأصبح الإنسان فيه يبحث عن المعنى وسط التناقضات الاجتماعية والوجودية. ومن هذا المنظور، تتجلى قيمة الرواية في قدرتها على جعل مصير الفرد نافذة على مصير المجتمع والتاريخ. ونجد ذلك في ثلاثية نجيب محفوظ، حيث يتحول تاريخ الأسرة إلى صورة لتحولات المجتمع المصري وصراعه بين الموروث والحداثة.

أما ميخائيل باختين فقد قدم مفهوم تعدد الأصوات والحوارية، معتبراً الرواية فضاءً تتجاور فيه الرؤى والمواقف والأيديولوجيات، دون أن تختزل جميع الشخصيات في صوت المؤلف. ويتجلى هذا البعد في روايات تستقل فيها الشخصيات بوعيها ومواقفها، وتدخل في حوار وصراع فكري وإنساني.

ويربط إدوارد سعيد الأدب بالتاريخ والسلطة والتمثيلات الثقافية، ويتيح مشروعه قراءة الرواية باعتبارها مساحة لمساءلة الصور التي يصنعها الآخر عن الإنسان وهويته. وتتجلى هذه الإشكالية في «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، حيث تتشابك الهوية والذاكرة والاستعمار والاغتراب.

أما رولان بارت فيتيح لنا النظر إلى النص بوصفه شبكة من العلامات والإحالات والتناصات، لا خطاباً يحمل معنى واحداً جاهزاً. ويمكن استحضار «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي نموذجاً لتداخل الجسد والذاكرة والحب والوطن في بنية رمزية واحدة.

وعلى الصعيد النقدي العربي، قدمت سيزا قاسم في كتابها «بناء الرواية» مقاربة للعناصر المكونة للعالم الروائي، فيما اهتم سعيد يقطين بالعلاقة بين الحكاية والخطاب وطرائق إنتاج المعنى. وأسهم حميد لحمداني في دراسة أسلوبية الرواية وعلاقة اللغة بالبناء السردي، بينما تمثل تجربة إحسان عباس نموذجاً للنقد الذي يجمع بين المعرفة التاريخية والذائقة الأدبية والتحليل الثقافي.

وتؤكد هذه الاتجاهات أن الرواية لا تُقرأ من زاوية واحدة؛ فالبناء يكشف انتظامها، والسيميائيات تفسر علاماتها، والسرديات تدرس طرائق الحكي، والنقد النفسي والاجتماعي والتاريخي يكشف صلاتها بالإنسان والعالم.

شعرية الرواية العربية ونماذجها

تقدم الرواية العربية نماذج متعددة تكشف تنوع الإمكانات الجمالية والفنية.

١- نجيب محفوظ – «الثلاثية»: تتجلى القيمة في تحويل التفاصيل اليومية إلى تاريخ اجتماعي ونفسي، وجعل الأسرة فضاءً يعكس تحولات المجتمع المصري.

٢- غسان كنفاني – «رجال في الشمس»: تتجلى الشعرية في الاقتصاد السردي والرمز والمفارقة المأساوية؛ فالخزان يتحول إلى فضاء دلالي للصمت والعجز والمسؤولية التاريخية.

٣- الطيب صالح – «موسم الهجرة إلى الشمال»: تتجسد القيمة في تعقيد البناء النفسي، وتوتر العلاقة بين الشرق والغرب، وتداخل الهوية والاغتراب والذاكرة.

٤- عبد الرحمن منيف – «مدن الملح»: تتجلى القيمة في تصوير التحولات الحضارية والاجتماعية التي أحدثها النفط، وفي تشابك السلطة والاقتصاد والمكان والذاكرة.

٥- أحلام مستغانمي – «ذاكرة الجسد»: تتجلى الشعرية في اللغة المجازية، وتداخل التجربة العاطفية بالذاكرة الوطنية، وتحول الجسد إلى علامة على الفقد والانتماء.

وتكشف هذه النماذج أن الرواية العربية لم تستمد قيمتها من موضوعاتها وحدها، بل من الطريقة التي أعادت بها تشكيلها فنياً، ومن قدرتها على ابتكار علاقة جديدة بين اللغة والإنسان والتاريخ.

القيمة الجمالية ومعاييرها في الرواية

يمكن تحديد مجموعة من المرتكزات التي تساعد في تقويم العمل الروائي:

١- أصالة الرؤية: امتلاك الكاتب منظوراً خاصاً إلى العالم، يتجاوز التكرار والمحاكاة.

٢- عمق التجربة الإنسانية: النفاذ إلى التناقضات النفسية والوجودية للشخصيات.

٣- ضرورة البناء: تكامل الأحداث والشخصيات والزمان والمكان داخل نسيج فني متماسك.

٤- شعرية اللغة: تجاوز الإخبار المباشر إلى الإيحاء والتصوير دون الوقوع في الزخرفة الفائضة.

٥- تعدد الدلالات: إتاحة المجال لقراءات وتأويلات مختلفة.

٦- وحدة الشكل والمضمون: أن يكون الشكل تعبيراً ضرورياً عن التجربة، لا غلافاً خارجياً لها.

٧- الابتكار الفني: إضافة شيء جديد إلى الرؤية أو اللغة أو تقنيات السرد.

٨ - الأثر الإنساني: ترك معرفة أو سؤال أو انفعال يستمر بعد انتهاء القراءة.

ولا ينبغي التعامل مع هذه المعايير باعتبارها وصفة ثابتة؛ إذ تختلف أوزانها باختلاف طبيعة التجربة الروائية واتجاهها الفني.

النقد مسؤولية التمييز لا صناعة الشهرة

إن أزمة الرواية ليست في كثرة ما يُكتب، وإنما في الخلط بين الوفرة والإبداع، وبين الانتشار والقيمة، وبين امتلاك الأدوات الفنية والقدرة الحقيقية على توظيفها. كما أن أزمة النقد تتفاقم حين يتحول إلى مجاملات متبادلة أو أحكام انطباعية أو استعراض للمصطلحات دون النفاذ إلى جوهر النص.

نحن بحاجة إلى نقد يستعيد شجاعة الحكم، ويمتلك الذائقة والمعرفة، ويستطيع تفسير أسباب نجاح نص وإخفاق آخر، والكشف عن العناصر التي منحت رواية ما قدرتها على البقاء.

وفي هذا السياق، تظل مساهمة يوسف سامي اليوسف جديرة بالاستعادة، لأنها تعيد سؤال القيمة إلى قلب الممارسة النقدية، وتؤكد أن الأدب ليس سباقاً في إنتاج الصفحات، ولا استعراضاً للتقنيات، بل فعل إنساني وجمالي يتطلب أصالة الرؤية وصدق التجربة وضرورة الشكل.

فالرواية العظيمة لا تكتفي بأن تصف العالم، بل تمنحنا عيناً أخرى لنراه، ولا تكتفي بأن تروي حياة الإنسان، بل تكشف لنا ما لم نكن نعرفه عن الإنسان فينا.

ولعل المعيار الأعمق لقيمتها أن تظل حية بعد أن تنتهي حكايتها، وأن تستمر في إثارة الأسئلة بعد أن يصمت الراوي، وأن تجعل القارئ يخرج من عالمها شاعراً بأن العالم الذي عاد إليه لم يعد كما كان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم