تتشكل المجموعة القصصية " نرجس لم يغرق " للقاص والأديب المغربي سعيد ملوكي من موضوعات وعناصر سردية تؤسس لأفق قصصي غني بدلالاته، وأدواته التعبيرية الموزعة بين ما هو واقعي وغرائبي من حيث الصياغة والمعنى، فيتخذ ما هو ثقافي وتاريخي وصوفي وعقائدي منحى تقاطعيا مع عناصر مثل الوهم، والاستيحاء، والتناقض بأسلوب يتنازعه الواقعي والغرائبي سواء على مستوى الصياغة أو المعنى، فيتم تصوير مظاهر من الفقر الذي يسود المجتمع خصوصا في المناطق النائية والمعزولة ؛ كما هو الحال في دوار بجبال الأطلس والذي زاره الروائي البريطاني جورج أوريل: " بعد تسكعه في باريس ولندن... قرر الصعود إلى الهواء الذي لم يجده إلا في هذا الدوار المنسي في جبال الأطلس. دوار يعيش خارج التاريخ... " ص59، والذي أثار انتباهه فيه معاناة الناس من أشكال الفقر والعوز متسائلا عن مدى إدراك زوار المناطق من سواح لوضعية الخصاص والفاقة التي تستشري بالمنطقة: " وتساءل هل حقا إن السواح الوافدين يلاحظون فقر الناس هنا أم أنهم يبحثون فقط عن الغرائبي والعجائبي، ويتمتعون بسحر الطبيعة. " ص61، وفي قصة " مّي الضاوية " التي تصور حياة امرأة عجوز تعيش وحيدة حياة فقر وضنك، ولم تسلم من تعرضها للسرقة دون سند أو حماية: " تسكن مّي الضاوية، امرأة تجاوزت عقدها السابع. ليس لها من أنيس إلا أربع دجاجات وماعزتين. وقد زادت عزلتها يوم استقدمت كلبتين لحراسة ممتلكاتها من الدجاج والماعز بعدما تعرضت للسرقة ورفض أهل القرية حمايتها... هي الآن في عزلة تامة: فلا أحد يجرؤ على الاقتراب من منزلها خوفا من شراسة كلبتين لا تكفان عن النباح الذي يسمع من بعيد. " ص76، وهي نموذج لواقع يعج بالفقر والعوز لامرأة عجوز تعيش حياة عزلة لم تسلم من تعرضها للسرقة دون أي تدخل لساكنة محيطها لحمايتها، وفي مقابل النزعة الواقعية وما تفرزه وتصوره من أوضاع مزرية تبرز نزعة غرائبية كما في قصة " أبحث عن نفسي " على مستوى التعبير، حين يقول: " أَبْصَرْتُني أمر أمام الشرفة." ص24، في تعبير المتكلم عن ذاته، وعن أناه التي تختفي وسط حشد الناس: " فقد ذاب ذلك الذي كان أنا وسط الناس. " ص24، ومساءلتهم وسؤالهم عن نفسه: " أتوسل إلى بعض الناس أسألهم إن كانوا قد رأوني مارا من هنا. " ص26، مما يثير استغرابهم: " وبدل مساعدتي ينظرون إلي في تعجب... ص26. وفي قصة " أغنام " حيث يغدو لحيوانات، من قِبَل الأغنام والمعز والذئب والأسد، مستوى من التنظيم كما لدى البشر المتحضر، فيعقد الماعز مجلسا للتداول في اعتداءات الذئب مما دفعهم لتنظيم دفاع مشترك، بينما ارتأت الأغنام طلب الحماية من الأسد، الذي يتولى الخطاب في مشهد مثير للعجب: " تابع الأسد خطابه... " ص69، بل وقطع وعدا مع الأغنام التي تخضع لسلطته، وما يصدر عنه من ضحك تبرز معه أضراسه، وما يلهج به من قول وكلام: " ووعد الأسد بجعل كل الأغنام تحت تصرفه. فضحك حتى بانت أضراسه ثم قال:... " ص71، ومشهد الدخول والخروج من النافذة في قصة " السيد حمار ": " خرجت من النافذة وتهت في شارع طويل... عدت إلى المنزل، دخلت من النافذة لما اكتشفت لصا. " ص47، إلى غيرها من مشاهد تنم عما هو غريب وعجيب، ولا يتسع المجال لذكرها، وهو ما يبرز معه تقاطع الواقعي بالغرائبي في العديد من حالات السرد وتمظهراتها.
وتزخر المجموعة بالعديد من الموضوعات، منها ما هو تاريخي كما في قصة " زفرات المورو "، التي تشير إلى حث سقوط الأندلس: " كل شيء ضاع. ضاع التاج ومعه الفردوس. ثمانية قرون من التاريخ تهاوت كما تتهاوى البنايات إثر الزلزال. " ص81، وتوالت عبارات الأسى والخيبة والانكسار: " لم يبق إلا الرحيل يا ولدي. كل شيء قد انتهى وإلى الأبد... " ص82، وتحولت إلى عتاب قاس، وتقريع ساخر صدعت به والدة السلطان أبي عبد الله حين انخرط في البكاء: " انهمرت الدموع من عيني السلطان أبي عبد الله. اقتربت منه أمه وقالت: ـ لا تبك كالنساء ُملْكا لم تدافع عنه كالرجال "ص83. وما هو ثقافي في وصف وتصوير ما آلت إليه الثقافة من تردي وتراجع تجسد في ولوج ابن ابن رشد لمكتبة " البرهان "، وما فاجأه وآلمه من غياب كتب الفكر والمعرفة عن رفوفها: " دخل إلى مكتبة " البرهان "، وأخذ يبحث عن كتب الحكمة وهو ينتقل بين الرفوف التي لم تكن تتسع إلا لكتب الطبخ، وتفسير الأحلام، وعذاب القبر، وطرد الجن.... "ص42، وما صدمه أكثر هو طبيعة المحاضرة التي يلقيها شيخ بدار الثقافة التي كانت غاصة بالحضور، في موضوع الدين والخرافات، وجواز نكاح الموتى، وإرضاع الكبار... ليتضاعف سخطه وتبرمه على بلد انحدر فيه مستوى الفكر والثقافة إلى الحضيض، فيولي وجهته نحو جامعة " السوربون " التي استدعته لإلقاء محاضرة حول جريمة قتل العقل العربي، وهي مفارقة جسدها ابن رشد في مدى التباين بين مستوى التعاطي مع موضوع الفكر والثقافة لدى العرب والغرب. والجانب الصوفي في قصة " جذبات " حين رأى الراوي نفسه محاطا بمجموعة من المريدين الناشدين بركاته، والراغبين في كراماته مغدقين عليه سيلا من التحايا والهدايا: " رأيت نفسي ـ وسط مريدين، منهم من يقبل يدي، ومنهم من يبوس رجلي، ومنهم من يتبرك ببلغتي وأنا كلي خشوع... أبارك للحضور الذي لم يبخل علي بالهدايا... شعرت بقبس من النور يغمر قلبي، وبحالة سكر تنتابني... انضم إلي مريدون وزوار في حضرة صوفية. " ص18، وموضوع الاعتقاد بما هو غيبي خرافي في قصة " صاحب القنديل " الذي آمن الناس ببركته، وتنبؤه بما يمكن أن يقع من أحداث مثل توقعه لما أصاب القرية من جفاف، مما حذا بسكانها إلى تلقيبه بالمجذوب، وتصديق ما يصدر عنه من أقوال وتوقعات: " شاع في القرية وفي أرجاء البلدة أن صاحب القنديل قد تنبأ بهده المصيبة ( أي الجفاف )... لقبوه منذ ذلك بالمجذوب و بدأوا يتبركون بالتربة التي وطئتها قدماه. " ص22، والاعتقاد والإيمان بوجود الجن كما حدث مع سكان القرية التي تقطنها مّي الضاوية: " فهناك من قال إن منزل مّي الضاوية مسكون بالجن... " ص77. وهناك عناصر أخرى أغنت المتن القصصي ؛ نذكر منها عنصر الاستيحاء كما في قوله: " هو الآن حُرّو حُرّ. " ص32، في، العبارة المستوحاة من قصيدة " سقط القناع " للشاعر الفلسطيني محمود درويش حين يقول: " فالتقطني واضرب عدوك بي، فأنت الآن حر وحر... "، وما استلهمه كذلك من صخرة سيزيف في القصة الموسومة ب" صخرة "، التي عَبَّر فيها عن ضجره وسأمه من دفع الصخرة ورفعها، وما فكر فيه من كسرها، واختراق دواخلها، وهو ما نجح فيه، إلا أنه لم يسلم من فقدان بصره، والإصابة بالجنون: " أخيرا نفذ إلى قلب الصخرة. أطل من الثقب على ما بداخله. عوالم وعوالم. أغمي عليه، سقط على الأرض... وماإن استفاق حتى فقد بصره وأصيب بالجنون. " ص58، كما برز أيضا عنصر التناقض في العديد من قصص المجموعة كما في قصة " حكمة " بين مجاورة حي صفيحي بئيس لحي راقي مُكَوَّن من عمارات عالية: " مرت السيارة أمام حي قصديري، قبل أن تخترق حيا راقيا بعمارات شاهقة. لفت انتباهه هذا الجوار العجيب. " ص42، وعنصر الوهم الذي ورد في تجليات مختلفة، مثل ما جاء في قصة " جذبات " حين اعتقد صديق قديم بلقاء جمعه بالراوي في الديار المقدسة مجللا بهالة من نور ينبعث من وجهه، و هو ما نفاه، في استغراب، لأنه لم يحل يوما بالديار المقدسة، وما نُسِج حوله من صلة بنسب شريف يمنحه بركة وكرامات تجعله محط تعظيم من قِبَل زوار ومريدين: " بحثت من جهة الأب لعلني أجد خيطا ولو رقيقا يصلني بآل البيت... أدركت إذاك أن البركة والكرامات والزيارات وتقبيل بلغتي، كلها ذهبت أدراج الرياح. " ص 20. وكلها عناصر وموضوعات تغني المتن السردي، فيغدو أكثر انفتاحا وتنوعا، مما يجنبه بالتالي السقوط في مغبة النمطية والابتذال على مستوى الصياغة والدلالة. وورد كذلك ذكر أعلام بارزين في مجالات أدبية شعرية، مثل محمود درويش، وبودلير، وأحمد شوقي: " خذ درويش معلما / وشارل بودلير مثالا / وشوقي أميرا. "ص 40، وفي الفكر والفلسفة ابن رشد، وفوكو. وفي الميثولوجيا جلشامش، إنكيدو، وعشتار، وديوجين من أساطير السومر والإغريق القديمة، وما تعج به من خوارق ذات أبعاد رمزية. وطارق بن زياد كقائد في مجال البطولة والفتوحات.
وعلى مستوى اللغة فقد عمد القاص إلى أسلوب شعري لا يخلو من نفحة رومانسية لتكسير خطية اللغة السردية مثل ما ورد في قصة " أتحمليني أم أحملك ؟ " في شكله الشعري المكون من عبارات قصيرة لا تتعدى كلمتين أحيانا في السطر، ونهلها من معجم رومانسي كما نقرأ في: " إن بحرك عميق جدا / ومن ركب عبابه / تاه في سحر جمالك... " ص34، باستعمال كلمات وعبارات مثل: بحر، عباب، سحر جمالك، وأخرى مستقاة من عناصر الطبيعة من قِبَل: مروجي، زهر، جناني: " خطابي سهل / ومروجي خضراء./ وكل من أنبت زهرة في جناني / رفعت قدره... " ص38، والبلابل، والأغصان المورقة، في مزج بين ما تصدح وتشدو به البلابل مع إيقاعاته الشعرية: " البلابل تقف على أغصانك المورقة، / فتغرد على إيقاع أوزاني. " ص39، داخل نسق صور شعرية بصياغة بلاغية جمالية، وأبعاد دلالية ورمزية.
لنخلص، أخيرا، إلى الإقرار بما قدمته مجموعة " نرجس لم يغرق " القصصية من موضوعات موسومة بالتعدد والتنوع عبر أدوات سردية مختلفة في نسج خيوط تصور مغاير لدى القارئ بما لمسه من تجديد وتبدل من خلال شبكة تقاطعات وتناقضات ومفارقات تشابكت عناصرها وتداخلت فغدت معه أي محاولة لمقاربة نصوصها تستدعي التسلح بعُدَّة نظرية معرفية لاكتشاف خباياها، والغوص في مكنوناتها الإبداعية والتعبيرية.
***
عبد النبي بزاز
..................
* نرجس لم يغرق (مجموعة قصصية) سعيد ملوكي / مطبعة وراقة بلال ـ فاس 2020.








