عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عسيف علي: بين يديّ العالم الشعريفي ديوان "ومازلت تعرج في فوق جسر الحب"

لأحمد السلطاني

يأتي الكتاب الشعري للشاعر التونسي أحمد السلطاني «ومازلت تعرج فوق جسر الحب» كاستجابة شعرية مكتملة لأسئلة الوجود في زمن يتداخل فيه الشخصي بالجماعي، والحلم بالحرج. هو رحلة عبر جسر رمزي تمتدّ حباله بين عوامل متعددة: بين طفولة الشاعر في القرى التونسية وبين جروح فلسطين الدامية، بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، بين لغة الشعر ولغة المقاومة.

لغة تعيد تشكيل الواقع

يمتلك الشاعر أحمد السلطاني قدرة عالية على تنشيد عمارة شعرية تقوم على الارتباط الدلالي والتركيبي. فالمفردات لا تسكن معاجمها التقليدية. انها تنزاح نحو آفاق رمزية أوسع. «العروج» يصبح فلسفة وجودية تمزج بين السير المتعثّر والصعود المقاوم والبرزخي، و»الجسر» يتحول من معبر مادي إلى حيز شعري تتقاطع فيه الأزمنة وتعالق الأرواح. حتى «الأيائل» التي تسابق الريح تتحول إلى استعارة للزمن الجارف الذي يلئم العمر دون رحمة، كما يقول الشاعر مخاطباً إياها:

أيّها الأيائل الّتي تسابق الرّيح/ والنهر والعاصفة../ مهلا ألم تتعبي بعد..» (ص 11)

«تُدحرجني باقة الوقت / وتمشين مزهوّة/ نحو الغياب...» (ص 13)

هذا الارتباط اللغوي لا يقتصر على المفردات المنفردة. انه يمتد ليشمل البنية التركيبية للجملة الشعرية. ينسج الشاعر خيوطا بين المتناقضات. «جفّ طلاؤه» يقترن بـ «مازال مورقا»، و«رجل بلا أسنان» يواجه قدره بـ «صمود النخيل». هذه الثنائيات الموروثة تخلق إيقاعا داخليا يعكس الصراع المركزي. صراع الإنسان بين الهشاشة والشدة، بين الذبول والتورد والانتصار. يتجلّى ذلك في قصيدة «البيت والقد جفّ طالاؤه» حين يقول الشاعر:

«أيّها البيت الّذي جفّ طلاؤه/ وتشقّقت صور خلاّنه/ على الجدران/ وتحت السّقيفة والكرمة / أو في الفناء../ مازلت بعد ألقي دلائي/ وأقرفص في صحنك الدّائريّ/ وأنتظر.. أنتظر/ أن أشرب من يديك/ وأكرع من عذاب ما يعلق من مسك الشفاه/ على حافة الفناجين» (ص 50-51)

الذاكرة

يتشكّل الديوان كمشروع لذاكرة في مواجهة النسيان. البيت العتيق الذي جفّ طلاؤه، والبئر الذي احتفظ بعمقه رغم تشققاته، والوجوه التي رحلت وبقيت - كلها عناصر تشيد ما يمكن تسميته «أرشيف وجود». لكن هذا الأرشيف ليس مجرد مخزن للحنين. هو فعل مقاومة يومي ضد حمى الهوية، وضد تلك القوى التي تسعى لطمس معالم الذات والجماعة. يقول الشاعر في قصيدة «أعرج نحو الغياب مفردي»:

«حاولت أن أفعل كلّ شيء بدلاً عنك../ لم تلاحظ الأشجار غيابك/ كنت في الضباح أثر القمح للعابرين/ ....في أوّل الليل أكتب رسائل العشق للغرباء/ وعندما تنام النجوم أحرس الأسماء والأغنيات/ وأنتظر كي تُزهر في الضباح الغيوم» (ص 18-19)

اللافت أن هذه الذاكرة لا تنغلق على ذاتها، بل تنفتح لتستوعب ذاكرة أخرى. ذاكرة الأرض المغتصبة، والشعب المقاوم. فالشارع الذي يفقد أصدقاءه وأسنانه وشبابه، يرى في خساراته الشخصية صدىً لخسارات أمة بأسرها. هذا التداخل العضوي بين الخاص والعام هو ما يمنح الديوان معناه الإنساني واتساعه الرؤيوي.

الشعر كفعل مقاومة

يتحوّل الشعر هنا من فرج جمالي إلى فعل مقاومة وجودي. فالشاعر لا يكتب عن المقاومة فحسب، بل يجعل من الكتابة نفسها شكلاً من أشكال المقاومة. في قصائد مثل «هويّت القنص» و«أغنية أخرى للنصر»، تصبح الكلمة سلاحاً في مواجهة آلة التدمير، وتتحوّل القصيدة إلى «فرّاعة» توقظ الصخور النائمة. يقول الشاعر في «أغنية أخرى للنصر»:

«يا قدس غنّي../ ويا أحرار الأرض غنّوا معنا للنصر/غنّي يا أوراق الزيتون../ ويا كرم ويا عنب ويا تين ويا دُرر/... إنّا انتصرنا فسجّل يا تاريخ/ وقُصّ على الأيام مآثر الفخر» (ص 24)

هذا التحوّل في وظيفة الشعر يجد تعبيره في الازدياح اللغوي نفسه، حيث تتحوّل مفردات العنف والقرب إلى أدوات لكشف الهجينة وتعزية الزيف. وفي قصيدة «رجل بلا أسنان» نقرأ إعلانا مدهشاً:

«لا أملك شيئاً../ ليس لي إرث ولا راتب ولا بيت../ في الخمسن ونيف/ سأغادر وراء العربات/ وحيدا../ أجرّ خيبتتي وانتظاري» (ص 59)

ويؤكد الشاعر في موضع آخر أن الكلمات هي الملاذ الأخير:

«مازلت بعد أتوكّأ على الكلمات../ إنّها عُكازي الأخير...» (ص 37)

شعرية العروج

يقدّم العنوان الرئيسي للديوان «ومازلت تعرج فوق جسر الحب» مفتاحاً لفهم فلسفة الشاعر الشعرية. «العروج» هنا ليس مجرد سفر وعلو وتخلّص من الواقع، بل موقف وجودي، وفنّ للبقاء في زمن الكسور. إنه الإصرار على الاستمرار، والقبول بالهشاشة مع التمسّك بالصمود. وفي قصيدة عنوان الديوان، يردّد الشاعر:

«مازلت أحبّ أن أمشي/ في شارع الغيم/ وألاحق النّدى والصباحات الخجولة والضباب../ فكيف لك/ كيف لك أيّها الأيائل/أن تذهبي الآن...» (ص 14)

«ومازلت أمضي على البيت العتيق/ فتحدق الروح في كلّ شبر وناحية» (ص 48)

تتجسّد هذه الشعرية في البنية الزمنية للديوان، حيث ينسج الشاعر خيوطا بين أزمنة متعددة: زمن الطفولة الحالمة في الريف التونسي، وزمن الرجولة الحاملة لندوب الغياب، وزمن المقاومة الذي يفصل الانكسار. هذا التداخل الزمني يخلق ما يمكن تسميته «الزمن الشعري المتشظّي»، حيث تتعايش اللحظات المختلفة في فضاء القصيدة الواحدة. يستحضر الشاعر الماضي قائلاً:

«كان لي بئر ودالية/ وكان لي يا ابتي/ هدهد وقُبّرات وسلحفاة/ وشياه تعدن عند الضحى/ إلى كوخ المقيل/ كان لي زيتونة/ وبساط من الخضرة/ فوق الرّبى» (ص 29)

ثم ينتقل إلى وعي الراحلين:

«سافروا نحو الغياب يا أبتي../ وقريباً سيجيء الدور علينا../ غداً ربّما/ أو بعد يومين/ وبعض الدقائق/ سنحزم مع قدوم الفجر حقائبنا والمسير» (ص 32)

آليات التكثيف والاكتناز

رغم ثراء الموضوعات وتنوعها، يحافظ الديوان على كثافة شعرية متميزة. فالشاعر لا يسرف في الوصف ولا يطنب في الشرح. يختزل التجربة في صور مكثفة وعبارات موجزة تحمل دلالية عالية. هذا الاكتناز اللغوي لا يعني الفقر التعبيري. على العكس من ذلك ، ينبع من قدرة الشاعر على اختزال العالم في جملة، وتكثيف التجربة في صورة. من ذلك قوله في قصيدة «الرغيف»:

«كنت غريباً أتوكّأ على العزلة/ وأرعى النجوم والزهرات» (ص 46)

وفي «فصول الغياب»

:مثل غريق../ أمدّ في الفراغ يدي/ وأقول غداً سيمرّ غريب/ وينتبه لأنيني» (ص 106)

قراءات متعددة المستويات

يدعو ديوان «ومازلت تعرج فوق جسر الحب» إلى قراءات متعددة: قراءة تأويلية تتتبع الرموز وتفكك الانزياحات، وقراءة سياسية تتابع خطاب المقاومة، وقراءة وجودية تتأمل أسئلة الذات والزمن والموت، وقراءة جمالية تستمتع باللغة والإيقاع والصورة. هذا التعدد في مستويات القراءة هو دليل على ثراء النص وقدرته على الحوار مع قارئه من زوايا متعددة. ومن أعمق مقاطع الديوان في هذا السياق قول الشاعر مخاطباً الموت نفسه:

«أنا الموت القابع/ في شقوق الجدار/ وفي كل كوة خلف ستار.../

 أنا القتل الدامي/ وأطل عليكم من وراء الظلام» (ص 71)

وفي المقابل، يبقى الأمل حاضرا:

«من يدري غداً / لعلّ يداً خلف الستار/ أو تحت الركام/ ممدودة بعد../ وكانت كالزهر والشجرة/ كانت كالأمنيات» (ص 86)

جسر الحب والمستقبل

هنا في هذا الرقراق المنساب، رحلة شعرية ترهن بقدرة الشعر على البقاء، وقدرة الإنسان على المقاومة. فالجسر الذي يعرج عليه الشاعر - جسر الحب - قد يكون هشاً في مظهره، لكنه متين في جوهره. إنه الجسر - والذاكرة والمقاومة - الذي يصل بين الماضي والحاضر، بين الذات والآخر، بين الجرح والأمل. وفي ختام الديوان، يتردد صدى هذه الفلسفة:

«غداً سوف نعود / وسوف نمشي الهوينا / ملتحفين براياتنا البيض/ مبتهجين بالخضرة على الجانبين» (ص 95)

«نحن باقون يا أبتي../ ونحن نحبّ الحياة مثل كلّ سكان البسيطة» (ص 102)

ما يقدّمه الشاعر أحمد السلطاني هنا ليس مجرد قصائد، بل رؤية شعرية متماسكة للعالم. رؤية تفضّ الاستسلام، وتؤمن بأن الشعر - هذا الفعل المقاوم بامتياز - يظل أحد تلك الجسور القليلة التي تقودنا، رغم كلّ العواصف، نحو ضفة الكرامة والإنسانية.

***

سعيف علي

في المثقف اليوم