لحكمت ويدان
على سبيل التقديم: يعتبر الخطاب المقدماتي من العتبات النصية التي يعتمد عليها في برمجة المتلقي وتوجيه استراتيجيات الاستقبال لديه، بقصد التعرف على محيط النص ومقاصده، فهو المطلع، والركن الركين في جسد النص، وعادة ما يكتب بعد أن يتم الانتهاء من تأليف الكتاب، لكنه يظل متصلا اتصالا بنيويا بالنص الأصلي.
وبالرغم أن جيرار جنيت لم يكن من المؤيدين للخطاب المقدماتي، ولا يراه ضروريا أو إلزاميا، بيد أن جاك دريدا شجع على كتابته باعتباره حوارا نقديا، وخطابا مساعدا في تقريب العمل من القارئ. وبناء عليه، جاء ديوان للريشة كلمات- ديوان البوح والتشكيل للشاعرة المغربية والفنانة التشكيلية المغربية حكمت ويدان الصادر عن مطبعة باب الحكمة في طبعته الأولى 2026، مشتملا على ثلاث مقدمات:
- الأولى: مقدمة ذاتية ضيقة، عملت الشاعرة على تصغير مساحة إيرادها.
- الثاني: مقدمة شبه موسعة، من توقيع الفنان التشكيلي عبد اللطيف زيدان
- والثالثة، كانت من نصيب الناقد الأدبي سعيد يفلاح العمراني
قراءة في الخطابات االمقدماتية:
أ- الخطاب المقدماتي الذاتي:
يكتبه المؤلف بنفسه، يقدم به عمله، ولايخرج عن دائرة التوجيه نحو النص والقارئ بقصد تحديد المتوخاة، وإبراز مناطق الضوء والظل.
وهكذا جاء الخطاب المقدماتي الذاتي الذي وقعته الشاعرة حكمت ويدان بنفسها، واختارت لها كلمتي عنوانا، دقيق اللفظ وفي إيجاز دون تطويل، أشارت من خلالها إلى حاجة الإنسان للفن منذ طفولته الأولى: عندما وجد الإنسان على الأرض، وبعد تحقيق مطالب حياته البيولوجية من أكل وشرب وتكاثر... احتاج إلى مايجعله يرتقي فوق الكائنات فاختار الفن ص 7
ومعنى ذلك أن الفن حاجة إنسانية فطرية منذ فجر التاريخ، ومنذ كانت التجمعات الإنسانية، لأن الفن كان ومايزال وسيبقى، ضرورة في حياة الإنسان، بل يوشك أن يكون عمر الفن هو عمر الانسان، كما يرى إرنست فيشر.
وبخصوص وظيفة الفن في حياة الإنسان، ترى الشاعرة أنه يسهم في تقويم الذوق العام وصقله لدى الإنسان المتلقي، ولأ نه مغرس الجمال، والإقبال عليه يسمو به إلى القيم الإنسانية الإيجابية ويضمن لها توازنها السوي ص7
بهذا الاعتبار يهب الفن نفسه لتلميع ذوق المتلقي، والارتقاء بمشاعره مما يضمن الاستقرار العاطفي والعقلي، والرضى الداخلي، لأن الفن ارتقاء بالقيم الإنسانية وتلميع للسلوك ليغدو رسالة أخلاقية.
وبانتقالنا إلى اختيارات الشاعرة للكلمة والتشكيل في منجزها وللريشة كلمات، نقرأ في نفس الصفحة: اخترت بداية الشعر لتهذيب كلماتي وبوحي، واعتكفت في محراب الألوان علني أرتل فيه بعض تفاصيل الجمال، مستندة إلى الريشة التي لم تخذلني ص7
وبذا، يشكل الشعر والتشكيل علاقة متداخلة ومتكاملة، حيث تتفاعل الكلمة والريشة لتوليد نص بصري، ومن ثم يصبح النص الشعري تجربة تشكيلية، واللوحة التشكيلية روحا شعرية.
ب - الخطاب المقدماتي الغيري:
خطاب يضعه شخص واقعي، و المؤلف هو الذي يختار بنفسه من يوكل إليه أمر تقديم ديوانه الشعري أو روايته أو مسرحيته أو مجموعة قصصية أو غير ذلك1، ومن ثم يكون الخطاب المقدماتي خطابين وكالتالي:
ا- الأول تكفل بها الفنان التشكيلي عبداللطيف زيدان، جاءت شبه موسعة على امتداد ما يقارب الصفحتين، موسومة بجولاة بين الكلاسيكية والانطباعية والواقعية في تجربة الفنانة التشكيلية حكمت ويدان، وهي قراءة يهيمن عليها النقد البصري، وهو ما يفصح عنه الحقل اللغوي التشكيلي الانطباعية، اللون، الضوء، الريشة، إضاءة، تقنية النقط، جورج سورا، الفرشاة، كلود مونيه، اللوحة، الضوء، أشكال، المنظر الهندسي، وضمن هذا السياق، يدس زيدان قراءة لبعض لوحات الديوان، مثل اللوحات التالية لوحة جسر وحلم، لوحة حديث الموج، لوحة على قارعة الخلوة وتفكيك عناصرها (إضاءة اللون، الألوان الرئيسية، توظيف الفراغات) وفهم دلالاتها.
ولم لا ؟ وعبد اللطيف زيدان فنان تشكيلي وأستاذ سابق للفنون التشكيلية، أقول، تجربة تشكيلية عالمة بعوالم اللوحة، مما أهله لبناء قراءة عارفة بما هي إنصات لصمت اللوحة ونسج علاقة حميمية مع لوحاتها المصاحبة لقصائدها.
ب - القراءة الغيرية الثانية، تكفل بها الناقد سعيد يفلاح العمراني، وجاء موسعة على امتداد ثلاث صفحات ونصف، عنونها بجدلية الكلمة واللون في ديوان وللريشة كلمات لحكمت ويدان.
ولأن العنوان يفضح نية النص، سنكون أمام قراء.ة نقدية تتوخى البحث في العلاقة الدينامية بين الكلمة الشعرية واللوحة، لأن الشعر والتشكيل توأمان حميميان لأم واحدة، وينهلان من نفس المغرس الإبداعي.
وفي ضوء هذه الاعتبارات، يفتتح الشاعر قراءته في العتبات النصية البصرية واللسانية، يشكل العنوان عتبة دلالية كاشفة عن طبيعة المشروع الشعري، إذ يجمع بين البعد الوجداني الكلمات.. الخواطر، والبعد البصري الريشة... الألوان، حيث كل ما المصاحبات النصية، تكون مشاهدة بالعين أي أنها عبارة لوحة تشكيلية أو صورة فوتوغرافية، أو رموز، ثم كلمات تقرأ.
ولتدعيم صدقية هذا الجوار بين ماهو بصري ولساني، يعتبر سعيد يافلاح القصيدة نفسها بنية بصرية، تتأسس على:
- التقطيع الحر
- الجملة القصيرة
- المساحات البيضاء
- الاقتصاد اللغوي ص12
مما يجعل القصيدة أقرب إلى اللوحة التشكيلية منها إلى النص السردي أو الغنائي التقليدي، فالبياض هنا ليس فراغا شكليا، بل مكون دلالي يوازي الصمت في الموسيقى، ويينتج توترا بصريا يشخصن توسيع المعنى ص12
ولتدعيم صدقية هذا الكلام، نشير إلى أنه وتساوقا مع هذه التغييرات الجديدة التي مست ديكور القصيدة، ولحقت النظر في النص الشعري، وغذا البصر أحد دعائم الكتابة الشعرية الحديثة، ما جعل العين محور التلقي، بعد أن كانت وظيفتها لا تتجاوز حدود السمعي، وهو الفعل الذي يجذر جدلية البصري واللساني في القصيدة الحديثة، وبالتالي توسيع اشتغالات اللغة لصناعة نص إبداعي مختلف، والحصيلة أن النص قد أصبح شكلا بصريا وشديد الإثارة للعين.
عطفا على ماسبق، يؤكد سعيد يفلاح من منظوره القرائي أن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدوداً، وأن القصيدة يمكن أن تكون لوحة، باستثمارها للانفتاح على بلاغة الكتابة الجديدة، مما يخالف البلاغة التقليدية التي اهتمت أساسا بفن القول، وبالتالي بإنتاج الخطاب، غالفة عن الكتابة بدعوى أنها ثانوية وملحقة، كما هي غافلة عن أماكن الانفصال والنقص، والغياب والصمت، والتعارض والنفي، والانكسار والفوضى2.
وفي مقاربة أخرى للصورة الشعرية التي تعددت بتعدد المسارب المتنوعة التي أفادت منها الصورة الشعرية، حيث نهلت من الفنون المعاصرة المتنوعة كالفن السينمائي والتشكيلي والمسرحي3.
تكون الصورة الشعرية الصورة الشعرية عند الشاعرة ليست أداة توضيح، بل وسيلة إيحاء وتأمل، وغالبا ما تتشكل من عناصر طبيعية ذات حمولة بصرية قوية مثل:
- الماء والموج
- الظلال والضوء
- الرمل
- اللون الأزرق ص12
مما يعني أن الشاعرة أبدعت في استثمار الطاقات اللونية والحركية والصوتية في صناعة صورتها الشعرية وتجسيدها بعين سينمائية ماهرة، ذلك أن للصورة حيوية، وقدرة على الكشف، وتفجير الإيحاء 4 وبذلك يجتمع الحس الشعري والحس البصري، مما يستحضر تشارك اللوحة والقصيدة في الحس البصري.
وأخيرا، وليس أخيرا، يتنتج سعيد يفلاح أن العلاقة بين الشعر والتشكيل وأن الشاعرة لا تكتب قصائد تفسيرية للوحة، ولا توظف اللوحة كعنصر تزييني للنص، بل تشتكل وفق مطق تشكيلي في بناء القصيدة نفسها:
- اللون محل الاستعارة
- التكوين يحل محل السرد
-الإيحاء يحل محل الخطاب المباشر ص ص13
ولا ريب في أن الشاعرة حين فتحت صورها على آفاق مختلفة، فإنما أرادت تشكيل أساليب بلاغية متناسقة تساوقا من رؤيتها الشعرية والتشكيلية.
وينتهي الخطاب المقدماتي لسعيد يفلاح بتقييم لهذه التجربة الشعرية والتشكيلية بتقييم عام معتبرا إياها تجربة تفتح القصيدة على أفق بصري وإنساني رحب، وتمنح القارئ دورا فعالا في استكمال المعنى ص 14، ولعل هذه النهاية من شأنها اصطياد القارئ والارتقاء به من أجل فتح شهيته، ومن ثم توجيهه والتأثير عليه من أجل الدخول إلى ديوان وللريشة كلمات.
بعد إطلالتنا السريعة على هذه المقدمات الثلاث، نستنج أنها جاءت منسجمة، وتمتميز بأعلى درجات التناغم والتناسق، وتنسجم خيوطها، فالشعر في تواز مع التشكيل، والتشكيل في تواز مع الشعر، ومن ثم يتولد الثراء المعرفي والجمالي كاستراتيجية كامنة في نصوص التقديم.
على سبيل الخاتمة:
ومجمل القول، حققت الشاعرة والفنانة التشكيلية حكمت ويدان انتصارا شعريا وتشكيليا في رماد هذا الوقت الذي تدجنت فيه كل الحواس، وانتصارا للكتابة وكل كتابة صدمة توقف الوجدان على أسرار نقائه، وتؤهله لاختيار النقاء، كل كتابة عرس، عرس للعين والأذن والباطن، القالون وحدهم يكتشفون الرعب في الأعراس، يكتشفون ملامحهم الهجينة5
***
عبد الله المتقي
...................
إحالات:
1- مصطفى سلوى، عتبات النص: المفهوم والموقعية والوظائف، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول، ص 91
2- د. أحمد فرشوخ، حياة النص: دراسات في السرد، دار الثقافة ن الدار البيضاء، ص17
3- كاميليا عبدالفتاح، القصيدة العربية المعاصرة: دراسة تحليلية في البنية الفكرية والفنية، دار المطبوعات الجامعية، ص483
4- كمال أبو ديب، نظرية الخفاء والتجلي، دار العلم للملايين، بيروت، ص22
5- عبدالله راجع، الجنون المعقلن، مجلة الثقافة الجديدة، عدد 19
- د. أحمد فرشوخ، حياة النص دراسات في السرد، دار الثقافة، الدار البيضاء، ص17







