قراءات نقدية

كريم الوائلي: من وجد الذات إلى تخليق القصيدة

الرومانسية الصوفية عند صلاح عبد الصبور

إضاءة: تُمثّل تجربة صلاح عبد الصبور الشعرية والنقدية أحد أبرز تجليات التحول الجمالي والروحي في مسار الحداثة الشعرية العربية، إذ تجتمع في تجربته عناصر الرؤيا الصوفية والرومانسية الفنية، لتنتج ما يمكن وصفه بـ "الرومانسية الصوفية"، وهي صفة مركّبة تدمج بين ذاتية الرومانسي وتجاوزها الصوفي، وتُعبّر عن عمق وعي الشاعر بذاته من جهة، وبالكون والوجود من جهة أخرى.

لقد خرج عبد الصبور فنيًا ونقديًا من عباءة المدرسة الرومانسية العربية، ولا سيّما من جبران خليل جبران الذي ظلّ يُعَدُّ في نظره "قائد الرحلة"، إلا أن هذا الانتماء الرومانسي لم يكن انتماءً ساكنًا أو مكرورًا، بل انقلب إلى مشروع روحي وفني متجدد، وجّه فيه عبد الصبور أدوات الرومانسية إلى عالم التصوف، فجعل من تجربته الشعرية تجربة وجدانية عليا، تزاوج بين "الذات الشاعرة" و"الذات العارفة"، وتتماهى أحيانًا مع تجارب المتصوفة في لوعة الكشف والاتحاد والذوبان.

وتتجلّى الرومانسية الصوفية عند عبد الصبور في رؤيته العميقة للإنسان بوصفه مركزًا للكون، وقطبًا للمعرفة، وفاعلاً في التاريخ والمجتمع والفن، فهو الكائن الذي يستطيع أن "يعقل ذاته"، ويجعل من ذاته ذاتًا وموضوعًا في آن واحد، ومن هذه الرؤية تتفرع فلسفته الشعرية، التي تقوم على "ثلاثيات" مترابطة: ثلاثية الإنسان" المجتمع، والتاريخ، والفن"، وثلاثية الوعي "الذات الناظرة، والذات المنظورة، والأشياء" وصولًا إلى ثلاثية إبداع القصيدة، التي تمثل قلب المشروع الفني لعبد الصبور، وتشير إلى مسارين متعاقبين في تكوين القصيدة: مرحلة لاواعية سابقة ومرحلة واعية لاحقة.

تُبنى المرحلة اللاواعية، في وعي عبد الصبور، على صورة صوفية خالصة، يتجلى فيها "الوارد الشعري" بوصفه ومضة أو فيضًا غامضًا يهبط من منبع متعالٍ عن البشر، يشبه الإلهام أو البزوغ المفاجئ للبرق، وتُقارَب هذه الحالة بما يشبه الاتحاد الصوفي، إذ لا يكون الشاعر إلا وسيطًا ينقل ما فاض عليه من غيبٍ داخلي أو خارجي. ويُعبّر عبد الصبور عن هذه الحالة بتوظيف معجم المتصوفة: "الباده، الوارد، الوهم"، ويُجري مقارنات دقيقة بين هذه المصطلحات وتجلياتها الشعرية، متكئًا في الآن نفسه على الحدس البرغسوني وعلى الإشراق الأفلاطوني، في صياغة تشبه رؤية أفلاطون للشعراء الغنائيين الذين لا يبدعون إلا في حال الوجد والخروج عن الصواب.

أما المرحلة الواعية، فهي ما يلي هذه اللحظة الصوفية من جهد ومراجعة، إذ يعود الشاعر من لحظة الانخطاف ليخوض رحلة مضنية من القلق والتنقيح، ويستحضر خلالها ما تلقاه في غيبوبته الأولى، محاولًا أن يمنح هذا الوارد شكلًا لغويًا متماسكًا، عبر "القصيدة كفعل"، التي تُعدّ استكمالًا لـ"القصيدة كوارد"، وفي هذه الرحلة، لا يلغي عبد الصبور قيمة العمل والجهد الشعري، بل يؤمن بضرورة اتّحاد الوجدان والإرادة، والوهج والتمكن، مستعينًا بأفكار ابن طباطبا العلوي وإليوت في فهم طبيعة تنقيح القصيدة وضبط إيقاعها الداخلي.

إن تجربة صلاح عبد الصبور، في هذا السياق، ليست مجرّد انفعال عاطفي أو استبطان وجداني، بل هي تجربة رؤيوية عميقة، تجعل من "الذات" بؤرة لكل معرفة وجمال، وتؤسس لتجربة شعرية فلسفية، يُعاد فيها تشكيل العالم من الداخل، ويُصبح فيها الإبداع ضربًا من التجلي، تشترك فيه الرؤية الصوفية، والوعي الرومانسي، والتشكيل اللغوي الراقي، ولذا فإنَّ "الرومانسية الصوفية" عند عبد الصبور ليست طيفًا شعريًا عابرًا، بل هي نظام فني وفلسفي متكامل، تنبني عليه ماهية القصيدة ومكوناتها، من الوجد والانخطاف، إلى البناء الواعي والتشكيل الفني.

***

تخرج صلاح عبد الصبور فنيًا ونقديًا من تحت عباءة المدرسة الرومانسية العربية وظل مخلصًا لكثير من مبادئها طيلة حياته في إبداعه الفني والنقدي على السواء، وطور جانبًا من تصوراتها نحو نـزعة صوفية تدفعنا إلى وصفها بالرومانسية الصوفية، إذ يبدو عبد الصبور متأثرًا بالمنجز الصوفي في كتاباته الإبداعية لمأساة الحلاج ـــ مثلًا ـــ وفي حديثه عن سيرته الفنية في كتابه " حياتي في الشعر "، إذ يؤكد ذلك في مواطن كثيرة في أثناء تحدثه عن المتصوفة واستخدامه مصطلحاتهم ورموزهم ومحاكاة عباراتهم، ويطبق ذلك بصورة تكاد تكون متماثلة بين الوجد الصوفي والإبداع الشعري، كما أنه تأثر برموز الرومانسية العربية، وخصوصًا جبران خليل جبران الذي يعده " قائد " رحلته، وتأثر أيضًا بخصائص الرومانسية الفنية متمثلة " بموسيقاها الرقيقة وقاموسها العفوي المنتقى، الذي تتناثر فيه الألفاظ ذوات الدلالة المجنحة والإيقاع الناعم "ولكنه تجاوز هذه الرؤية وتجاوز إبداع القصيدة الغنائية التي تنثال فيها " الخواطر والأحاسيس انثيالًا عفويًا تلقائيًا، بحيث لا يربط بينها إلا التداعي "الى تشكيل لغوي.

وإذا كانت الرومانسية تعلي من أهمية الذات بوصفها مركزًا أساسيًا للمعرفة والإبداع فإنَّ صاح عبد الصبور يؤكد عليها من جوانب متعددة، إذ يرى أن " معرفة النفس " تحولًا في مسار الإنسانية، ومن ثم فإنَّ الإنسان الفرد هو المعبر هذه الذات، ولذلك تحددت في ضوئها طبيعة المجتمع وحركة التاريخ، وماهية الفن، لأنه حين تتناغم آحاد الإنسان يتكون المجتمع وتتشكل حركة التاريخ من حراكه، ويتولد الفن من لحظات نشوته.2480 karim

ولم يكن الإنسان أساسًا لتحديد طبيعة المجتمع والتاريخ والفن فحسب، بل انه مركز الكون أيضا، لأنَّ الكون " قوة عمياء... والإنسان هو عقله ووعيه، وعظمة ذلك العقل انه يستطيع ان يعقل ذاته "، ويتميز الإنسان ــ هنا ــ بقدرته الفائقة على وعي ذاته ووعي العالم الذي يعيش فيه، أو على حد تعبير عبد الصبور " انه يجعل من نفسه ذاتًا وموضوعًا في نفس الآونة، ناظرًا ومنظورًا إليه، ومرآة ينقسم ويلتئم في لحظة واحدة ".

إن الإدراك لا يتحدد بانعكاس صور الأشياء في الذهن، أو تجادلهما معا، بمعنى أنه ليس تأملًا فيما يقع خارج الذات الإنسانية، بل على العكس من ذلك، إن الإدراك لديه ينشأ بالنظر إلى الذات ومنها يتحقق الوعي، ولذلك فإنَّ " نظر الإنسان في ذاته هو التحول الأكبر في الإدراك البشري لأنه يحيل هذا الإدراك من إدراك ساكن فاتر إلى إدراك متحرك متجاوز "، وليس الإدراك هنا مجرد انكباب على النفس وانطواء عليها، ولكن الذات تصبح مركز للكون ومحورًا لصوره وأشيائه، ويتحدد الإدراك في ضوء ثلاثية أخرى ولعلها تمثل الوجه الآخر لثلاثية الإنسان التي حددت حركة المجتمع والتاريخ والفن، وتنحصر هذه الثلاثية ــ هذه المرة ــ في ثلاثة أركان تمثل الذات ركنيها الأساسيين، وتمثل الأشياء الركن الثالث، فالمعرفة والوعي يتحددان عند عبد الصبور في نوع من الحوار الثلاثي بين ذاته الناظرة، وذاته المنظورة، والأشياء، بمعنى أنه يجعل من ذاته ذاتًا وموضوعًا في آن، ويتبادلان المواقع، إضافة إلى الموضوع المحدد في الأشياء الكائنة خارج الذات المدركة.

وينطلق صلاح عبد الصبور من العام إلى الخاص، أي أنه تحكمت فيه ثلاثية الإنسان" المجتمع و التاريخ وـ الفن "، وثلاثية الوعي "الذات الناظرة ـوالذات المنظورة والأشياء " لينتقل بعد ذلك إلى كيفية تخليق القصيدة التي تتحكم فيها هي الأخرى ثلاثية، تلتقي فيها أبعاد الرومانسية الصوفية، وكيفيات تخليق القصيدة الشعرية.

ويمر إبداع القصيدة لديه بمرحلتين: لا واعية سابقة، تشتمل على مكونين من مكونات ثلاثية تخليق القصيدة، وواعية لاحقة، وتتجلى في المرحلة اللاواعية ابرز مقومات النـزعة الرومانسية الصوفية بملامحها المثالية التي ترجع في بعض جذورها إلى التفكير الأفلاطوني، وترتد جذورها الأخرى إلى التصوف الإسلامي، وليس هناك من تعارض بين التصورين لدى عبد الصبور لأنَّ الذي يشغل تفكيره انهما ـــ المثالية الأفلاطونية والتصوف ـــ يعبران عن الداخل ويصدران عنه.

ويتحدد تخليق القصيدة في المرحلة اللاواعية عبر خطوتين، تمثل الخطوة الأولى ما أيطلق عليه " الوارد " الذي حدده مرة بخاطرة " هابطة من منبع متعال عن البشر " وكونها " تفد إلى الذهن " أو " تبزغ فجأة مثل لوامع البرق " وهي ــ في كل الأحوال ــ تأتي من غامض شأنها شأن الشيء الحزين الذي قال فيه صلاح عبد الصبور:

هناك شيء في نفوسنا حزين

قد يختفي ولا يبين

لكنه مكنون

شيء غريب.. غامض.. حنون

ويضفي عليها أحيانًا ـــ توصيفات طبيعية أو ذاتية، فهي " تهبط " كالإلهام، أو وحي من " منبع " متعال عن البشر، وفي كل الأحوال لا وجود للجهد الإنساني في تشكيل القصيدة، أو تخليقها، لأنها متأتية من مكان آخر إلهامي، وتنحدر في هبوطها من أعلى غامض إلى أدنى في الذات الإنسانية، أو انها متدفقة من منبع، وهو توصيف يذكرنا بالنبع الذي يتدفق من داخل الأرض، ويحمل كل سمات الداخل، ويستكمل عبد الصبور توصيفها بحدوثه فجأة، ويستخدم توصيفًا طبيعيًا وذلك لم بحدوثها فجأة، فالوارد ـــ هنا ـــ خاطرة تبزغ فجأة مثل لوامع البرق والبزوغ المفاجئ، وكونها لامعا يؤكد المعنى السابق في أن عملية الإبداع لا تتأتى بفعل الجهد الإنساني قدر ما هي هبة تقد من مكان آخر، وتلد فجأة ومضًا أو برقًا تأكيدًا لمثالية الإبداع ووجدانيته المطلقة.

ويضفي سمات معرفية على الوارد الإبداعي حين يتخلق لديه بوصفه فكرة «نابعة من الذات الإنسانية " وهنا يكرر توصيف النبع الذي يؤكد داخلية الإبداع لا خارجيته، بمعنى أن الإبداع لا يتخلق بسبب مثير خارجي يولد انفعالًا في الذات بل على العكس ينبع أو يتدفق من الذات الإنسانية، وان هذه العلمية تحقق للذات وعيها لنفسها، فكأن التدفق والبزوغ من الداخل إنما هو شكل من أشكال الفيض الإشرافي الذي يحقق للذات وعيها لنفسها، ثم القبض على العالم لإدراكه، ومن ثم فإنَّ وعي الذات ووعي الموضوع " العالم ــــ الأشياء " يتم بفيض ينبع من الداخل.

ويشبه عملية التخليق هذه في ضوء حركة مستقيمة، تمامًا كحركة الوقت الذي ينتقل بشكل أفقي، وتتالى فيه أحداثه، كذلك تخليق القصيدة ينتقل من السكون إلى الدوامة ثم إلى التشكيل:

سكون ←  دوامة     تشكيل

ويمثل السكون المرحلة السابقة للوارد، وتأتي الدوامة التي يتجلى فيها الوارد " خاطرة ـــ أو فكرة ـــ أو فيضًا " من النفس، وعليها وعلى الوجود.

ويتكئ صلاح عبد الصبور في تحديد ماهية الوارد على المعجم الصوفي الذي يتضمن " الباده والعارض والوهم " وغيرهما، ويتوقف للمقارنة بين مصطلحي الباده والوارد، إذ يمثل الأول " مقدمة للوارد حين يبده القلب ويفجؤه... ويفتح الطريق للوارد " أما الوارد فإنه «يستغرق القلب وأن يكون له فعل.

ويعقد عبد الصبور مقارنة بين الوارد الصوفي والحس البرغسوني، إذ يرى أن الحدس على الرغم من طبيعته المخالفة للتفكير العقلي فإنه يتكئ تمامًا على المقدمات العقلية، ويتأسس في ضوئها، فهو ينبثق في ضوء " المواد الألوية التي يرتبها العقل في وحدة وتناسق " ومن ثم فهو صالح لتفسير الوثبات الفكرية لأنه " قمة عقلية لنشاط عقلي " ويعجز من ثم في تفسير " الوثبات الوجدانية " التي يتمكن الوارد من التعبير عنها.

وفي ضوء هذا يبتعد الوارد كثيرًا عن العقل، ويقترب إلى حد كبير من التصورات الأفلاطونية، فهو يتشكل بوصفه وافدا، أو ومضة، أو فيضًا من النفس،، إنَّ إبداع الشعر عند أفلاطون وصلاح عبد الصبور لا يتم إلا تحت وطأة تأثير قوة غيبية، يفقد فيها الشاعر وعيه وصوابه، ولذلك يكشف أفلاطون عن تصوره في عقد المقارنة كهنة كوبيلا الذين لا يؤدون طقوسهم في الرقص إلا إذا فقدوا صوابهم، ويرى أن الشعراء ـــ الغنائيين خصوصًا ـــ " لا ينظمون أشعارهم وهم منتبهون، إذ حينما يبدأون اللحن والتوقيع يأخذهم هيام عنيف، وينـزل عليهم الوحي الإلهي ".

إذن هناك حالة لا وعي تمكن الشاعر من إبداع الشعر وان الإلهام قذف والقاء في روع الشاعر، وليس الشاعر سوى وسيط لنقل ما يلقى إليه، وان عمله يماثل حالة اللاوعي التي يمارسها كهنة الإلهة كوبيلا، والصورة نفسها لدى عبد الصبور، إذ تتخلق القصيدة ـــ أساسًا ـــ في حالة لا وعي يعيشها الشاعر، وان هناك واردا يفد إليه، وليس الشاعر سوى ناقل لهذا الوارد، وان هناك تماثلًا بين حالة إبداع الشعر ووجد الصوفي، وكلا العملين يتحقق بحالة الاتحاد بقوة غيبية تفيض على الذات وتؤثر فيها.

وتتشكل القصيدة بطريقتين، الأولى: يرفضها عبد الصبور لأنها توجد بعيدًا عن دور الوارد وتأثيره، والثانية: يتبناها، وهي " القصيدة ـــ الوارد " ويرى أنها تتكون " حين يرد إلى الذهن مطلع القصيدة، أو مقطع من مقاطعها بغير ترتيب بألفاظ مموسقة، لا يكاد الشارع يستبين معناها "، ولا يتحكم الشاعر في بدء تشكيل القصيدة ولا في زمان تدفقها، أو مكان تشكيلها، وأخطر من هذا أنه لا يتبين معانيها، أو الوعي بسماتها وخصائصها، إنه فعل يشبه فعل الوجدان الصوفي الذي يتلبس الصوفي.

وتمثل " القصيدة كوارد " الخطوة الأولى من مرحلة اللاوعي في تخليق القصيدة، وتمثل " القصيدة كفعل " الخطوة الثانية، وهاتان الخطوتان متتاليتان، وترتبط الثانية بالأولى ارتباط المعلول بعلته، إنَّ الشاعر في الخطوة الأولى في حالة تلق سلبي مطلق إزاء قوة غيبية خارجية، وهو في حالة لا وعي، ويستمر في حالته الواعية في الخطوة الثانية، ويرافقها تعب وجهد وقلق، أو على حد تعبيره ان الشاعر " يدفع بنفسه إلى رحلة مضنية في طريق قلق "، ويتأتى هذا كله لأنَّ الشاعر يحاول استحضار الوارد، بمعنى أنه يتصيده، ويحاول التعبير عنه بالكيفية نفسها التي عاشها وجدًا صوفيًا، ويتكئ الشاعر على عبارات وجدانية صوفية لتوصيف هذه الحالة التي يختلط فيها اتحاد الذات وانفصالها، واقترانها بالوعي " إن الشاعر يستطيع ان يتقدم خطوات محو هذا المنبع حتى يتصل به ".

ويحدثنا الشاعر عن العلاقة بين الشاعر والوارد، بحسب أصول تذكرنا بتقسيمات ابن قتيبة لضروب الشعر، فحين يتحدث عن إخفاق القصيد يرجع ذلك إلى:

- قوة العواطف واحتدامها مع ضعف الشاعر.

- قوة الشاعر وممانعته الذاتية فلم يستطع ان ينسلخ عن ذاته، إذ يدع القصيدة تسيطر عليه.

- ضعف إحساس الشاعر إزاء ما يرد عليه من خاطر.

أما المرحلة الواعية من إبداع القصيدة فهي عودة الشاعر إلى حالته العادية قبل ورود الوارد إليه " وحيًا وقصيدة "، وهنا يقوم الشاعر بتنقيح قصيدته، اذ يثبت كلمة، ويمحو أخرى، أو يقدم أو يؤخر، ويستبدل شطرًا بشطر آخر، ويبدو أن تنقيح القصيدة هو آخر عمليات الإبداع في القصيدة، وبذلك يكرر صلاح عبد الصبور بعض أفكار ابن طباطبا العلوي التراثية، وكذلك بعض أفكار إليوت.

ونخلص من هذا الى انَّ الرومانسية الصوفية تنطلق عند صلاح عبد الصبور من مركزية الذات بوصفها مصدر المعرفة والإبداع، وهي رؤية تتجاوز الحس الرومانسي التقليدي إلى بعدٍ معرفيّ وجوديّ، يتجلى في رؤيته للإنسان كقوة فاعلة في تشكيل المجتمع والتاريخ والفن، فالإنسان، كما يراه عبد الصبور، هو مركز الكون، لأنه يمتلك الوعي القادر على إدراك ذاته والعالم من حوله، فيتولد الإدراك من حوار ثلاثيّ بين الذات الناظرة، والذات المنظورة، والأشياء.

ومن هذه الرؤية تنبثق فلسفة عبد الصبور في إبداع القصيدة، إذ يُقسِّم عملية الإبداع إلى مرحلتين: مرحلة لا واعية تسبق الكتابة وتتمثل في "الوارد الشعري"، ومرحلة واعية تتعلق بالتشكيل اللغوي اللاحق، ويتجلى في المرحلة الأولى التأثير الصوفي بوضوح، إذ يشبّه عبد الصبور لحظة الإبداع بفيض داخلي أو ومضة مفاجئة تنبثق من الذات، ويقارن هذا "الوارد" بمفاهيم صوفية مثل "الباده" و"العارض"، ويقارنه أيضًًا بالحدس البرغسوني، ليؤكد أن الشعر لا ينبع من الجهد العقلي بل من تجربة وجدانية تتصل بالمطلق.

أما في المرحلة الواعية، فيخضع الشاعر نصه لعملية مراجعة وتنقيح، ينتقل فيها من التلقّي السلبي إلى الفعل الواعي، مستعينًا بأدواته اللغوية والفنية لتثبيت القصيدة وتشكيلها، وهكذا تتضافر في تجربة عبد الصبور ثلاثة أبعاد متكاملة: الرؤية الرومانسية، الحس الصوفي، والبناء الفني للقصيدة، في إطار يعكس فهمًا خاصًا للشعر بوصفه فعلًا معرفيًا وجماليًا نابعًا من الداخل.

***

الدكتور كريم الوائلي

 

في المثقف اليوم