عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علاء جواد كاظم: جوهر التعلم المفقود

في كل فترة تطرح فيها نظرية تعلم جديدة، يرى التربويون انهم قد وصولوا الى جواب نهائي حول سؤال بسيط ظاهريا: كيف يتعلم الانسان؟  لكنه في الحقيقة من اكثر الاسئلة تعقيدا في تاريخ الفكر البشري.

كاجابة واضحة قدمتها السلوكية، التعلم هو عبارة عن تغيير في السلوك. ثم قدمت النظرية المعرفية جوابها، إن التعلم هو معالجة للمعلومات داخل العقل. وبعدها جاءت البنائية لتقول أن المتعلم لا يستلم المعرفة، بل يبنيها بنفسه، بينما أكدت النظرية الاجتماعية أن المعرفة تنشأ من التفاعل مع الآخرين. وفي السنوات القليلة الماضية، أعاد أستاذ التربية في جامعة كامبريدج (روبرت ويغريف (صياغة السؤال من جديد، معتبراً أن الحوار هو جوهر التعلم، وأن المعرفة لا تتشكل داخل عقل المتعلم فقط، بل من خلال "فضاء حواري" الذي ينشأ بين العقول.

يقينا أن هذا التحول يمثل مسارا مهما؛ فهو ينقل التعليم من مجرد نقل للمعرفة إلى بناء المعنى عبر الحوار. لكن بعد قراءة متأنية لنظرية ويغريف يبرز سؤال أكثر عمقاً: هل الحوار وحده كافيا لتفسر كيف تتشكل المعرفة؟ هنا، في رأيي، تكمن الحلقة المفقودة في معظم نظريات التعلم. فالحوار ينشأ بيئة للتعلم، لكنه لا يفسر الآلية التي تجعل الأفكار المختلفة تتحول إلى فهم جديد. وليس كل حوار يقود إلى التعلم؛ فقد يكون هذا الحوار اعادة للافكار، أو تداولا للمعلومات، أو حتى جدالاً لا يغير شيئاً في طريقة التفكير. وعليه، فالسؤال الحقيقي ليس: هل حدث الحوار؟ بل: ماذا حدث داخل عقل الطالب بعد الحوار؟

لو تدبرنا قليلا في أي موقف تعليمي ناجح، سنجد أن المتعلم لا يكتفي بسماع الأفكار، بل يقوم بعملية أكثر تعقيداً؛ فهو يقارن بينها، ويكشف التناقضات، ويعيد ترتيبها، ويربطها بمعرفته السابقة، ثم يبني فهماً لم يكن موجوداً قبل ذلك. هذه العملية لا يمكن حصرها في الحوار نفسه، لأنها تمثل تحولا من تعدد الأصوات إلى وحدة الفهم، ومن تجميع المعلومات إلى إنتاج معرفة جديدة.

ويمكن تسمية هذه العملية بـ التوليف المعرفي – الذي لا يشير الى مجرد تلخيصا للمعلومات، بل يعني إعادة بنائها في صورة جديدة أكثر عمقاً واتساقاً وقابلية للتطبيق. فعندما يقرأ الطالب كتاباً، ثم يتناقش مع زملاءه، وبعدها يستخدم الذكاء الاصطناعي، ومن ثم يعيد رسم أفكاره بلغة جديدة، فإن التعلم الحقيقي لا يحدث في أي خطوة منفردة، بل يتكون في لحظة التوليف التي تنتج ادراكا جديداً.

ويوما بعد يوم تزداد اهمية السؤال، فاليوم قد يتمكن اي متعلم من الحصول على اجابة فورية وجاهزة عن اي تسائل تقريبا. لكن هل الحصول على هذا الإجابة يعني حدوث التعلم؟ بالتاكيد لا. فالانظمة الذكية تستطيع أن تنتج نصوص، وتقترح الافكار، وتظهر وجهات نظر متنوعة، لكنها لا تستطيع أن تقوم  باعمال بدلاً من الإنسان كالاختيار والفهم والادراك وإعادة بناء المعنى، لان هذه المهمة ستبقى انسانية في مضمونها.

وبناء على هذا، فالتربية المعاصرة تواجه تحدي حقيقي، حيث لم يعد كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، بل كيفية انشاء مواقف تعليمية تجعل الطالب يستثمر الذكاء الاصطناعي لبناء معرفة جديدة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المؤسسات التربوية هو أن تتحول ادوات الذكاء الاصطناعي إلى آلة لتقديم معرفة جاهزة، لأن ذلك يعطل أهم عملية في التعلم، وهي عملية التوليف المعرفي. أما إذا استُثمر بوصفه شريكاً في الاستقصاء، ومنتجا لوجهات نظر مختلفة، ومحفزاً للحوار والتفكير النقدي، فإنه يمكن أن يكون أداة لتوسيع الوعي بدلاً من تقليصه.

ولعل هذا يقودنا إلى إعادة النظر في تعريف التعلم نفسه. فربما لم يعد كافياً أن نقول إن التعلم هو اكتساب معرفة، أو بناؤها، أو حتى إنتاجها بالحوار. وربما يكون التعريف الأقرب إلى واقعنا الحالي هو أن التعلم عملية مستمرة لإعادة توليف المعرفة بهدف بناء فهم جديد قادر على تفسير الواقع والتعامل مع تحدياته.

إذا صح هذا التصور، فإن وظيفة المدرسة لن تكون نقل الحقائق، ولا حتى إدارة النقاشات، بل تصميم بيئة تعلم تجعل المتعلمين يمارسون التوليف المعرفي بصورة واعية ومنهجية. وسيقتصر دور المعلم على تقديم المساعدة لادارة الحوار والربط بين الافكار المختلفة واكتشاف العلاقات وبناء نماذج ذهنية جديدة. أما الالات الذكية، فلن تحل محل المعلم أو المتعلم، بل هي وسائل توسع طاقات التفكير وتثري عملية التوليف البشري.

لقد نجح روبرت ويغريف في نقل التربية من مرحلة "نقل المعرفة" إلى مرحلة "الحوار من أجل المعرفة". لكن يظهر أن التحدي القادم يتمثل في الانتقال إلى مرحلة ثالثة، هي "التوليف لغرض بناء معرفة جديدة". وقد يكون هذا هو السؤال الذي سيحدد مستقبل التربية والتعليم في عصر الذكاء الاصطناعي: إذا كان الحوار يفتح باب التعلم، فما الآلية التي تحول هذا الحوار إلى معرفة جديدة؟

***

علاء جواد كاظم

 

في المثقف اليوم