الأفكار والعقائد.. القيم والمفاهيم.. الأخلاق والتقاليد.. الحرب والسلم.. الآلة والأنسان. كلها تمر بمرحلة التطور.. لذا لا يوجد شيء واحد غير خاضع للتطور، سوى مفهوم الاستقامة والعدالة الانسانية.. فهما وان خضعا للتطور الزمني قانونا لكن التطور فيهما كان منذ البداية جاء لمصلحة الانسان. سواءً في قانون حمورابي اوفي وثيقة المدينة المحمدية.
المشكلة الاساس اذا استولت فكرة التطور على العقل البشري، فلابد من ان يصطدم تفكيره بالدين الذي يمثل ثبات المقدس والعقيدة والعبادة والتقاليد وثبات الحياة. لذا فالمجتمع المرن الذي يقبل فكرة التطور بمفهوم الدين، بغض النظر عن الثبات يحصل بينهما الصراع، والصراع هو ابو الأشياء، ولو لاه لما تغيرشيء.. ونظرية الصراع تدعو الى تحول الأشياء بعضها الى بعض، لأن حياة أي شيء تدعو الى موت شيء أخر، فالهواء يحي موت النار، والماء يحي موت التراب، والقرآن يقول: ".. وجعلنا من الماء كل شيء حي.. "اي بالماء أحيينا من مات. لذا فالحياة الأنسانية على الأرض تحيي موت الأثنين، أي يعيش هو بموتهما معاً.
من هنا قال هرقليط الفيلسوف اليوناني: الوجود عنده موت يتلاشى، والموت وجود يزول، كذلك الشر خير يتلاشى، والخير شرُ يزول. اذن الخير والشر والكون والفساد أمور تتلازم وتنسجم في النظام العام.. والقرآن يقول: "انا خلقنا الموت والحياة لنبلونكم أيكم أحسنَ عملاً"الملك 2". والقرأن يقصد ان الموت هو التحول الى شيء أخركما تتحول الأرض الى شجرة والشجرة تتحول الى ثمرة.. هكذا فالصراع دائم في الحياة الأنسانية من اجل الخلق.. وهوالخير.
لهذا قال عرب قبل الاسلام الذين يسمونهم بالجاهلية خطئاً: " ان حركة الكون وتعاقب الليل والنهار هو سبب الحياة والموت. لكن فكرة العرب تقوم على حركة التغيير في أتجاه واحد كما في قول شاعرهم عدي بن زيد:
من رآنا فليوطن نفسه أنه
موفٍ على قرب زوال
*
عصف الدهر بهم فأنقرضوا
وكذلك الدهر حالاً بعد حالِ
بينما المصريين الفراعنة على مر الزمن ظنوا انهم سيكملون دورة الحياة بحياة اخرى بعد الموت.. فيها سعادة ورخاء حسب ما وعدهم النص المقدس.. لذا دفنوا مع الميت ما يحتاجه من مآكل ومشرب لكنه مجرد تصور. بينما الاسلام أدخل على الفكر العربي عمقا اخراً هو الوجود والموت ثم البعث بعد الموت للحساب لجعل الانسان يفكر بالحياة تفكيرا منطقيا واخلاقياً بعيداً عن الثبات الذي لا يتغير.. وهنا أحساس معنوي بالخيروالشر لكن الغالبية منهم خالفوا نظرية القرآن وتجاوزوا على القسم واليمين.. والقسم واليمين ليس مجرد قسم بل هو عقيدة الاسلام المقدسة التي لا يستطيع احدا تجاوزها الا الذي في قلبه شك من النص فأين نحن منها الآن في دولة يقسم المسئول ويخترق القسم دون مبالاة ؟. لذا تظاهروابعدم أستطاعتهم تجاوز الثبات بنظرية التغيير.. مجرد تصور.. التي جاءت بنص قرآني صريح: "قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق".. اي كيف بدأ وكيف تطور.
فإذا كان ما قاله الفيلسوف توكيد الروماني "ان كل ما يحدث اليوم حدث بالامس.. " لذا فأن فلسفة التاريخ عند أردشير الفارسي حذرت الملوك الفرس من الاغترار في الدنيا والجاه والسلطان بل عليهم اللجوء لواقع التغيير التاريخي الذي سبقهم.. فالزمان لا جديد فية سوى استمرارية التغيير وبرأيه أنه قدر والقدر يبقى مجهولا.. وقد أكد ذلك ابن خلدون في تاريخه دورة العمران.
هذا الواقع الذي لم يقتنع به اصحاب العقيدة الاسلامية الفقهية وليست المحمدية وأصروا على الثبات اللا متغير.. أفشلهم في معرفة الحقيقة بينما خضع الفكر الاوربي لفكرة التطور بمفهوم الدين فحدث الصراع بينهم في عصر النهضة الذي قام على اساس لا ديني والذي انتهى الصراع عندهم بتنحية الدين عن الحياة العملية في القانون والسياسة والاقتصاد حين قالوا: "الدين ليس سياسةً والسياسة ليست ديناً" ولم يبق لهم الا فكرة الذهاب الى الكنيسة في يوم الاحد للتبريك والادعية وهم في ازهى لباسهم، اما الحياة الواقعية عندهم اصبحت تحكمها المفاهيم التي تمحورت بمرونة النص الديني.. من هنا تحرر العقل الاوربي من الزامية نظرية الثبات.
اما في المجتمع الاسلامي فان الصراع بين الدين والتطور لازال قائما لا بل حاداً.. الاول قابضا على الثاني يمنعه من التطبيق رغم الجهود المضنية التي تعمل على التحرير، لكن السلطة السياسية صاحبة الرأي والقانون لازالت متمسكة بالثبات خوفا عليها من الافلات منهم وهذا حدث منذ وفاة محمد نبيهم التي لازال سبب قاته مجهولة وهو بعمر الستينات.. والمرجح انه قتل كي لا تطبق مبادىْ وثيقة المدينة في الاستقامة والعدل المنافية للطموحات الشخصية.. متحججين بسلطة النص المفسر خطئاً نتجة تفسيره وفق نظرية الترادف اللغوي الذي كانت فيه الفاظ اللغة العربية تعبر عن التفكير القائم على ادراك المشخص ولم تكن فيها التسميات الحسية قد استكملت بعد تركيزها في تجريدات.
متناسين ان الصيرورة الزمنية قد تغيرت لصالح التغيير. وتلعب المؤسسة الدينية والمسجد وخطباء المساجد المتخلفين اليوم دورا في تثبيت الثبات دون التغيير خدمة للسلطة والمنافع الشخصية.
الموضوع طويل وشائك ومعقد وللوصول اليه يحتاج الى جهود العلماء الجبارة لتوسيع الهوة بين قامتي الدين الثابت والداروينية التي دعت الى انهاء فكرة الدين نهائيا من عقول البشر، وسخرت لها ثلاثة من علماء الفكر هم: ماركس، وفرويد ودور كايم، لنشر مفاهيم الحقوق العامة والاخلاق المغايرة للدين في الحرية والقانون. ولا زال الجدال مستمرا الى اليوم.
لكن النتيجة الهامة الأساس هم صنعوا دولا قانونية متقدمة في الحقوق.. بينما اصحاب نظرية الثبات توقفوا عن التقدم في كل ميادين الحياة.. ولا زالوا..
***
د. عبد الجبار العبيدي








