عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: خمسة ملايين في حضرة الوهم

من ينتصر في معركتنا مع الجهل المقدس؟

تأملات في الهوس الديني، وهزيمة الوعي، ومستقبل وطن يزدحم فيه المريدون وتغيب عنه الأسئلة

***

العام الماضي، كتبت عن طنطا ومولد السيد البدوي، وقلت إن الأوطان لا تنهض بالأضرحة، بل بالمختبرات والعلم، ولا تبنى بالكرامات، بل بالأفكار البناءة. كتبت يومها وفي داخلي شيء من الأمل بأن الكلمة قد توقظ عقلا، وأن الفكرة حين تجد طريقها إلى الناس تستطيع أن تفتح نافذة في جدار كثيف من الأوهام. لكننا نعود هذا العام إلى المشهد نفسه، بأعداد أكبر، وبمليون إضافي، وفقا للأرقام المتداولة عن الاحتفال؛ خمسة ملايين إنسان في موسم واحد!

خمسة ملايين

ليس الرقم وحده هو ما يستوقفني، بل ما يختبئ خلفه من أسئلة موجعة. ماذا يعني أن يتضاعف الحشد حول ضريح، بينما لا نرى الحماسة ذاتها في ساحات العلم والمعرفة؟ ماذا يعني أن تتسع دوائر الاحتفال بالموروث الغيبي، فيما لا تزال أسئلة العقل النقدي هامشية في التعليم والثقافة والإعلام؟

 وأي مستقبل ينتظر مجتمعا يستطيع أن يحشد الملايين حول حكايات البركة والكرامات، لكنه لا يمنح المعرفة والبحث العلمي والقراءة والفلسفة المكانة التي تستحقها؟

لا أكتب هذه الكلمات شماتة في الناس، ولا استعلاء عليهم، ولا انتقاصا من حق أحد في التدين أو ممارسة الشعائر. أكتبها بحزن إنسانه تخشى على وطنها من أن يفقد قدرته على التمييز بين الإيمان، والخرافة. فالمشكلة ليست في أن يذهب الناس إلى المولد، بل في أن تتحول الخرافة إلى سلطة اجتماعية، وأن يصبح الاعتراض عليها جريمة في نظر الجماعة، وأن تكتسب المعتقدات حصانة ضد السؤال لمجرد أنها توارثتها الأجيال

لا ينبغي أن نختزل هؤلاء الملايين في صورة واحدة، ولا أن نزعم أننا نعرف دوافع كل من يشارك في الاحتفال. فبينهم من يذهب بدافع العادة، ومن يبحث عن صحبة الناس وبهجة الموسم، ومن يجد في الطقس الشعبي امتدادا لذاكرة أسرته وبيئته، ومن يعتقد في الكرامات والبركات اعتقادا راسخا. لكن هذا التنوع لا يلغي السؤال الأكبر: كيف أصبحت الممارسات الغيبية قادرة على استقطاب هذه الحشود، وما الذي يجعل قطاعات واسعة من المجتمع تجد في الموروث الشعبي ملاذا ومعنى، بينما تبدو الثقافة العقلانية بعيدة عن حياتها اليومية؟

لا اتكلم عن ضريح بعينه، ولا مدينة بعينها، بل أزمة ثقافية أوسع من أن تختزل في موسم احتفال.

 أزمة تتداخل فيها هشاشة التعليم، وضعف التفكير النقدي، والخوف من المجهول، والبحث عن الطمأنينة في عالم قاس، وتراجع الثقة في قدرة الإنسان على تغيير واقعه بأدواته الخاصة.

حين تضيق الحياة بالإنسان، وتثقل كاهله الأزمات، ويشعر بأن أبواب العدالة والفرص مغلقة في وجهه، يصبح الوعد بحل خارق أكثر جاذبية من طريق طويل وشاق يبدأ بالتعلم والعمل والتغيير.

 وحين تعجز المؤسسات عن تقديم إجابات مقنعة، تتقدم الحكايات التي تعد بالخلاص السريع. وحين يفقد الإنسان ثقته بقدرته على الفعل، قد يبحث عن قوة غيبية تتولى عنه ما عجز عن مواجهته.

فتصبح الطمأنينة بديلا عن المعرفة، وأن يستسلم الإنسان لفكرة أن مصيره يتغير بوساطة قوى خارقة، بينما يظل واقعه محتاجا إلى إصلاح وعمل ومسؤولية.

لقد كتبنا.. فما الذي تغير؟

هذه هي المرارة الحقيقية التي أشعر بها هذا العام. كتبنا عن الخرافة، وانتقدنا تقديس الجهل، ودعونا إلى إعمال العقل، وحذرنا من تحويل الموروث إلى حقيقة لا تقبل المناقشة. كتبنا لأننا نؤمن بأن الوعي ضرورة، وبأن المجتمعات لا تستطيع أن تتقدم بعقل يخاف السؤال. ثم جاء المشهد ليضعنا أمام سؤال لا يجوز التهرب منه: هل تكفي الكتابة وحدها لمواجهة منظومة اجتماعية وثقافية تعيد إنتاج نفسها جيلا بعد جيل؟

ولهذا لا ينبغي أن نخدع أنفسنا بالاعتقاد أن كل كلمة نكتبها تصنع تغييرا فوريا، كما لا ينبغي أن نستسلم لفكرة أن الكتابة بلا جدوى. فالتغيير الثقافي بطيء، متعرج، ومليء بالانتكاسات. لكن ذلك لا يعفينا من مراجعة أدواتنا: كيف نخاطب الناس؟

كيف نجعل الفلسفة جزءا من حياتهم؟

وكيف ننتقل من إدانة الخرافة إلى فهم الشروط التي تجعلها قابلة للحياة والانتشار؟

إنني لا أريد أن أكتب المقال نفسه كل عام، بينما يعيد الواقع إنتاج المشهد نفسه. أريد أن أفهم لماذا تتعثر معركتنا، ولماذا لا تتحول الكلمات إلى مؤسسات تعليمية وثقافية قادرة على بناء عقل مستقل، ولماذا نترك مساحات واسعة من الوعي العام لمن يبيعون اليقين الجاهز، ثم نندهش حين تتسع أسواق الوهم.

و أود أن أقول ان نقد الخرافة ليس عداء للدين، واحترام الدين لا يعني التسليم بكل ما ينسب إلى الدين من حكايات وممارسات. ومن حق الإنسان أن يتعبد، وأن يبحث عن السكينة في تجربته الروحية، لكن لا ينبغي أن تتحول التجربة الشخصية إلى حقيقة عامة مفروضة على الآخرين، ولا أن تتحول الحكايات الشعبية إلى بديل عن المعرفة، ولا أن تستخدم القداسة لإغلاق باب النقد.

أخشى من مجتمع يتعلم فيه الطفل أن يصدق قبل أن يفهم، وأن يخاف قبل أن يسأل، وأن يبحث عن صاحب كرامة يقضي له حاجته، قبل أن يتعلم كيف يواجه الحياة بالعلم والعمل. أخشى من أجيال تنشأ على أن الأبواب المغلقة تفتح بالأسرار، لا بالمعرفة، وأن الأزمات تحل بانتظار المعجزة، لا بإصلاح الواقع

فماذا سنقول لهذا الطفل حين يكبر ويكتشف أن العالم لا يكافئ الأمنيات وحدها، وأن المرض يحتاج إلى طب، والجهل إلى تعليم، والفقر إلى سياسات عادلة وفرص حقيقية، وأن الأوطان لا تتقدم بالدعاء وحده، بل بما يصنعه الإنسان من معرفة ومؤسسات وعمل؟

أتحسر لأنني لا أريد لوطني أن يبقى أسير معارك لا تنتهي حول الخرافة والكرامة والبركة، بينما العالم يراكم المعرفة، ويطور أدواته، ويعيد بناء اقتصاده وتعليمه ومؤسساته. أتحسر لأن طاقات البشر التي يمكن أن تصنع نهضة حقيقية قد تستهلك أحيانا في الدوران حول أوهام لا تقدم حلا لمشكلة واحدة من مشكلات الواقع.

هل يا ترى سنمتلك في العام المقبل، قدرة أكبر على التفكير الحر، ومدارس تعلم أبناءنا كيف يسألون، وجامعات تحترم العقل النقدي، ومؤسسات ثقافية تصل إلى الناس خارج دوائر النخبة، وإعلاما لا يكتفي بتسويق المشهد المثير، بل يناقش دلالاته الاجتماعية والثقافية.

لقد آن الأوان أن ننتقل من التنديد إلى الفعل، ومن صخب المعارك الثقافية إلى بناء مشروع طويل النفس لتعليم العقل كيف يعمل، وكيف يشك، وكيف يتحقق، وكيف يراجع نفسه من دون خوف.

معركتنا يا أصدقاء ليست مع ضريح، ولا مع مدينة، ولا مع طقس شعبي بعينه. إنها مع كل بنية تجعل الإنسان تابعا بدلا من أن يكون فاعلا، ومستسلما بدلا من أن يكون مسؤولا، وخائفا من السؤال بدلا من أن يكون شريكا في صناعة المعرفة.

أما أنا، فسنظل اكتب، لا لأنني أتصور أن الكلمات وحدها ستغير العالم، بل لأن الصمت تواطؤ مع ما نخشى عواقبه، ولأن العقل، مهما بدا محاصرا، يستحق أن ندافع عن حقه في الحياة.

أخشى فقط أن نعتاد المشهد حتى نتوقف عن الاستغراب، وأن نكرر الأسئلة حتى تفقد قدرتها على إيقاظنا، وأن يصبح تراجع العقل خبرا عاديا في حياة أمة كانت أحوج ما تكون إلى استرداده

ما زال الأمل يعتريني، وما زلت أحلم بوطن يسترد عقله من غياهب الوهم، وبأجيال تتعلم أن السؤال ليس خطيئة، وأن التفكير ليس تمردا، وأن الحقيقة لا تحتاج إلى حراسة من العقول، بل إلى عقول شجاعة تبحث عنها بلا خوف.

ما زلت أحلم بطفل ينشأ على حب المعرفة، لا الخوف من المجهول، وبإنسان يدرك أن خلاصه لا ينتظره في حكاية خارقة، بل يبدأ من وعيه، ومن قدرته على الفهم والعمل وتغيير واقعه. أحلم بمجتمع لا يضيق بالمختلف، ولا يمنح الخرافة حصانة باسم التراث، ولا يخلط بين احترام الإيمان والتنازل عن العقل.

مازلت احلم بيوم نحتفي فيه بملايين يحتشدون حول كتاب، أو في مختبر، أو في جامعة، أو في ساحة للفكر والحوار.. يوم تصبح فيه المعرفة مصدر فخرنا، والعقل ثروتنا الحقيقية، والإنسان غايتنا التي لا تعلو عليها غاية.

ما زلت أحلم.. لأن اليأس هو الاستسلام الأخير للظلام، ولأنني، مهما اشتد حزني على واقعنا، لا أريد أن أكون شاهدة على انطفاء العقل، بل واحدة ممن يحرسون شعلته حتى تصل إلى الأجيال القادمة.

***

ابتهال عبد الوهاب

في المثقف اليوم