حين يريد الآخر نيابة عنك
رينيه جيرار مفكر يزعجك أكثر مما يريحك. وهذا مدح في حقه. فكرته المحورية بسيطة بما يكفي لأن ترفض من فورها، ومقلقة بما يكفي لأن تظل عالقة، فالإنسان عنده يرغب في الأشياء لأن آخرين يرغبون فيها، ولا يرغب فيها دائما لما هي عليه، ليست الرغبة خطا مستقيما من الذات إلى الموضوع، بل مثلثا محددا في الذات والموضوع والشخص الثالث الذي يضفي على الموضوع قيمته في نظر الذات، وهذا يعني أن المنافسة لا تنشأ دائما لأن طرفين يحتاجان إلى شيء واحد، بل لأن أحدهما رأى الآخر يرغب فيه، وهذه الرغبة وحدها تحول الشيء إلى موضع اشتهاء. والسلعة التي تفقد قيمتها بمجرد أن تصبح متاحة للجميع، تفقدها لأن وظيفتها التمييزية انتهت، حتى لو لم تتغير خصائصها، فهي لم تعد تقول شيئا عن صاحبها في عيون الآخرين.
نحن لا نرغب ثم نتنافس، نتنافس فنرغب. الترتيب الذي نفترضه عادة معكوس، وما يجعل هذه الفكرة أشد وطأة هو أنها لا تقتصر على عالم السلع والمكانة الإجتماعية. إنها تسري على الأفكار والمواقف السياسية والإنتماءات الفكرية. قد يتبنى المرء رأيا لأنه مقتنع بحججه، وقد يتبناه لأن أصحاب المكانة الذين يعجب بهم يتبنونه. وليس من السهل دائما أن تفرق بين الحالتين، لأن الحد بينهما رقيق وغير واضح المعالم. الخطر ليس في التأثر، بل في الدفاع عن رأي لم يعد مقنعا بعد أن تتكشف ثغراته، لأن التراجع سيكلفك صورتك.
ومن أشد ما تنتجه هذه الآلية إرهاقا أن المنافسة قد تستمر بعد زوال الحاجة الأصلية إلى موضوعها. لا يكفي أن تكون ناجحا، بل أكثر نجاحا من شخص بعينه. ولا يكفي أن تمتلك ما تحتاجه، بل أن يرى الآخرون أنك متقدم عليهم. وبما أنهم لا يتوقفون عن الرغبة، فالسباق لا ينتهي. فكل إنجاز يفتح بابا إلى مقارنة جديدة، وكل وصول يكشف عن أفق آخر للتنافس.
لو كانت نشأة هذه الديناميكية عفوية فحسب، لكانت المسألة أبسط. لكن في المجتمعات المعاصرة، ثمة صناعة واسعة تعمل بمنهجية على توليد الرغبات وتوجيهها. فالسلع لا تعرض بما تؤديه من وظيفة، بل بما تعد به من تحول في صورة صاحبها. المنتج وسيلة للوصول إلى نسخة محسنة منك، أجمل، أكثر انتماء، أكثر حرية، أكثر تميزا. الحرية نفسها تباع: سيارة تقنعك بأنك مستقل، وهاتف يقنعك بأنك مبدع، وملابس تقنعك بأنك تختار هويتك وانتماءك.
هذا ما أشار إليه هربرت ماركوزه حين تكلم عن "الحاجات الزائفة"، ليس بمعنى أن الناس لا يحتاجون الأشياء التي يشترونها، بل بمعنى أن الحاجة إليها غالبا ما تولد قبل أن يشعر الشخص بغيابها.
الإستهلاك لا يشبع الحاجة، إنه يعيد تعريفها باستمرار بحيث لا تشبع أبدا
خط لا يمكن الوصول إلى نهايته، وهذا ليس خللا في الآلية، بل هو آلية الخلل نفسها. المنصات الرقمية تضخم هذا كله، نحن لا نقارن حياتنا اليومية المركبة والخشنة بحياة الآخرين اليومية على حقيقتها. نقارنها بصورهم المفلترة بعناية، بلحظاتهم الأفضل، وبالنسخة التي قرروا أن يقدموها للعالم. ومع تراكم هذه المقارنة، يتحول ما نمتلكه إلى مصدر دائم للشعور بالنقص، لأنه بات يقاس بمعيار لا يتوقف عن الإرتفاع حتى لو يم يفقد قيمته.
المؤلم في الأمر، ليس امتلاك الآخرين ما لا تمتلكه. الأشد إيلاما أنك لم تكن تريد هذا الشيء قبل أن تراه في حياتهم.
الحل لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو إدانة الإستهلاك، هذا ترف فكري غير مجد. المسألة تتعلق بالمسافة النقدية. هل أشتري هذا لأنني أحتاجه فعلا، أم لأنني أريد أن أبدو في صورة معينة؟ هل أسعى إلى هذا الإنجاز لأنه ينسجم مع ما أقدره، أم لأنني أخشى أن أبدو متأخرا؟ هل تمنحني هذه الشاشة وقتا أكبر، أم تجعلني أكثر انشغالا بمراقبة ما ينقصني؟
بعد كل هذا، يبدو السؤال مشروعا وملحا: هل الرغبة الأصيلة ممكنة؟ فإذا كانت رغباتنا تتشكل عبر التربية، واللغة التي اكتسبناها، والمجتمع الذي نشأنا فيه، وصناعة تعمل على توليد الحاجات، فهل بقي شيء يمكن أن نسميه رغبة شخصية؟
السؤال يفترض ضمنيا أن هناك ذاتا نقية تختبئ في أعماقنا، ومهمتنا الوصول إليها بإزالة كل التأثيرات الخارجية. وهذا التصور يصطدم بعقبة حقيقية، فالإنسان لا يتكون خارج العالم ثم يدخله، بل يتشكل من خلال علاقاته ولغته وتاريخه. ما نسميه "شخصيتنا" ليس جوهرا منفصلا عن هذه المؤثرات، بل هو حصيلة تفاعل مستمر معها. لذلك البحث عن رغبة أصيلة ليس هو البحث عن رغبة لم تتأثر بأحد قط، وهذا مستحيل. بل هو البحث عن رغبة نستطيع أن نفهم شروط تكونها، وأن نفحص أسبابها، وأن نختار الإلتزام بها بعد التفكير فيها. فليس كل ما تعلمناه غريبا عنا، وليس كل ما ورثناه قيدا ينبغي رفضه، فقد يتبنى الإنسان قيمة تعلمها في طفولته، ثم يعود إليها بعد سنوات ليكتشف وجاهتها من موضع آخر. الفارق ليس بين رغبة "جاءت من الداخل" وأخرى "جاءت من الخارج"، هذا الفصل مستحيل عمليا. الفارق بين رغبة تعاش دون مساءلة، وأخرى أصبحنا قادرين على فهمها وتعديل علاقتنا بها.
الإنسان الذي يراجع رغباته لا يضمن أنه سيختار دائما على نحو صحيح. لكنه يصبح أكثر قدرة على اكتشاف اللحظة التي يتوقف فيها عن السعي نحو غاية يؤمن بها ويبدأ في السعي لمجرد أنه لا يعرف كيف يتوقف.
ثمة تحول يستحق الإنتباه إليه: الإنسان الذي يدرك أن رغباته تتشكل عبر عوامل خارجيه لا يصبح بالضرورة متشككا في كل ما يريد. لكنه يبدأ في التفريق بين نوعين من العلاقة بالأشياء والأهداف والأفكار، بين علاقة الحيازة: أن تمتلك شيئا، وعلاقة الموقف: أن تكون على موقف من شيء.
فالحيازة تطلب تأكيدا خارجيا مستمرا، أما الموقف فيستمد صلابته من مكان آخر. شخص يعمل في مجال يؤمن به لا يحتاج إلى أن يثبت كل يوم أن اختياره كان صحيحا في نظر الآخرين. وشخص يتبنى فكرة بعد تفكير حقيقي لا يتزعزع لأن أحدهم اعترض، بل يستمع ويفحص ويقرر ما إذا كان الإعتراض يغير شيئا في قناعته، وهذا لا يعني الإنغلاق، بل أن يكون للذات ثقل داخلي لا تحصل عليه من المرايا المحيطة بها.
وربما تكون الحرية، في أحد أعمق معانيها، القدرة على أن نحدد ما يستحق أن نرغب فيه، وأن نعيد النظر في هذه الرغبات حين تتغير معرفتنا بأنفسنا وبالعالم، ولا تعني امتناعا عن الطموح، بل رفضا للطموح حين يتحول إلى قوة لا نستطيع مساءلتها، ولا تعني توقفا عن طلب الإعتراف، بل رفضا لجعله الشرط الوحيد لاحترامنا لأنفسنا.
***
عبد الرحيم الجرودي








