في صناعة الرغبات، وحدود الإستقلال، هل نريد ما نريد حقا؟
قد يمر الإنسان بسنوات وهو يسعى وراء شيء يعتقد أنه يريده هو، لا أن أحدا أوحى له بأنه ينبغي أن يريده. يعمل من أجله مؤجلا حياته في سبيله، يتحمل ما يتحمله لأنه مقتنع أن وصوله إليه يعني وصوله إلى نفسه. ثم يصل وتأتي المفاجأة: لا شيء يتغير كما توقع. الرغبة تتبخر، أو تتحول فورا إلى رغبة جديدة، أو يكتشف أن السعادة التي تخيلها لم تكن مرتبطة بالشيء بقدر ما كانت مرتبطة بلحظة إعجاب الآخرين به حين يناله.
ما الذي حدث هنا بالضبط؟
الجواب السهل أن الناس يتغيرون وأن التوقعات تخيب. لكن حين يتكرر هذا النمط، حين يكتشف المرء أنه لا يتوقف عن السعي لأنه يعرف ما يريد، بل لأنه يخشى أن يتوقف، ليصبح السؤال أكثر إلحاحا، هل كانت الرغبة من البداية ما ظنناها؟ نحن نميل إلى التعامل مع رغباتنا كحقائق واضحة لا تحتاج إلى تفسير. فعبارة "أريد هذا" تبدو جملة كافية لوحدها. لكن قد يكون الأجدى أن نسأل: ما الذي يجعل هذا الشيء مرغوبا في نظري؟ هل أريده لما يمنحني إياه فعلا، أم لما يرمز إليه؟ وهل كنت سأريده بنفس الشوق لو لم يعرف به أحد؟
الرغبة إذن ليست دائما صوتا داخليا خالصا.
اعتدنا أن نتصور الرغبة كأنها تنبع من أعماقنا ثم تتجه للخارج بحثا عن موضوعها. نرغب في شيء لأننا نحتاجه أو نكتشف فيه قيمة تلائم ميولنا. لكن التجربة كثيرا ما تكشف أن الأمر أعقد من هذا. فالطفل يولد في عالم لا تتوزع فيه الأشياء على أساس حاجاته وحده. ثمة مهن يحتفى بها وأخرى تعامل باعتبارها دون المستوى، أنماط حياة توصف بالنجاح وأخرى تقدم بوصفها إخفاقا. ومع الوقت، لا يتعلم الطفل ما يمكنه فعله فحسب، بل يتعلم ما الذي "ينبغي" أن يتمنى الوصول إليه إذا أراد أن يكون مقبولا ومحترما.
هذه العملية لا تتوقف عند الطفولة. نحن نراقب اختيارات الآخرين باستمرار، ونقارن أوضاعنا بأوضاعهم، ونستخلص من ردود أفعال المحيطين بنا أحكاما على قيمة ما نملكه وما يفتقر إليه. وقد نكتشف فجأة أننا نرغب في شيء لم يكن يشغلنا، لا لأن خصائصه تغيرت، بل لأننا رأيناه في حياة شخص آخر، أو لأنه أصبح علامة على مستوى نطمح إلى الإنتماء إليه.
الرغبة، في هذه الحالات، لا تنبع من الداخل وتتجه للخارج. إنها تتشكل أيضا من الخارج وتجد طريقها إلى الداخل حتى تبدو وكأنها كانت هناك دائما.
لنتأمل مثالا بسيطا: شخص يمتلك منزلا يلبي حاجاته ويوفر له قدرا معقولا من الراحة. يشعر بالرضا، حتى يكتشف أن أصدقاءه انتقلوا إلى منازل أكبر وأكثر فخامة. لم تتغير حاجاته الأساسية، ولم يصبح منزله أقل صلاحية للعيش. لكن نظرته إليه تغيرت. ما كان مصدرا للراحة أصبح مصدرا للشعور بالنقص.
ما الذي دخل المعادلة؟ طرف ثاني. شخص لا يسكن المنزل ولا يستخدمه، لكن وجوده غير معنى امتلاكه. آلية المقارنة هذه، والتي تعيد ترتيب قيمة الأشياء من دون أن تغيرها في ذاتها، تتكرر في مجالات أكثر حساسية بكثير: في اختيار المهنة، في معايير الجمال، في تصور ما يعنيه الزواج الناجح، حتى في الآراء التي نعلنها عن أنفسنا والعالم.
وهذا لا يعني أن التأثر بالآخرين ينتقص دائما من أصالة ما نريد. فقد نكتشف، من خلال رؤية شخص آخر يعيش شيئا ما، إمكانات لم نكن نعرفها. الفارق بين أن يفتح الآخر أمامنا أفقا جديدا وبين أن يتحول إلى مقياس لا نستطيع تقدير أنفسنا من دونه، هذا الفارق هو ما يحدد إن كان تأثيره يوسع حريتنا أو يضيقها.
لا يمكن فهم هذه المسألة من دون التوقف عند مفهوم الإعتراف. الإنسان، في فلسفة هيغل، لا يبني وعيه بذاته في عزلة تامة. فنحن لا نكتشف أنفسنا بوصفنا ذواتا مستقلة ومكتملة قبل دخول العالم الاجتماعي، بل نتعلم معنى وجودنا ومكانتنا من خلال التفاعل مع من يحيطون بنا. فالطفل الذي يتعلم الكلام لا يكتسب وسيلة للتعبير عن رغباته فحسب. إنه يدخل عالما من المعاني المشتركة التي تتيح له أن يقول "أنا"، أن يميز نفسه، أن يطلب من الآخرين الإستجابة والإعتراف. والإنسان البالغ، رغم اتساع خبرته واستقلاله النسبي، لا يتخلص من هذه الحاجة. يريد أن يرى ويعترف بعمله، أن تؤخذ أفكاره على محمل الجد. هذه الحاجة ليست ضعفا في الشخصية ولا دليلا على غياب الإستقلال. الإعتراف المتبادل أحد الشروط الأساسية للحياة الإنسانية المشتركة، مسألة تتصل بالكرامة والمشاركة في الفضاء العام، لا مجرد مجاملة نفسية. لكن هذه الحاجة المشروعة تنقلب إلى تبعية حين تصبح قيمة الإنسان متوقفة كليا على نظرة الآخرين إليه. عندئذ لا يكتفي بأن يحترم، بل يشعر بأنه مطالب بأن يظل جديرا بالإعجاب في كل لحظة. النجاح يصبح شهادة يحتاج إلى تجديدها باستمرار لا تجربة يعيشها. وقد يضحي بما يريده فعلا من أجل الحفاظ على صورة تضمن له القبول.
المشكلة ليست في أننا نحتاج إلى الآخرين. المشكلة في أن يصبح حكمهم علينا المصدر الوحيد الذي نستمد منه إحساسنا بأننا نستحق.
الإنسان الذي لا يحتمل اختلاف الآخرين معه قد يتنازل عن رأيه قبل أن يفحصه. والذي يخشى فقدان إعجابهم قد يتخلى عن أهدافه الحقيقية لصالح أهداف أكثر قبولا. والذي يربط احترامه لنفسه بمكانته قد يرى في كل نجاح يحققه شخص آخر انتقاصا من قيمته الخاصة.
النضج لا يعني أن نتوقف عن الإهتمام بما يراه الآخرون. يعني أن نعيد وضع هذا الإهتمام في مكانه الصحيح، أن نصغي إلى النقد دون أن نجعل من كل اعتراض حكما نهائيا على قيمتنا. أن نفرح بالتقدير من دون أن يصبح شرطا لمواصلة ما نؤمن به. الذات لا تتشكل خارج العلاقات، لكنها لا تنمو إذا تحولت هذه العلاقات إلى محكمة دائمة.
***
عبد الرحيم الجرودي








