ما زلت أعتقد أن حروب الملح مستمرة. لا أقصد حكاية من التاريخ القديم، ولا أيام كانت فيها السلطة تخزّن الملح لحفظ الطعام. ولا أقصد قرطاج التي أحرقتها روما وردمتها بالملح حتى لا ينبت فيها زرع ولا ضرع، فهي هنا تيمة فحسب. ولا أقصد كلمة salarium اللاتينية التي ارتبطت بما كان يُدفع للجنود، ومنها جاءت الرواتب.
الملح الذي أعنيه اليوم هو ملح الخوارزميات. لا نراه، لكنه يتسلل إلى كل خلية من خلايا الوعي ويقرر ما «نطعمه» من أخبار وما يُحجب عنا. يُملّح الذوق اليومي، فيحوّل المحبوب إلى منفّر والمنفّر إلى محبوب، لأن الإعجابات والتفاعلات تتدفق في اتجاه بعينه. لا تغرق الأمم بالملح الأبيض ولا بملح الهيمالايا الوردي، وإنما ببحر من المحتوى المصمَّم لكل قبيلة رقمية على حدة، فتتفتت الهوية إلى ملايين الجيوب المغلقة. يعيش كل جيب في مذاقه ويحارب سواه بلا رحمة.
لا تحاصر الغطرسة الجديدة قرطاج بجيش. تحاصر «الذوق العام» للبشرية كلها عبر الشركات. تأتي بالفيديو والتريند وغرف الصدى والشائعات، وتنسج شبكة عنكبوتية تلصق الناس بعضهم ببعض في مجموعات متعادية، ثم تبيعهم لأعلى مزايد، إعلانياً كان أو سياسياً أو أيديولوجياً. نأكل الملح كل يوم ونحسبه ذوقنا الشخصي، ونقول بإعجاب «أنا أحب هذا المحتوى»، والخوارزمية هي التي أضافته إلينا قليلاً قليلاً حتى صرنا مدمنين عليه.
ملح جديد وسؤال قديم
ليست الخوارزميات في جوهرها عدواً. تكمن المشكلة في الاحتكار. حين يتحكم كيان واحد، أو عدد ضئيل جداً من الكيانات، في «ملح الذوق» لأمة أو للعالم بأسره، تُحسم المعركة سلفاً، فالفرد مهما بلغ وعيه يقف وحده أمام آلة تشتغل على ملايين العقول في آن واحد.
أسّس جوزيف غوبلز وزارة الدعاية الشعبية في ألمانيا النازية (1933-1945)، وسيطرت على الصحف والإذاعة والسينما والملصقات. ردّد مبدأ «الكذبة الكبرى» حتى صارت حقيقة في أذهان الملايين، وغيّر الذوق الجماعي بالتدريج حتى أحب الجمهور ما كان يكرهه وكره ما كان يحبه. كان ذلك «ملح الخوارزميات» في صورته الكلاسيكية: كيان واحد يمسك بملح الذوق، ويغرق الجمهور في محتوى مفصَّل لقبيلة واحدة، فتتفتت الهوية وتصير المجتمعات جيوباً مغلقة يقاتل بعضها بعضاً.
نشرت مجلة «ساينس» في نوفمبر 2025 دراسة مشتركة بين جامعة ستانفورد وجامعة نورث إيسترن وجامعة واشنطن، شملت 1256 مستخدماً على منصة إكس. استعمل الباحثون أداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعادة ترتيب التغريدات في الخلاصة الخوارزمية. كانت النتيجة صادمة. عشرة أيام من التعرض للخلاصة التي تعتمد على التفاعل دون التسلسل الزمني غيّرت مشاعر المستخدمين تجاه الحزب المعارض بقدر ما يتغير عادة في المجتمع خلال ثلاث سنوات كاملة. وحين أُنزلت التغريدات العدائية إلى أسفل الخلاصة، تحسنت نظرة المستخدمين إلى الطرف الآخر تحسناً ملحوظاً.
طبقات من الملح المضاد
يبدو العالم كأنه لحظة يصير فيها الوعي الفردي وما يحيط به من خصوصية جزيرة صغيرة تحاصرها بحار من «الملح المصمَّم والمُدوزن». ولا ينفع رفض التكنولوجيا، فذلك مستحيل عملياً. الذي ينفع أن نعيد صياغة علاقتنا بها، فيقرر الفرد، وتقرر الجماعة، متى يأكل ومتى يتوقف، ومتى يتفق ومتى يختلف، دون أن يتحول إلى أداة لتمزيق نفسه.
لم تنته حروب الملح. غير أن ساحتها اليوم الذائقة، وهي جزء راسخ من الهوية، وسلاحها الخوارزميات، وطرفاها إرادة واعية وإرادة صُمّمت خصيصاً لتظل نائمة.
أعود إلى السؤال البديهي: من يتحكم بالعقول؟ أراه بروباغندا الملح وخوارزمياتها، وهي عقل أعلى للسيطرة يتغذى من نواتات صغيرة ترفده ولا تعرف أنها تصنعه، لأنها صُمّمت كي لا تدرك ذلك، كأي جسم ميكانيكي يصنع ولا يفكر.
فاصلة
لا أقدّم في هذه الفاصلة تمريناً في الشرح ولا حلولاً جاهزة. أحاول أن أفهم من زاوية مفتوحة، تمهيداً لشرح أكثر اتساقاً. يمر التحدي بطبقات من الوعي. أولاها الاتجاه إلى خوارزميات بديلة مفتوحة المصدر تقوم على التنوع والتعميق والملل الإيجابي، وتتخلى عن معادلة أقصى تفاعل يساوي أقصى ربح. وثانيتها استعادة فكرة الهوية المخصوصة بإنشاء فضاءات مشتركة تولّد مناعة طبيعية.
إزالة «الملح الخوارزمي» عملية تراكمية صغيرة نستعيد بها قطعة بعد قطعة شيئاً من السيطرة على وعينا اليومي. تبدأ بخطوات بسيطة سريعة الأثر ثم تتعمق شيئاً فشيئاً. نفعّل في الأيام الأولى الترتيب الزمني على المنصات الكبرى مثل فيسبوك وإكس وإنستغرام ويوتيوب لنتجنب التغذية المخصصة. نوقف الإشعارات غير الضرورية كلها لنقطع الجذب المتكرر، ونحدد وقتاً يومياً صارماً للشاشة بأدوات الهاتف نفسها. ثم نعيد تدريب الخوارزمية عمداً، فنتفاعل لمدة أسبوع مع محتوى متنوع بعيد عن التطرف العاطفي، ونستعمل وضع التصفح الخفي في المواضيع الحساسة. وعلى المدى الطويل نشترك في نشرات بريدية جيدة، ونبحث عن مصادر لا تحكمها الخوارزميات، ونقرأ كل يوم كتباً ومقالات طويلة، ونخصص وقتاً للملل الإيجابي بعيداً عن الهاتف. هذا طريق شاق ويثير المقاومة في النفس، لكنه أنجع ما نعرفه للتحرر من الهيمنة والعودة إلى الذات واكتشاف المهم في الحياة.
قد يواجه الملل ذلك الفراغ الذي تسعى الخوارزميات إلى ملئه، وهنا يكمن التحدي. أن ننتزع الفراغ منها ونملأه بأنفسنا. نملؤه بالمطالعة والمواقع الجيدة، وبالرجوع إلى الأسرة والأصدقاء، وإلى الجمال في معناه العادي والفلسفي والاجتماعي، وباكتشافه من جديد.
فاصلة أخرى كخاتمة
يحب الجميع بحماسة ويكرهون بإخلاص، ويظنون أن هذا كله «نحن». لا تخترق المدن رايات تُرفع. تدخل البيوت خيوط رقمية ان باب «المحتوى الموصى به». لا أحد يجبر أحدا على شيء، ولهذا بالذات صار التحرر أصعب مما كان. لعل المعركة لم تدر على الأرض ولا على الذائقة وحدها، وإنما على الإحساس بأننا نملك ذائقة ووعياً أصلاً. فإذا نجحت آلة في إيهامنا بأن ما ترسله إلينا هو رغبتنا الأعمق، فقد انتصرت قبل أن تبدأ الحرب.
***
سعيف علي - تونس








