دراسة في ضوء المتغيرات الاجتماعية والنصوص العقابية
الأسرة هي الخلية الأولى في بنيان المجتمع، والملاذ الدافئ الذي تنمو فيه القيم وتتشكل بين جدرانه ملامح المستقبل. وليست الأسرة مجرد عقد اجتماعي يجمع بين طرفين بل هي الركيزة الأساسية التي يستند إليها الأمن المجتمعي، ومن هذا المنطلق لم يقف المشرع العراقي مكتوف الأيدي أمام حماية هذا الكيان إذ جعل الدستور العراقي لعام 2005 الأسرة أساس المجتمع، وألزم الدولة بالمحافظة على كيانها وقيمها الدينية والأخلاقية والوطنية (المادة 29) فإن هذه الحصانة الدستورية تصطدم اليوم بواقع معقد فرضته التحولات الاقتصادية والاجتماعية الرقمية، حيث تحول الملاذ الآمن في بعض الأحيان إلى ساحة لتصفية الحسابات والنزاعات المتبادلة. إن حماية الأسرة اليوم لا تتطلب نصوصاً عقابية رادعة لمرتكبي العنف،
بل تستلزم فلسفة تشريعية واجتماعية متكاملة تعيد ترميم هذا الكيان وتحميه من التصدع والانهيار.
العنف الزوجي المتبادل في ميزان التشريع العراقي
شكّلت الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهات الأمنية في وزارة الداخلية العراقية صدمة قانونية واجتماعية كبيرةبعد تسجيلها أكثر من 900 حالة اعتداء من الزوج على زوجته، وفي مقابل ذلك قفزة غير مألوفة بلغت 2235 حالة اعتداء من الزوجة على زوجها. يعكس هذا التباين تحولاً خطيراً في بنية العنف الأسري مما يضع النص القانوني العراقي النافذ أمام مسؤولية الموازنة والمواجهة الحازمة لحماية الأمن المجتمعي
من أسباب المحركة لظاهرة العنف الزوجي المتبادل
تتداخل مجموعة من العوامل المعقدة لتفرز هذه الأرقام غير التقليدية في المجتمع العراقي
١- الأسباب الاقتصادية يُعد الارتفاع في معدلات البطالة، التضخم، والفقر من أبرز المحفزات اليومية للشجار الأسري والتوتر النفسي داخل المنزل
٢- التحول الاجتماعي والرقمي الاستخدام غير الواعي لوسائل التواصل الاجتماعي الذي أدى إلى زيادة الشكوك والغيرة وتسهيل حالات الخيانة الزوجية، فضلاً عن الانفتاح الذي غيّر من شكل العلاقات وسقوف التوقعات المادية.
٣- الضغوط النفسية المتراكمة ترسبات الحروب والأزمات الأمنية السابقة التي مر بها العراق وافتقار المجتمع إلى مراكز دعم نفسي متخصصة تؤهل الأفراد للتعامل مع الضغوط.
٤- آفة المخدرات والمؤثرات العقلية انتشار المواد المخدرة في السنوات الأخيرة بات سبباً مباشراً في تغييب الوعي وارتكاب اعتداءات جسدية مروعة من الطرفين
الآثار النفسية والمادية المترتبة على العنف
تتعدى آثار العنف الزوجي أطراف العلاقة المباشرة لتضرب عمق البنية المجتمعية تتسبب هذه النزاعات بحالات قلق مزمن واكتئاب حاد واضطرابات ما بعد الصدمة تترجم أحياناً بـ "العنف المضاد" كرد فعل انتقامي (مما يفسر جزئياً ارتفاع بلاغات تعنيف الأزواج) أما على صعيد الاطفال ينشأ الأطفال في بيئة مشبعة بالخوف والاضطراب مما يؤدي إلى تراجع مستواهم الدراسي وإصابتهم بالتبول اللاإرادي أو الانطواء وصولاً إلى إعادة إنتاج العنف مستقبلاً من خلال (جنوح الأحداث)
يترتب على العنف كلف علاجية وطبية فضلاً عن تعطل الأفراد عن الإنتاج والعمل وتشتت الثروة العائلية بسبب مصاريف الدعاوى القضائية والطلاق والنفقة
مساحة القانون العراقي والعقوبات النافذة
لا يفرق القانون العراقي في الحماية الجنائية بين رجل وامرأة فالجريمة تبقى جريمة بغض النظر عن جنس الجاني والمجني عليه وتتحرك الدعوى وفقاً للنصوص التالية في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل
يستند العمل القانوني بملف العنف إلى المادة (29/ رابعاً) من الدستور العراقي لعام 2005 والتي تنص صراحة على:
تمنع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع
عقوبات الاعتداء الجسدي الضرب والجرح
تُكيف محاكم التحقيق والجنح اعتداءات العنف الزوجي وفق أحكام المواد التالية
المادة (413) تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أحدث بغيره أذى أو مرضاً (الاعتداء العمدي الخفيف)
المادة (412) إذا أدى الاعتداء إلى قطع أو بتر عضو أو تعطيل منفعة (عاهة مستديمة)، ترتفع العقوبة إلى السجن مدة لا تزيد على 15 سنة.
المادة (415) تعالج حالات الضرب الخفيف الذي لا يترك أثراً بليغاً ويعاقب عليها بالحبس البسيط أو الغرامة.
ملاحظة قانونية هامة (إشكالية المادة 41/1)
يمنح قانون العقوبات العراقي في المادة (41/ ف1) حق تاديب الزوج لزوجته في حدود ما هو مقرر شرعاً أو قانوناً أو عرفاً
إلا أن القضاء العراقي المعاصر بات يفسر هذا النص تضييقاً شديداً حيث يستقر الاجتهاد القضائي على أن أي ضرب يترك أثراً جسدياً أو يحط من الكرامة أو يتسبب بضرر نفسي يعتبر جريمة معاقباً عليها ولا يمكن للزوج التذرع بـ "حق التأديب" لتبرير الاعتداء الجسدي الموثق بالتقارير الطبية
الحلول والمقترحات القانونية والاجتماعية
إقرار قانون مناهضة العنف الأسري لا يزال العراق يفتقر إلى قانون خاص وشامل ينظم العنف الأسري بدقة. من الضروري الإسراع في تشريع مشروع القانون الذي يتضمن تأسيس
"مراكز آمنة" لحماية الضحايا وتفعيل دور البحث الاجتماعي لإصلاح ذات البين قبل توقيع العقوبات وتدعيم مكاتب حماية الأسرة والطفل رفد المديريات التابعة لوزارة الداخلية بالكوادر المتخصصة نفسياً واجتماعياً لتفكيك الأزمات الأسرية قبل تحولها إلى قضايا جنائية، غالباً ما تضطر الضحية (سواء الزوج أو الزوجة) للتنازل عن الدعوى بسبب الضغوط العشائرية أو العائلية يجب وضع قيود تضمن عدم تكرار الاعتداء حتى في حال الصلح ،والتأكيد على تفعيل دور الباحث الاجتماعي في محاكم الأحوال الشخصية بشكل حقيقي وإلزام المقبِلين على الزواج بإنهاء دورات تأهيلية نفسية وقانونية لضمان فهم الحقوق والواجبات إطلاق حملات توعية إعلامية تركز على حل النزاعات الأسرية عبر الوسائل التربوية والنفسية والابتعاد عن العنف الجسدي أو اللفظي كوسيلة لفرض السيطرة.
***
بقلم اسعد الجوراني








