عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي عمرون: ويل للعالم إذا انحرف المتفلسفون

صورة أستاذ الفلسفة بين «البيضة والحجر» وIrrational Man

تتأرجح شخصية أستاذ الفلسفة في السينما بين منزلتين: الأستاذ المتشبع بالحكمة والمبادئ، الزاهد في ملذات الحياة، الذي يرى في الحقيقة غاية تستحق التضحية، والأستاذ الذي يستخدم الفلسفة قناعاً يبرر به انحرافه، سواء نحو الدجل والاستغلال، أو نحو الفعل اللاأخلاقي المغلف بمسوغات فكرية.

الأول يعيش من أجل الفلسفة، فيجعلها امتحاناً دائماً لذاته. أما الثاني فيعيش بالفلسفة، فيحوّلها من حيث لا يشعر، إلى وسيلة لتحقيق غايات أخرى. وما إن تصبح الحكمة مهنة حتى يصبح صاحبها عرضة لإغراءات كل المهن: الرغبة في المكانة، والخوف من الفشل، والبحث عن الاعتراف، وإغواء السلطة. عندئذٍ لا يعود السؤال: ما الحقيقة؟ بل يصبح: ما الذي يحقق لي المنفعة والنفوذ؟

هذا التأرجح ليس مجرد حبكة درامية، بل سؤال فلسفي تطرحه السينما على نفسها: هل يمكن للفلسفة أن تخون نفسها؟ ويتجسد هذا السؤال بوضوح في فيلمين: «البيضة والحجر» (1990)، حيث يتحول مستطاع الطعزي من داعية للاستغناء والتحكم في الشهوات إلى دجال يستغل جهل الناس؛ وIrrational Man (2015)، حيث يجد آبي لوكاس «معنى» حياته في التخطيط لجريمة قتل يراها فعلاً عقلانياً وعادلاً.

كلاهما يخون الفلسفة بطريقتين مختلفتين، وكلاهما يطرح السؤال نفسه: هل يمكن للفلسفة أن تتحول من أداة للتحرر إلى مبرر للسقوط؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تتحول إلى خطر؟

هذه الخيانة ليست حدثًا من أحداث التاريخ القديم، ولا مجرد قضية نظرية ناقشها أفلاطون في محاوراته، بل هي بنية تتكرر كلما تحولت المعرفة إلى سلطة، وكلما أصبح التفكير وسيلة لتبرير ما كان ينبغي أن يكون موضوعًا للنقد. ولهذا فإن المتفلسف المعاصر ليس نسخة من السوفسطائي القديم، بل امتداده في عالم أكثر تعقيدًا، عالم لا تُباع فيه البلاغة وحدها، بل تُباع أيضًا الشرعية الأخلاقية، ويُسوَّق فيه الوهم بلغة العقل.

مستطاع الطعزي... حين استُبدلت الحقيقة باليقين

لا يقدم فيلم «البيضة والحجر» مستطاع الطعزي دجالاً منذ البداية، بل يقدمه على النقيض تماماً: أستاذاً للفلسفة يؤمن بأن وظيفة الفكر هي تحرير الإنسان من أوهامه. عبارته الشهيرة «ويل للعالم لو انحرف المتعلمون وتبهيظ المثقفون» ليست حكمة عابرة، بل إعلان عن المبدأ الذي ينظم حياته كلها.

غير أن الفيلم لا يواجهه بأفكار مضادة، بل بواقع لا يكافئ الأفكار. يفصل من عمله، ويعاني الفقر، ويكتشف أن المجتمع الذي يدعو إلى العقل لا يمنح العقل مكانة. وهنا يبدأ الانحراف الأول: في ثقته بأن العالم لا يستجيب لما يؤمن به.

وتأتي اللحظة الحاسمة حين يكتشف أن الناس لا يبحثون عما هو صحيح، بل عما يبدد خوفهم. حين ينجح في علاج أحدهم بقوة الإيحاء، لا يكتشف حقيقة جديدة عن النفس، بل يكتشف فعالية الوهم. فيحتفظ بكل ما تعلمه من الفلسفة عن آليات الاعتقاد، ثم يعيد توظيفه في الاتجاه المعاكس. إنه لا يستبدل العقل بالخرافة، بل يجعل العقل خادماً لها. وهكذا ينتقل من الحقيقة إلى المنفعة، ومن التنوير إلى السيطرة.

آبي لوكاس... حين أصبح العقل محاميًا عن الرغبة

اذا كان مستطاع قد اكتشف أن الوهم أكثر نفوذاً من الحقيقة، فإن آبي لوكاس يكتشف أمراً أخطر: أن العقل نفسه قادر على منح الوهم شرعية أخلاقية.

يستمد فيلم Irrational Man عنوانه من كتاب ويليام باريت الصادر عام 1958، الذي قدّم الوجودية إلى العالم الناطق بالإنجليزية. وفيه يميّز باريت بين نزعتين في الحضارة الغربية: النزعة الهيلينية العقلانية المجردة، والنزعة العبرية الحيوية التي تهتم بالقلق والحرية والموت. والوجودية، في نظره، تنتمي إلى الثانية، فهي فلسفة الإنسان بكامله لا فلسفة التجريد.

وقصة الفيلم تبدأ عندما يصل آبي إلى الجامعة مثقلاً بإرهاق وجودي عميق. يصف كثيراً من الجدل الفلسفي بأنه «استمناء لفظي»، لا لأنه يجهل الفلسفة، بل لأنه فقد الإيمان بقدرتها على منح الحياة معنى. عدميته ليست فكرة مجردة، بل نتيجة صدمات متراكمة: انتحار أمه وهو في الثانية عشرة، خيانة زوجته وصديقه، ومقتل صديق عزيز. وهكذا يصل إلى لحظة انحرافه وهو محمّل بفشل وجودي ثقيل، تماماً كما وصل مستطاع مثقلاً بالطرد والفقر وسخرية المجتمع.

في لحظة تبدو عابرة، يسمع مع طالبته جيل امرأة تشكو ظلم قاضٍ يهدد بانتزاع أطفالها. تستقر الفكرة في ذهنه: ماذا لو أُزيل هذا الرجل؟ ألن يكون العالم أكثر عدلاً؟

منذ تلك اللحظة يتحول القتل في وعيه من جريمة إلى مشروع أخلاقي. يبدأ العقل في أداء وظيفة جديدة: لا البحث عن حقيقة الفعل، بل البحث عن أفضل الحجج التي تجعله مقبولاً. وهكذا تتحول الفلسفة من سلطة تحاكم الرغبة إلى جهاز يبررها. إن آبي لا يبحث عن الحقيقة، بل عن المبررات. فيصبح نموذجاً للمتفلسف المنحرف الذي يعيد تفسير الأخلاق بما يخدم رغبته، ويستخدم العقل لإسكات الضمير بدلاً من إيقاظه.

واللافت أن آبي، بعد اتخاذه قرار القتل، يستعيد حيويته ونشاطه. غير أن هذه الحيوية ليست دليلاً على أنه وجد المعنى، بل على أنه وجد بديلاً عنه. لقد امتلأ الفراغ الوجودي بمشروع يمنحه شعوراً بالقوة، لكنه لا يمنحه سلاماً داخلياً. وهنا يلتقي مع مستطاع عند النقطة ذاتها: كلاهما ملأ فراغه بما هو أخطر من الفراغ نفسه.

المتفلسف المنحرف... الوريث الحديث للسوفسطائي

كان أفلاطون يدرك أن الخطر الحقيقي على الفلسفة لا يأتي من أعدائها، بل من أولئك الذين يتحدثون باسمها. ولهذا لم يكن السوفسطائي، في نظره، مجرد معلم للبلاغة أو بائع للخطابة، بل كان منافسًا للفيلسوف على المجال نفسه؛ كلاهما يتحدث عن العدالة والفضيلة والحقيقة، غير أن الأول يجعلها غايةً للحياة، بينما يحولها الثاني إلى أدوات للنجاح والإقناع. ومن هنا لم يكن من السهل على العامة أن يميزوا بينهما، لأن الاختلاف لم يكن في اللغة، وإنما في الغاية التي تخدمها تلك اللغة.

هذه البنية القديمة لم تختف مع نهاية أثينا، بل عادت بأشكال جديدة. فالمتفلسف المعاصر لا يشبه السوفسطائي في مظهره، بل في وظيفته. إنه لا يبيع البلاغة كما كان يفعل أسلافه، وإنما يبيع الشرعية. يستشهد بكانط حين يحتاج إلى سلطة الأخلاق، ويقتبس نيتشه حين يريد تبرير التمرد، ويستدعي الوجودية حين يبحث عن مخرج من المسؤولية، ويستعير لغة الحرية ليمنح رغباته هيئة المبادئ. إنه لا يختلق الأفكار، بل يعيد توظيفها خارج سياقها، حتى تصبح الفلسفة مخزنًا للمبررات بدل أن تكون مدرسة للمساءلة.

وهنا يكمن الفرق الحاسم بين الفيلسوف والمتفلسف المنحرف. فالفيلسوف يغيّر حياته لكي تصبح أكثر انسجامًا مع أفكاره، أما المتفلسف المنحرف فيعيد تأويل أفكاره لكي تصبح أكثر انسجامًا مع حياته. الأول يجعل الفكر معيارًا يحاكم به نفسه، أما الثاني فيجعل الفكر محاميًا يتولى الدفاع عن اختياراته. ولذلك لا تكمن خطورته في جهله، بل في ثقافته؛ لأنه يعرف من النصوص ما يكفي ليمنح انحرافه مظهرًا من العمق الفكري.

ومن هذا المنظور، لا يعود مستطاع الطعزي وآبي لوكاس مجرد شخصيتين متوازيتين، بل صورتين مختلفتين للبنية نفسها. فمستطاع لا يخدع الناس بالخرافة وحدها، بل بمعرفته الدقيقة بآليات الاعتقاد، فيستخدم فهمه للنفس البشرية ليمنح الوهم قوة الحقيقة. أما آبي فلا يلجأ إلى السحر ولا إلى الأسطورة، وإنما إلى الفلسفة ذاتها، فيعيد ترتيب الحجج الأخلاقية حتى تبدو الجريمة فعلًا عقلانيًا. يختلفان في الوسيلة، لكنهما يلتقيان في الجوهر: كلاهما يستخدم المعرفة لا لاكتشاف الحقيقة، بل لتبرير قرار سبق أن اتخذه.

وهذا هو الإرث الحقيقي للسوفسطائية في العصر الحديث. فالسوفسطائي لم يعد يقف في ساحة أثينا ليعلّم فن الإقناع، بل قد يقف اليوم في مدرج جامعي، أو يكتب مقالًا، أو يظهر في شاشة تلفزيونية، أو يتحدث بلغة النقد والتنوير. إن الخطر لم يعد في الخطابة، بل في القدرة على إضفاء الشرعية الفكرية على الرغبات والمصالح والأهواء. ولهذا فإن المتفلسف المنحرف الحديث أخطر من السوفسطائي القديم؛ لأن أدواته أكثر دقة، ومعرفته أوسع، وقدرته على إخفاء دوافعه أشد إحكامًا.

غير أن هذا كله لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إدانة للفلسفة، بل دفاعًا عنها. فالفلسفة لا تنتج المتفلسفين، كما أن الطب لا ينتج المزورين، والقانون لا ينتج الظالمين. وإنما تكشف هذه النماذج أن المعرفة، مهما بلغت من العمق، لا تغني عن النزاهة الأخلاقية. فحين تنفصل الفلسفة عن الحياة، تتحول إلى مهارة عقلية يمكن استخدامها في الاتجاهين معًا: في تحرير الإنسان، أو في تبرير سقوطه.

ولعل هذه هي المفارقة التي تكشفها الشخصيتان معًا. فكلاهما يبدأ حياته مؤمنًا بأن الفكر قادر على تغيير العالم، وينتهي إلى استخدام الفكر من أجل تغيير صورة نفسه أمام ضميره. وما كان وسيلةً لتحرير الذات أصبح وسيلةً لخداعها، وما كان طريقًا إلى الحقيقة تحول إلى تقنية لإنتاج الوهم. وهنا لا يموت الفيلسوف، بل يولد المتفلسف؛ ذلك الإنسان الذي يحتفظ بكل لغة الحكمة، بعد أن يفقد حكمة الحياة نفسها.

خاتمة

تكشف رحلة مستطاع وآبي أن أخطر ما يصيب الفلسفة ليس جهل الناس بها، ولا عداء السلطة، بل أن تتحول من أسلوب حياة إلى لغة تبرير. حين ينفصل الفكر عن الوجود، لا يبقى من الفلسفة سوى مفرداتها، بينما تتسلل إليها الرغبة في السلطة أو المال أو المجد، متخفية في هيئة مفاهيم تبدو عقلانية.

كما يمكننا في الأخير ان نصل إلى تعريف دقيق لـ"المتفلسف المنحرف ": إنه شخص يستخدم الفلسفة لخداع نفسه أولاً قبل أن يخدع الآخرين وإذا كان مستطاع الطعزي في 'البيضة والحجر' يتحول إلى دجال يبيع الوهم للفقراء، فإن آبي لوكاس في Irrational Man يقدم نموذجاً أكثر تعقيداً: إنه المتفلسف الذي يبيع الوهم لنفسه أولاً. يصفه أحد النقاد بأنه 'ليس صوت الفلسفة' في الفيلم، بل هو 'المظهر' الذي يتناقض مع 'الحقيقة'. إنه يُدرّس كانط لكنه يقتل. يتحدث عن الأخلاق لكنه يبرر الجريمة. يستخدم لغة الفلسفة ('القاضي رجل سيء، العالم سيكون أفضل بدونه')، لكن دوافعه الحقيقية، كما يلاحظ ناقد آخر، عاطفية تماماً: الرغبة في استعادة الفحولة والشعور بالقوة. وكما أن مستطاع واجه 'صديق الحكمة' الذي ظل وفياً للمبادئ، يواجه آبي تلميذته جيل التي تختار 'المعرفة على الخيال'، وتشعر بالاشمئزاز حين تكتشف حقيقة أستاذها. في كلا الفيلمين، هناك شخصية تمثل صوت الفلسفة الحقيقي، الذي يرفض الانحراف ويحكم على المتفلسف."

ان المأساة الحقيقية لا تكون عندما يختفي الفلاسفة من جامعاتنا، بل تبدأ عندما يبقى أساتذة الفلسفة فيها بعد أن تغادرهم الفلسفة. فالحكمة لا تموت يوم تُحذف من المناهج، وإنما تموت يوم تتحول إلى خطاب يبرر ما كان ينبغي أن يدينه. ولذلك يبقى السؤال الذي يتركه لنا مستطاع وآبي معًا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: كيف نحمي الفلسفة... من المتفلسفين؟

***

عمرون علي

في المثقف اليوم