عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مصطفى غلمان: إمبراطوريات ما بعد الدولة

إن تأمل التحولات التي شهدتها منظومة الاتصال الدولية يكشف أن العالم دخل طورا جديدا من إعادة تشكيل السلطة، حيث لم يعد النفوذ يُقاس فقط بمؤشرات القوة العسكرية أو الاقتصادية، وإنما بامتلاك القدرة على إنتاج المعرفة، والتحكم في تدفقات المعلومات، وصياغة الوعي الجمعي. فقد أفرزت الثورة الرقمية فاعلين جدد في العلاقات الدولية، تصدرتهم الشركات التكنولوجية العملاقة، التي غدت تمارس أدوارا تتجاوز وظائفها التجارية لتندمج في الاستراتيجيات الكبرى للدول، بوصفها امتدادا لمصالحها السياسية والأمنية والاستخباراتية والاقتصادية.

 لقد أضحت شركات عملاقة معروفة إلى جانب شركات الاتصالات والأقمار الصناعية والحوسبة السحابية، فاعلا سياسيا موازيا للدول، بل إن بعضها يمتلك من البيانات والقدرات التحليلية والتأثير السلوكي ما يفوق ما تمتلكه حكومات كثيرة. ولم يعد الأمر يتعلق فقط بالسيطرة على الأسواق، وإنما بالتحكم في البنية التحتية للاتصال، من محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والأقمار الاصطناعية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وسلاسل أشباه الموصلات.

 إنها منظومة متكاملة تُدار بمنطق الهيمنة لا بمنطق الخدمة.  وقد تنبّه ميشيل فوكو إلى أن السلطة لا تُمارس بالقهر المباشر وحده، وإنما عبر إنتاج المعرفة وتنظيم الخطابات، غير أن عصر المنصات تجاوز هذا التصور نحو ما يمكن وصفه بـ"سلطة الخوارزمية"، حيث لم تعد المؤسسات تراقب الأفراد فحسب، بل أصبحت الخوارزميات تصوغ خياراتهم وتعيد هندسة ميولهم وتوقعاتهم. وهنا تتعزز أطروحة شوشانا زوبوف حول "رأسمالية المراقبة"، التي ترى أن البيانات الشخصية تحولت إلى مادة خام تُستثمر في التنبؤ بالسلوك الإنساني وتوجيهه، بما يخدم مصالح اقتصادية وسياسية متشابكة.

 ويزداد هذا المشهد تعقيدا عندما تتداخل الشركات التقنية مع المجمع الصناعي العسكري والأجهزة الاستخباراتية. فالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف إلى الوجوه والحوسبة السحابية وأنظمة الاتصالات الفضائية، أصبحت جميعها أدوات تدخل في صلب الأمن القومي للدول الكبرى، وفي إدارة النزاعات والحروب السيبرانية والتأثير في الانتخابات وصناعة الرأي العام العالمي. وهكذا، لم يعد الاتصال شأنا مدنيا خالصا، بل غدا امتدادا للاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية.

 أما دول الجنوب، فإنها تجد نفسها في الغالب داخل دائرة تبعية رقمية متفاقمة، لأنها تستهلك التكنولوجيا أكثر مما تنتجها، وتخزن بياناتها في بنى تحتية أجنبية، وتعتمد على منصات لا تخضع لسيادتها القانونية أو التقنية. وبهذا المعنى، فإن الاستعمار لم يعد يحتل الأرض بقدر ما يحتل الفضاء الرقمي، ولم تعد الهيمنة تُمارس عبر الجيوش وحدها، بل عبر تدفقات البيانات، والخوارزميات، والبروتوكولات التقنية، والمعايير التي تضعها القوى المهيمنة.

 إننا أمام انتقال من "الجغرافيا السياسية" إلى "الجيوبوليتيك الرقمي"، حيث أصبحت السيطرة على الكود والبيانات تعادل السيطرة على النفط والممرات البحرية في القرن العشرين.

 وقد أشار مانويل كاستلز إلى أن المجتمع الشبكي يعيد تشكيل السلطة وفق منطق تدفقات المعلومات، بينما يؤكد بيير بورديو أن الهيمنة تصبح أكثر رسوخاً عندما تتحول إلى عنف رمزي غير مرئي، وهو ما يحدث اليوم حين تُفرض نماذج ثقافية وقيم استهلاكية وأنماط تفكير عبر المنصات الرقمية، دون حاجة إلى الإكراه المباشر.

 أما نعوم تشومسكي فقد لفت إلى أن صناعة القبول لم تعد رهينة وسائل الإعلام التقليدية، بل انتقلت إلى فضاءات رقمية أكثر قدرة على الاستهداف الدقيق وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.  إن أخطر ما في هذا التحول ليس احتكار التكنولوجيا في ذاته، بل احتكار القدرة على تعريف الحقيقة وترتيب الأولويات وصناعة الذاكرة وتحديد ما ينبغي أن يُرى وما يجب أن يختفي.

 فحين تصبح الخوارزمية حارساً للمعرفة، وتغدو البيانات مصدراً للثروة والسيادة، فإن ميزان القوى العالمي ينتقل من امتلاك الموارد الطبيعية إلى امتلاك البنية التحتية الإدراكية للعالم. وعند هذه النقطة، لا يعود الصراع بين الشمال والجنوب مجرد تفاوت في التنمية، بل يصبح صراعاً على "سيادة الوعي"، حيث تتحدد مكانة الأمم بقدرتها على إنتاج المعرفة، وامتلاك البيانات وتطوير الذكاء الاصطناعي والتحكم في شبكات الاتصال، لا بمجرد امتلاك الثروات التقليدية.

 ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام الدول النامية لا يكمن في توسيع نطاق الولوج إلى التكنولوجيا فحسب، وإنما في بناء "سيادة رقمية" قادرة على حماية البيانات الوطنية، وتطوير البنى التحتية المستقلة وإنتاج المعرفة والخوارزميات وإرساء تشريعات تحكم العلاقة مع الشركات العابرة للقارات. فالمعركة المقبلة لن تكون على احتلال الأرض، بل على احتلال العقول؛ ولن تُحسم بالسلاح وحده، بل بامتلاك مفاتيح الاتصال، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على صياغة المعنى نفسه.

وفي هذا الأفق، يغدو الاتصال سؤالا فلسفيا عن السلطة والسيادة والحرية، قبل أن يكون مجرد تقنية لتبادل الرسائل.

*** 

د. مصطفـــى غَلْمـــان

في المثقف اليوم