في قصور النسيان وضرورة التجاوز المعرفي
"النسيانُ طورٌ وجوديٌّ خالقٌ للذاتِ الإنسانيةِ وبصمتها إلى جانب الذاكرة" (أحمد عويّز، إرادة الوعي الإنساني)
لكلّ كائن في هذه الحياة بصمة تميّزه بين الموجودات، ويتجلّى هذا التميّز في الأثر المتحقّق في الوجود، كذلك الأزمات الوجوديّة، لها بصمة وأثر في الكائن المنفعل، ويختلف هذا الأثر باختلاف الأزمة والظرف، فبعض الأزمات تشوّه بصمة الكائن في الوجود، فتنحدر به أو تسمو به، وبين هاتين الثنائيتين (الانحدار والسمو) يبرز الأثر الفاعل لثنائية (الذاكرة والنسيان) سواء بكونهما إراديين أو لا إراديين.
الخلق فعلٌ وجوديٌّ مستمر، وهو جوهر الحياة، ونقيضه الموت تمامًا، ويجدر بي أن أبيّن مقصدي من الخلق والحياة والموت هنا، فأنا لا أعني بهذه الكلمات فعلها البايولوجيّ، إنّما الإبستملوجيّ، والحياة بصورتها الكليّة تتجلّى في الحركة، انطلاقًا من حركة الدّم في جوف الإنسان إلى حركة الأفلاك في السماء، والموت هو التوقّف، كذلك لو أخذنا هذه المعاني في جانبها الإبستملوجيّ، فالإنسان كائن منفعل بطبيعته، وهذا الانفعال القائم على الحركة الشعوريّة الداخليّة بغض النظر عن مسببه النفسي أو الحسّي، إنّما يكون باعثًا على الموت أو الحياة، عبر الحركة أو الركود.
الإنسان بصفته كائنًا حيًّا يتردد بين وجوديّته البشريّة ووجوديّته الإنسانيّة، وأعني بالبشريّة هنا الوجود البايولوجيّ، بينما الإنسانيّة تعني الوجود المعرفي، والوجود الأول محدود بالتمدد المادي، والذي ينصهر في الوجود بعد توقف حركة الدم فيه، بينما الوجود الثاني فله الأثر الدائم بحسب حركة أثره، وأعني بحركة الأثر هنا هو التأثير المستمر في البصمات الأخرى، أي يكون سببًا في ولادة بصمات جديدة كما سيتضح لاحقًا.
إنّ الأزمات الوجوديّة تمثّل مرحلة توقف وصدمة للكائن الإنسانيّ، وهذه الصدمة إمّا أن تكون قاتلة أو باعثة، ويتجلى أثرها القاتل – سواء كانت قاتلة أو باعثة - في جانبين، الأوّل: الركود والتوقف عند أثرها السام، وهو عجز الكائن الإنسانيّ على التجاوز، والثّاني: يتمثّل في تجاوزها القهري، فالأثر الباعث على الحياة قد يسبب ركودا في انقضائه، بينما يتجلّى أثرها في الباعث في جانبين كذلك، الأوّل: القدرة على التجاوز السلبيّ (النسيان)، والثّاني: التجاوز الإيجابيّ (الذاكرة)، وهو تقبّل هذا التجاوز ليكون استحضاره لاحقًا باعثًا على الحياة.
إنّ البصمة الإنسانيّة الفريدة للكائن البشري يمكن أن تتلوث تلوثًا خطيرًا بالأزمات الوجوديّة، مما تصيّر الكائن البشري بشريًّا ميتًا، أو متوحشًا، فاقدًا لكلّ معاني الإنسانيّة، وليستعيد هذا الكائن الحياة، لا بدّ له من التجاوز (بالنسيان) سواء كان هذا النسيان بإرادته أو بطبعه، كذلك النقيض لهذه الأزمات، تلك المواقف التي تبعث في الإنسان حياة سامية عند استحضارها (بالذاكرة)، فهذه الثنائية (النسيان، الذاكرة) تخلق بصمة جديدة، أو تسهم في تطويرها، أو استمراريتها في الوجود، بشقيه البشري والإنساني، ولكن قد تبدو هذه النظرة نظرةً مثاليّة للوجود، فالإنسان مهما تناسى لا بدّ أن تمارس الذاكرة عليه فعلًا مضادًّا، فتبعث الأزمة من جديد، بصرف النظر عن السبب وراء هذا البعث، سواء كان إراديًّا أو العكس، فقد تُبعث الأزمات بأزمات لاحقة، وحتّى النسيان ولا سيما ذلك المتحقق بالطبع، قد يُبعث بأزمات لاحقة، فهي كامنة في اللاوعي الإنسانيّ، ولا يمكن قهرها بأيّ شكل من الأشكال.
إنّ النسيان رغم تحقّقه بصوره المتعددة، لا يمكن أن يخلق بصمة مستقرّة في الوجود، وأعني من جهة الكائن الفرد، فالأثر المنسي للأزمات الوجوديّة يجد المنفذ دائمًا ليظهر، بالباعث الوجودي المستمر في الحياة، لذلك لا بد للإنسان أن يتجاوز النسيان نفسه - وربما أعارض أستاذي (أحمد عويّز) في هذه القضيّة – إلى تقبّل هذا الأثر المتجدّد، بضبط انفعالاته الناتجة.
إنّ ضبط الانفعالات الناتجة عن آثار الأزمات يضع الكائن الإنسانيّ أمام خطر وجوديّ، وربّما هو عين التوحّش الذي يشير إليه الأستاذ الدكتور أحمد عويّز، مما أفضى به الحال إلى ضرورة النسيان أو التناسي، ولكنني أرى ثمَّة حلّ أنجع، وهو التجاوز المستمر، فأوّلًا تجاوز الأزمة فأثرها ثمّ ثانيًا: تجاوز التقبّل نفسه، ويكون ذلك بإعادة خلق الأثر للأزمة، فالأزمات الوجوديّة مهما بلغ سمّها في الكائن البشري (أو الإنساني) يمكن بانضباطه المعرفي أن يعيد خلق هذا الأثر ليكون باعثًا للحياة، وفي هذه الحال، تبدو الأزمات الوجودية صورة حقيقية للحياة، على العكس من نقيضتها، فهذه الأزمات لا تخلق وهمًا بل تخلق شعورًا عميقًا بالوجود.
***
حيدر مجيد اليعقوبي - كليّة الآداب / جامعة الكوفة








