عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

من مقالة فردريك انجلز: كيف لا يجوز ترجمة ماركس

ترجمة واعداد د. فالح الحمراني

عن الاعمال الكاملة لماركس وانجلز بالروسية

***

لقد كان دافعي وراء ترجمة هذا القسم من مقالة إنجلز المهمة، هو لفت انتباه المهتمين بفكر ماركس من العرب إلى مدى دقة ترجمة أعماله الصادرة باللغة العربية، والتساؤل عمّا إذا كان هناك شخص -أو الأفضل فريق- قد نهض بمهمة مراجعة تلك الترجمات وتطبيقها مع النسخ الاصلية، ونحت او استحداث المصطلحات الدقيقة والمكافئة التي تعبّر عن فكر ماركس، وترتقي إلى إسلوبه الذي وصفه إنجلز في مقالته، وهل يتمتع مترجمو ماركس حقا بالمستوى المطلوب وفقاً للمعايير التي وضعها إنجلز؟ إن هذا الموضوع مطروح للنقاش الجاد والواسع.

وكان من الضروري معالجة مشكلة قراءة وترجمة المصطلحات الأساسية لماركس بشكل كافٍ. ولا بد أن يؤدي حلها إلى مراجعة جذرية للمصطلحات الفلسفية الماركسية كما هي سائدة في الدراسات الماركسية العربية والأجنبية. لم يعد من الممكن اليوم قراءة ماركس من خلال التصنيفات والقوالب الجامدة التي لا تمت بصلة إلى ماركس نفسه. ومع ذلك، تُستخدم هذه التصنيفات والقوالب النمطية الراسخة بصدق ليس فقط من قبل نقاد الماركسية، بل أيضاً من قبل الماركسيين أنفسهم، دون إدراك أن هذا ليس من الماركسية. نلاحظ أنه في بعض الحالات، لا يمكن ترجمة بعض مفاهيم ماركس، حتى عند وضعها في سياق اقتصادي، إلى كلمات ذات دلالات صناعية تقنية واضحة، لأن ذلك سيحجب المعنى الفلسفي والأنثروبولوجي، بل وحتى الوجودي في بعض النواحي، لمصطلحات ماركس. في ضوء كل هذا، يبدو لنا أن ثمة حاجة ملحة اليوم ليس فقط لترجمات جديدة لأعمال المفكر الألماني الرئيسية، بل أيضًا لإعادة نظر جذرية في فلسفته برمتها.

أود أن اكرر السؤال الذي طرحه فريدريك إنجلز تحديدًا في ختام مقالته، فيما يتعلق بترجمات نصوص ماركس: "لنا الحق في أن نسأل:

هل تفهم ما تقرأ؟".

كيف لا يجوز ترجمة ماركس؟

يُعدّ المجلد الأول من كتاب "رأس المال" ملكيةً عامة فيما يخصّ ترجمته إلى اللغات الأجنبية. لذا، وعلى الرغم من معرفة الأوساط الاشتراكية الإنجليزية بإعداد ترجمة رسمية تحت إشراف القائمين على أعمال ماركس الأدبية، فإنه لا يحق لأحد الاعتراض حال صدور ترجمة أخرى دقيقة قبلها.

لقد نُشرت الصفحات الأولى من ترجمة جون برود هاوس في عدد أكتوبر من مجلة "توداي"، وأؤكد جازماً أنها بعيدة كل البعد عن الأمانة في نقل النص؛ إذ يفتقر السيد برود هاوس إلى المؤهلات المطلوبة لترجمة أعمال ماركس.

 لترجمة كتاب كهذا، لا تكفي معرفة جيدة باللغة الألمانية الأدبية. يستخدم ماركس بحرية تعابير من الحياة اليومية وعبارات اللهجات المحلية؛ وقد صاغ كلمات جديدة، واستعار أمثلته من جميع مجالات العلوم،

ومن مراجعه من آداب عشرات اللغات؛ لفهمه، يجب إتقان اللغة الألمانية إتقانًا تامًا، تحدثًا وكتابةً، بالإضافة إلى معرفة شيء عن الحياة الألمانية. مثال على ذلك: عندما كان عدد من طلاب السنة النهائية في جامعة أكسفورد يجدفون في قارب بأربعة مجاديف عبر مضيق دوفر، ذكرت تقارير صحفية أن أحدهم " catch a crab". مراسل صحيفة "كولنيش" في لندن (يعني حرفياً «اصطياد السلطعون»، وبالمعنى المجازي — «غمس المجداف في الماء بعمق شديد»).

لقد أخذ هذه الكلمات حرفياً، وأبلغ صحيفته بضمير حيّ بأن "سرطاناً علق بمجداف أحد المجدفين". وإذا كان رجلٌ عاش في لندن لسنوات طويلة يرتكب مثل هذا الخطأ الفادح والمضحك عند مصادفته مصطلحات تقنية خارج نطاق تخصصه، فما الذي نتوقعه من شخصٍ يمتلك معرفة متواضعة بالألمانية ويُقدم على ترجمة أحد أصعب كتّاب النثر الألمان؟ سنرى بالفعل أن السيد برودهاوس بارع في "التلاعب بالألفاظ". غير أن المترجم في هذه الحالة يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك؛ فماركس من بين الكتّاب المعاصرين الذين يتميزون بأسلوب حيوي وموجز، ونقل هذا الأسلوب بدقة يتطلب معرفة تامة ليس بالألمانية فحسب، بل بالإنجليزية أيضاً.

ورغم أن السيد برودهاوس يبدو صحفياً كفؤاً، إلا أن إلمامه بالإنجليزية لا يتجاوز المعايير الأدبية العادية؛ فهو يتقنها لأغراضه الخاصة، لكنها ليست الإنجليزية المطلوبة لترجمة "رأس المال". تتطلب ترجمة الألمانية إلى الإنجليزية أسلوباً معبراً يستغل أفضل موارد اللغة، ويستدعي ابتكار مصطلحات إنجليزية مقابلة للمصطلحات الألمانية المستحدثة. ولكن عندما يواجه السيد برودهاوس هذه التحديات، فإنه لا يفتقر إلى الموارد فحسب، بل يفتقر أيضاً إلى الجرأة. إذ يُرعبه أدنى توسع في مخزونه المحدود من التعابير المبتذلة، أو أي ابتكار يتجاوز اللغة الإنجليزية المألوفة للأدب اليومي؛ وبدلاً من المجازفة، يترجم الكلمات الصعبة بمصطلحات غامضة لا تُزعجه لكنها تحجب معنى المؤلف، أو الأسوأ من ذلك، أنه يترجمها -في حال تكرارها- بسلسلة من المصطلحات المختلفة، متناسياً أن المصطلح التقني يجب أن يُترجم دائماً بمكافئ ثابت. وهكذا، يترجم في عنوان القسم الأول "Wertgrosse" إلى "مدى القيمة"، متجاهلاً أن "Grosse" مصطلح رياضي محدد يعادل "المقدار" أو "الكمية"، بينما تحمل كلمة "مدى" دلالات أخرى كثيرة. وهكذا يضيع حتى ابتكار بسيط مثل "وقت العمل".

يواجه مصطلح "وقت العمل" (Labor-time) -كمقابل لـ "Arbeitszeit"- صعوبات في الترجمة؛ إذ تُرجم إلى: 1) "العمل الزمني" (timelabor)، وهو مصطلح قد يعني العمل المأجور بالساعة أو العمل القسري (الأشغال الشاقة)، 2) "وقت العمل" (time of working)، 3) "وقت العمل" (labor-time)، و4) "فترة العمل" (Arbeitsperiode) - وهو مصطلح يستخدمه ماركس في المجلد الثاني بمعنى مختلف تماماً. وبما أن "فئة" وقت العمل تُعد من أهم الفئات في الكتاب بأكمله، فإن تشتيت ترجمتها بين أربعة مصطلحات مختلفة في أقل من عشر صفحات أمرٌ لا يُغتفر. يبدأ ماركس بتحليل السلعة، باعتبارها في المقام الأول شيئاً نافعاً يمكن النظر إليه من منظور نوعي أو كمي. فكل سلعة هي مزيج من خصائص متعددة تجعلها مفيدة من جوانب مختلفة، واكتشاف هذه الجوانب وطرق استخدام الأشياء هو مسألة تطور تاريخي، وكذلك الأمر بالنسبة للبحث عن مقاييس اجتماعية للجانب الكمي من تلك الأشياء. وتُحدد الاختلافات في مقاييس السلع جزئياً بطبيعة الأشياء نفسها، وجزئياً بشكل اعتباطي. ويوضح السيد برودهاوس ذلك قائلاً: "إن اكتشاف هذه الجوانب المختلفة، والأشكال المتنوعة لمنفعة الشيء، هو مسألة وقت. ولذلك، فإن البحث عن مقياس اجتماعي للجانب الكمي للأشياء المفيدة هو مسألة وقت أيضاً، بينما يُحدد الاختلاف في كتلة السلع جزئياً بطبيعتها المختلفة"...الخ

***