عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أكرم عثمان: بين الواقع والشاشة.. كيف تعيد وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل الهوية الرقمية؟

شهد العالم خلال العقدين الماضيين تحولاً رقمياً متسارعاً غير طبيعة العلاقات الاجتماعية وأنماط التعبير عن الذات، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ركناً أساسياً من الحياة اليومية للأفراد، ومنصة رئيسة لبناء الصورة الشخصية والتفاعل الاجتماعي والمهني. ولم تعد الهوية الفردية مرتبطة فقط بالواقع المباشر، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي الذي يتيح للأفراد تقديم أنفسهم بصورة انتقائية ومنمقة تعكس ما يرغبون ويتمنون أن يكونوا عليه بعيداً عنا يلاقونه ويتعرضون له في حياتهم من صعوبات أو تحديات تهدد نجاحاتهم وتحقيق ذواتهم بشكل ملائم ومناسب. وهكذا ظهرت الهوية الرقمية بوصفها تمثيلاً افتراضياً للذات يتشكل من خلال المحتوى المنشور، وطبيعة التفاعلات معه، والصورة الذهنية التي يبنيها الفرد يود أن يعيش أبعادها وأطرافها عبر المنصات الرقمية.

تتكون الهوية الرقمية من مجموعة العناصر التي يقدمها الفرد عبر حساباته عبر وسائل التوصال الاجتماعي المختلفة مثل فيس بوك، انستجرام، تويتر، لينكد إن، تيك توك وغيرها، مثل الصور الشخصية، والمنشورات، والفيديوهات، والتعليقات، وطبيعة اللغة المستخدمة، وأنماط التفاعل مع الآخرين. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه العناصر لتشكل تصوراً عاماً لدى المتابعين حول شخصية الفرد، واهتماماته، وقيمه، ومكانته الاجتماعية أو المهنية. ومن هنا تصبح وسائل التواصل الاجتماعي أداة لإدارة الانطباع الشخصي والاجتماعي والوظيفي المهني، حيث يسعى الأفراد إلى تقديم صورة إيجابية تعزز القبول الاجتماعي والانتماء لدى الآخرين.

وقد أسهمت طبيعة المنصات الرقمية في تعزيز هذا التوجه، إذ توفر أدوات متعددة للتحكم في طريقة عرض الذات، مثل اختيار الصور الأكثر جاذبية، وإبراز اللحظات الإيجابية والسعيدة من حياتهم، ونشر النشاطات والإنجازات الشخصية أو الاجتماعية والمهنية. في المقابل، يميل كثير من المستخدمين إلى إخفاء الجوانب السلبية أو التحديات اليومية والصعوبات التي تواجههم، مما يؤدي إلى بناء صورة رقمية مثالية تختلف بدرجات متفاوتة عن الواقع الفعلي المعاش. ومع تكرار هذه الممارسات، تبدأ الهوية الرقمية في التحول إلى نسخة محسنة ومعدلة من الذات، تعكس التوجهات والطموحات والرغبات والتوقعات الاجتماعية أكثر مما تعكس التجربة الواقعية التي يعيشها الأفراد حقيقة.

تلعب التفاعلات الرقمية دوراً مهماً في تعزيز هذه الهوية، حيث يحصل المستخدم على تغذية راجعة فورية من خلال الإعجابات والتعليقات والمشاركات من قبل المشاركين والأصدقاء عبر منصته. ويؤدي هذا التعزيز الاجتماعي إلى تشجيع الأفراد على الاستمرار في تقديم المحتوى الذي يحظى بقبول أكبر وثناء ومديح من الآخرين، ما يدفعهم إلى إعادة تشكيل حضورهم الرقمي باستمرار. ومع الوقت، قد يصبح الفرد أكثر اهتماماً بكيفية ظهوره أمام غيره، مقارنة بتركيزه على تجربته الواقعية، الأمر الذي يعزز ظاهرة إدارة الانطباع الاجتماعي في البيئة الرقمية.

كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة للمقارنة الشخصية والاجتماعية أو المهنية، حيث يتعرض الأفراد يومياً لصور النجاح والسعادة والإنجاز لدى الآخرين. هذه المقارنات قد تؤدي إلى شعور بعض المستخدمين بأن حياتهم أقل جودة أو أقل نجاحاً  وأقل سعادة منهم، رغم أن المحتوى الرقمي غالباً ما يكون انتقائياً ويعكس الجانب الإيجابي فقط دون أن يسلط الضوء على سلبياتهم والأخطاء التي يقعون فيها. ونتيجة لذلك، يسعى بعض الأفراد إلى تحسين صورتهم الرقمية لمجاراة الآخرين ونيل الأعجاب والقبول منهم، مما يعزز دائرة بناء الهوية الافتراضية المثالية التي تسعى نحو الكمال، ويزيد من الفجوة الكبيرة بين الواقع الوجاهي والصورة الرقمية الأفتراضية.

من جهة أخرى، توفر المنصات الرقمية مساحة للتعبير عن الذات بصورة أكثر حرية مقارنة بالتفاعلات الواقعية المباشرة، الأمر الذي يدفع بعض المستخدمين إلى تبني هويات رقمية تختلف عن شخصياتهم الواقعية. فقد يظهر الفرد أكثر جرأة في التعبير عن آرائه وأفكاره ومشاعره، أو أكثر انفتاحاً وحرية في تفاعلاته، أو أكثر نجاحاً في عرض إنجازاته ونشاطاته اليت يقوم بها. هذه الهويات الرقمية قد تمنح المستخدم شعوراً بالتمكين والثقة والشعور بالراحة، لكنها قد تخلق أيضاً حالة من الازدواجية بين الذات الحقيقية والذات الرقمية المطروحة.

ورغم التحديات المرتبطة ببناء الهوية الرقمية المثالية، فإن لهذه الظاهرة جوانب إيجابية مهمة. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد فرصة التعبير عن أنفسهم، وبناء شبكات علاقات واسعة، وعرض مهاراتهم وخبراتهم، وتعزيز حضورهم المهني والاجتماعي والشخصي. كما ساعدت في تمكين الأفراد من مشاركة تجاربهم، والتفاعل مع مجتمعات افتراضية تشترك في الاهتمامات والقيم نفسها. إلا أن الاستخدام غير المتوازن لهذه المنصات قد يؤدي إلى التركيز على الصورة والمظهر أكثر من الجوهر، وعلى الانطباع أكثر من الواقع.

إن التوازن بين الهوية الرقمية والهوية الواقعية أصبح قضية مهمة في ظل الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي في الحياة اليومية. فكلما زادت الفجوة بين ما يقدمه الفرد رقمياً وما يعيشه فعلياً، زادت احتمالية الشعور بالضغط والتوتر النفسي أو التناقض الداخلي. في المقابل، يسهم الاتساق بين الهوية الرقمية والواقعية في تعزيز الشعور بالأصالة، وبناء علاقات اجتماعية أكثر مصداقية، وتحقيق رضا شخصي أعلى.

في النهاية، لم تعد الهوية الرقمية مجرد امتداد للهوية الواقعية، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في تشكيلها. ويجد الأفراد أنفسهم اليوم في مساحة بين الواقع والشاشة، يعيدون من خلالها تعريف ذواتهم وبناء حضور اجتماعي يعكس طموحاتهم وتصوراتهم. ويبقى التحدي الأساسي في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتعبير الصادق عن الذات، دون الوقوع في فخ المثالية الرقمية، بحيث تعكس الهوية الرقمية حقيقة الفرد، لا صورة مثالية بعيدة عن الواقع.

***

د. أكرم عثمان

8-4-2026