قضايا

زهير الخويلدي: الشعوب المضطهدة في العالم الإسلامي والوطن العربي

بين الهجمة الصهيوامبريالية والتخلف الثقافي للرجعيات

أثناء التحولات الجيوسياسية والثقافية التي تشهدها المنطقة العربية والإسلامية، تظل قضية الشعوب المضطهدة – سواء كانت أقليات قومية أو طائفية أو مجتمعات مهمشة أو شعوب تحت الاحتلال – واحدة من أعمق الجراح التي تُمزق نسيج الهوية والكرامة الإنسانية. هذه الشعوب، التي تشمل الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، والأكراد في عدة دول، والبربر في شمال أفريقيا، والأقليات الدينية في بعض الدول، والنساء والشباب تحت أنظمة قمعية، تجد نفسها محاصرة بين مطرقة الهجمة الخارجية – التي يمكن تسميتها بالصهيونية-الإمبريالية كتعبير عن التحالف بين المشروع الاستيطاني الإسرائيلي والتدخلات الغربية – وسندان التخلف الثقافي الداخلي للرجعيات، سواء كانت أنظمة استبدادية علمانية أو تيارات إسلامية متطرفة أو هياكل اجتماعية تقليدية جامدة. هذه المقاربة الأكاديمية تكشف عن جدلية معقدة: فالضغط الخارجي يُفاقم الضعف الداخلي، بينما يُستغل التخلف الثقافي الداخلي كذريعة لتبرير الهيمنة الخارجية. إنها ليست مجرد سرد تاريخي، بل تحليل إبستمولوجي واجتماعي-سياسي يستند إلى نظريات ما بعد الاستعمار والنقد الثقافي، ليبين كيف أن الشعوب المضطهدة تصبح ضحية مزدوجة، وكيف يمكن أن يصبح الوعي بهذه الجدلية نقطة انطلاق لتحرر حقيقي.

تبدأ جذور هذه الازدواجية في مرحلة الاستعمار الكلاسيكي والحديث. منذ القرن التاسع عشر، شكلت الإمبريالية الغربية – البريطانية والفرنسية ثم الأمريكية – إطاراً لتقسيم المنطقة وفقاً لمصالحها الاستراتيجية، كما حدث في اتفاقية سايكس-بيكو (1916) التي رسمت الحدود الوطنية الحديثة بطريقة تجاهلت التنوع العرقي والطائفي. هذا التقسيم أنتج دولاً هشة، مما مهد لصعود حركات قومية وإسلامية ردت على الاستعمار، لكنها غالباً ما تحولت إلى أنظمة استبدادية. أما المشروع الصهيوني، الذي بلغ ذروته بإقامة دولة إسرائيل عام 1948، فقد مثل نموذجاً استيطانياً كولونيالياً حديثاً، حيث تم تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين في النكبة، واستمر الاحتلال للأراضي الفلسطينية كتعبير عن «الصهيونية» كحركة قومية توسعية مدعومة إمبريالياً. إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» (1978) يُحلل كيف أن الخطاب الغربي صوّر العرب والمسلمين كـ«الآخر» المتخلف الذي يحتاج إلى «حضارة» خارجية، مما برر التدخلات المتكررة، ودعم الاحتلال الإسرائيلي كـ«ديمقراطية» في «محيط معادٍ».

هذه الهجمة الصهيونية-الإمبريالية لا تقتصر على الاحتلال المباشر، بل تمتد إلى سياسات اقتصادية وثقافية تُعمق التبعية. في فلسطين، يستمر النظام الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة كشكل من أشكال «الأبارتهايد» الذي وثّقته منظمات حقوقية دولية، حيث يُحرم الفلسطينيون من الحقوق الأساسية في الأرض والمياه والحركة. أما في الدول العربية والإسلامية الأخرى، فإن التدخلات الغربية – من غزو العراق 2003 إلى دعم أنظمة معينة ضد «الربيع العربي» – ساهمت في تفكيك الدول وصعود الجماعات المتطرفة، مما زاد من معاناة الأقليات الذين يواجهون تهميشاً ثقافياً ولغوياً. هذه الهجمة الخارجية ليست مجرد عسكرية، بل ثقافية أيضاً، حيث تُروّج الإعلام الغربي صورة «الإسلام المتخلف» لتبرير السيطرة، كما أشار فرانز فانون في تحليله للاستعمار كعملية نفسية وثقافية تُفرض على المستعمَر.

في المقابل، يُشكل التخلف الثقافي للرجعيات الداخلية الجانب الآخر من المعادلة، وهو ليس أقل خطراً. الرجعيات هنا تشمل الأنظمة الاستبدادية التي تحولت إلى «دولة أمنية» بعد الاستقلال، والتيارات الإسلامية المتطرفة التي تُحوّل الدين إلى أداة قمع، والحساسيات الثقافية التقليدية التي تُكرس التمييز ضد الأقليات والنساء. في دول مثل سوريا والعراق واليمن، أدى الاستبداد السياسي إلى قمع الأكراد والشيعة والسنة المعارضين، حيث يُستخدم الطائفية كأداة حكم. أما التيارات السلفية المتطرفة، كما في بعض مناطق اليمن أو شمال أفريقيا، فتُفرض تفسيرات جامدة للإسلام تُكبت الحريات وتُهمش التنوع الثقافي، مما يُعمق التخلف الثقافي ويجعل المجتمعات أكثر عرضة للتدخل الخارجي. عبد الله العروي في أعماله حول «الأيديولوجيا العربية» يصف هذا التخلف كـ«جمود حضاري» ناتج عن رفض النقد الذاتي والانفتاح على الحداثة دون التنكر للتراث.

 الجدلية بين العاملين تظهر بوضوح في حالات محددة. في فلسطين، يجمع الاحتلال الإسرائيلي بين الضغط الخارجي والضعف الداخلي للسلطة الفلسطينية والانقسامات السياسية. أما الأكراد، فيعانون من قمع تركي وسوري وعراقي داخلي، بينما يُستغل الوضع من قبل قوى خارجية. في دول الخليج، يُهمش البدون (العديمو الجنسية) أو الأقليات الشيعية تحت ذريعة «الأمن القومي»، مما يُعزز من التبعية الخارجية. هذا التفاعل يُنتج «صدمة مزدوجة»: الشعوب تفقد الثقة في الذات والآخر، فتنتشر اللامبالاة أو التطرف كرد فعل.

في الختام، إن الشعوب المضطهدة في العالم الإسلامي والوطن العربي لا تُحاصر بقوة خارجية فقط، بل بتخلف داخلي يُعيق التحرر الحقيقي. السبيل إلى الخروج يكمن في نقد ذاتي جريء يجمع بين مقاومة الهيمنة الخارجية وإصلاح الثقافة الداخلية، مستلهماً من تراث النهضة العربية ومبادئ حقوق الإنسان الكونية. هذا ليس حلاً رومانسياً، بل ضرورة وجودية لإعادة بناء مجتمعات قادرة على الصمود والتقدم.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.........................

المراجع الرئيسية:

سعيد، إدوارد. (1978). الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب.

فانون، فرانز. (1961). معذبو الأرض. ترجمة سامي الدروبي. دمشق: وزارة الثقافة.

العروي، عبد الله. (1974). الأيديولوجيا العربية المعاصرة. بيروت: دار الطليعة.

في المثقف اليوم