قضايا

هاني جرجس: العنف في المدارس.. فهم الظاهرة وبناء استراتيجيات الحد منها

يشكّل العنف في المدارس إحدى الإشكاليات التربوية الأكثر تعقيداً في العصر الحديث، نظراً لتداخل أسبابه وتشابكها بين الجوانب الأسرية والنفسية والتربوية والاجتماعية. وتؤكد التقارير الدولية أن ملايين الطلاب حول العالم يتعرضون سنوياً لأشكال من الاعتداء البدني أو اللفظي أو النفسي أو الرقمي داخل بيئاتهم التعليمية، وهو ما يجعل هذه الظاهرة تهديداً مباشراً لسلامة الطلاب النفسية وتقدّمهم الأكاديمي، ولقدرة المدرسة على أداء رسالتها التربوية في بيئة آمنة. ومن خلال تحليل أعمق، يتّضح أن العنف المدرسي لا ينشأ من فراغ، بل هو نتاج منظومة متداخلة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتربوية التي تشكّل شخصية الطالب وتحدد طريقة تعامله مع الضغوط والتحديات اليومية.

إن تأثير البيئة الأسرية يظل أحد أهم العوامل المؤثرة في تكوين السلوك العدواني لدى الأطفال. فالطفل الذي يعيش في أسرة يسودها التوتر والصراعات، أو يشهد ممارسات عنيفة، أو يعاني من الإهمال العاطفي، غالباً ما يفتقد آليات التعامل الصحي مع المشكلات، فيلجأ إلى العنف باعتباره وسيلة للتعبير أو الدفاع أو فرض الذات. كما أن الأساليب التربوية القائمة على العقاب البدني أو الإذلال أو المقارنات القاسية تزرع في الطفل شعوراً بعدم الأمان والانتقاص، ما يجعله ميّالاً إلى ممارسة السلوك العدواني داخل المدرسة كردّ فعل انعكاسي. ولا يمكن إغفال أثر الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها بعض الأسر، إذ تؤدي هذه الضغوط إلى زيادة التوتر داخل المنزل وإضعاف قدرة الوالدين على المتابعة والتواصل مع الأبناء، فينشأ الطفل في بيئة لا توفر له القدر الكافي من الدعم العاطفي والاستقرار النفسي.

أما المدرسة بوصفها البيئة الثانية للطالب، فهي تؤدي دوراً متناقضاً؛ فقد تكون مكاناً للنمو والتطور، وقد تصبح في غياب التخطيط والتوجيه ساحة للعنف والصراع. فالمدارس التي تفتقر إلى سياسات واضحة للسلوك والانضباط، أو التي يسودها غموض في الإجراءات وآليات التعامل مع المشكلات، تصبح بيئة خصبة للعنف. كذلك فإن الاكتظاظ في الفصول، وضعف الرقابة في الممرات والساحات، وغياب الأنشطة اللامنهجية التي تساعد الطلاب على تفريغ طاقاتهم بطريقة إيجابية، كلها عوامل تزيد من احتمالية الاحتكاكات والصراعات بين الطلاب. ويُضاف إلى ذلك تأثير العلاقة بين الطلاب والمعلمين، إذ تؤكد الأدلة أن المعلم الذي يتبع أسلوباً قاسياً، أو يمارس تمييزاً أو يسخر من الطلاب، يُسهم بشكل غير مباشر في تشجيع السلوك العدواني بينهم، بينما يسهم المعلم الذي يتمتع بالعدل والحزم والاحترام في بناء بيئة مدرسية آمنة تقل فيها معدلات العنف.

وتُظهر الدراسات المتخصصة أن العوامل النفسية لها أهمية كبيرة في تفسير الظاهرة. فبعض الطلاب يعانون من مشكلات في التنظيم الانفعالي أو لديهم صعوبات في ضبط الغضب أو يتميزون بمستويات عالية من الاندفاعية دون تلقي الدعم النفسي المناسب، مما يجعلهم أكثر استعداداً للجوء إلى العنف في مواقف التوتر. كما أن الطلاب الذين يعانون من مشاعر الدونية أو الإقصاء أو الوصم الاجتماعي غالباً ما يبحثون عن طرق لتعويض هذا الشعور من خلال فرض الهيمنة على الآخرين أو اكتساب مكانة اجتماعية داخل المجموعة باستخدام القوة. ويرتبط هذا بالضرورة بدور ضغط الجماعة المدرسية، حيث قد يلجأ الطالب للعنف فقط ليحظى بقبول أو اعتراف من زملائه.

وتكتسب الظاهرة بعداً جديداً مع تطور التكنولوجيا، حيث أصبح التنمّر الإلكتروني أحد أخطر أشكال العنف التي يصعب كشفها أو احتواؤها. فالعنف الرقمي يتميز باستمراريته وانتشاره وسهولة ممارسته دون مواجهة مباشرة، مما يسمح للمعتدي بأن يمارس ضغطاً نفسياً كبيراً على الضحية عبر الصور أو المقاطع أو الرسائل المسيئة. ويضاعف العالم الرقمي من معاناة الطلاب، لأن آثار الإساءة لا تتوقف عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى المنزل والفضاء الشخصي للطفل، وهو ما يجعل هذا النوع من العنف أكثر وطأة وتهديداً للصحة النفسية.

أما عن الآثار المترتبة على العنف المدرسي، فإنها تتجاوز حدود الضرر المباشر وقد تمتد لسنوات. فالطلاب المتعرضون للعنف يعانون غالباً من القلق المزمن، والشعور بالتهديد، وتراجع تقدير الذات، وظهور أعراض اكتئابية، وربما اضطرابات سلوكية. وينعكس هذا على تحصيلهم الدراسي الذي يتراجع نتيجة ضعف التركيز، والخوف من المشاركة الصفية، والغياب المتكرر عن المدرسة. كما تخلق ظاهرة العنف بيئة مدرسية مشوهة يسودها التوتر والقلق وعدم الانتماء، ما يؤدي إلى انخفاض الروح المعنوية بين الطلاب والمعلمين، وتراجع جودة التعليم. وعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي انتشار العنف إلى تآكل العلاقات بين الطلاب، وظهور مجموعات متصارعة، واتساع فجوة الثقة بين الطلاب وإدارة المدرسة. وتشير الدراسات الطويلة المدى إلى أن الطلاب الذين يمارسون العنف أو يتعرضون له في سن مبكرة قد يكونون أكثر عرضة لاحقاً للسلوك الإجرامي أو العنف الأسري أو الانخراط في أنشطة غير قانونية، ما يشير إلى ضرورة التدخل المبكر لمنع امتداد السلوك العدواني إلى المراحل اللاحقة من الحياة.

وتقتضي مواجهة هذه الظاهرة اعتماد رؤية شاملة لا تقتصر على العقاب التقليدي، بل تمتد إلى معالجة الجذور النفسية والاجتماعية والسلوكية. ومن أبرز الأساليب الفعالة بناء ثقافة مدرسية قائمة على الاحترام المتبادل، وتطبيق سياسات واضحة للسلوك والانضباط، وتوفير برامج تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية التي تُمكّن الطلاب من إدارة غضبهم، وتحسين تواصلهم، وحل النزاعات بشكل سلمي. كما يتطلب الأمر تعزيز دور المرشد النفسي والاجتماعي في المدرسة، وتدريب المعلمين على اكتشاف مؤشرات العنف المبكر، والتعامل مع الطلاب بطرق تربوية تدعم النمو النفسي المتوازن. ولا يمكن إغفال دور الأسرة؛ فهي شريك أساسي في التصدي للظاهرة من خلال بناء علاقات إيجابية مع الأبناء، ومراقبة سلوكهم الرقمي، والتعاون مع المدرسة لمتابعة المشكلات السلوكية. ويُضاف إلى ذلك أهمية إشراك المجتمع المحلي والجمعيات المتخصصة في تقديم حملات التوعية وبرامج الدعم.

إن بناء مدرسة آمنة خالية من العنف هو مشروع تربوي ومجتمعي طويل المدى يتطلب تخطيطاً واعياً وتعاوناً متكاملاً بين مختلف الأطراف. فالمدرسة ليست مجرد مكان للتعلم الأكاديمي، بل هي بيئة تُشكّل شخصيات المستقبل، وإذا كانت هذه البيئة غير آمنة أو مليئة بالخوف، فإن مخرجاتها ستكون بالضرورة مُحاطة بالتوتر والاضطراب. ولذلك فإن الاستثمار في مكافحة العنف المدرسي هو استثمار في جودة التعليم، وفي الصحة النفسية للطلاب، وفي بناء مجتمع متوازن قادر على العيش في سلام، بعيداً عن دوائر العنف التي تتغذى على الإهمال واللامبالاة.

***

أ.د. هاني جرجس عياد

استاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية - الجامعة الإسلامية بولاية منيسوتا – الولايات المتحدة الأمريكية (المركز الرئيسي

في المثقف اليوم