قضايا
حاتم حميد محسن: طريقة الفلاسفة حول نقد "الجانب الاخر"
في التسعينات من القرن الماضي لاحظ المحامي الأمريكي مايك جودوين كم هو شائع انخراط الناس في الجدال على الانترنيت واتهام بعضهم البعض بالنازية بصرف النظر عن طبيعة الموضوع. هذه الملاحظة التي يُشار لها الان بـ قانون جودوين Godwin’s Law أصبحت قاعدة أساسية في الانترنيت. صيغتها الرسمية، طبقا للويكيبديا كالتالي:
عندما يمتد النقاش على الانترنيت لفترة أطول، تزداد احتمالية مقارنة الفرد بهتلر او أي نازي آخر.
مع ان قانون جودوين صيغ قبل ثلاثين سنة، لكننا عندما نتصفح منصات التواصل الاجتماعي لعشر دقائق سنجد القانون لازال يعمل. ما بدأ كملاحظة طريفة في التسعينات تطور الى ادانة لاذعة لأكبر قنوات الاتصال السائدة في تاريخ البشرية. وبدلا من العمل المشترك لإيجاد حل، يبدو ان العديد من الناس في الاونلاين هم اكثر اهتماما "بالفوز" في الجدال وانهم يصفون خصومهم بالشر المطلق.
مهما كان الشخص المتحفز بالاعجابات والمشاركات فهو يسعى وبأقل عدد من الكلمات الى إهانة العدو بتغريدة جذابة تمنحه اشادة حماسية من جماعته. ان استحضار النازية هو احد الطرق لكن هناك كلمات أخرى تلعب دورا مشابها مثل كلمة فاشي او شيوعي.
ماذا تعني أي من هذه الكلمات؟ لا يهم. انها تُستعمل في الغضب والإزدراء، جميعها تدل على نفس الشعور: "انت نازي/فاشي/شيوعي، الناس خطرون، وحمقى لا يُرتجى منهم أي خير. انت خضعت لغسيل دماغ، وتتحدث كشخص لم يتعرض لذلك، انا لا ارغب الاستماع الى كلمة أخرى مما لديك لتقوله".
بالطبع، القبلية وُجدت قبل الانترنيت بوقت طويل، الانترنيت فقط يمكّن القبائل لتنمو اكبر ولترسم حدودها بشكل اكثر وضوحا من خلال الخطابة. لو اردنا نتجنب تبادل الاتهامات الجماعية البشعة، احدى ردود الأفعال سيكون الانسحاب من الفضاءات التي تحدث فيها تلك الاتهامات. نبقى بعيدين عن التواصل الاجتماعي ومنتديات الاخبار وأقسام التعليق، ونعيش حياتنا حرة من الخطاب اللامعقول وغير المتزن.
هنا تأتي عبارة جورج برناردشو: "لا تتصارع مع خنزير. كلاكما ستصيبكما القذارة، والخنزير يحب ذلك". انها نصيحة سليمة عندما يبدو النقاش بحسن نية مستحيلا. لكن اذا كانت مخاطر النقاش عالية، فان الانسحاب ربما يكون غير مسؤول. تصحيح هذه الرؤية بالذات يُعد امرا هاما. ماذا نعمل اذن؟ كيف نوفق بين الفجوات في العقيدة والرأي؟ كيف ننخرط بشكل أفضل مع أولئك الذين نختلف معهم؟
الفلاسفة كانوا لقرون يجادلون مع بعضهم حول موضوعات مشحونة عاطفيا: كيف ننظم المجتمع، ماذا نؤمن، كيف نعيش. في هذا الشأن برز دليل او مرشد للتفاعل يساعد في تقدم النقاشات بدون إراقة مفرطة للدماء، هذا الدليل يساعدنا كيف نتعامل مع الاختلافات في مجالات أخرى، سواء كانت سياسية او دينية او اجتماعية او اقتصادية. لنأخذ هذا المقطع الشهير من جون ستيوارت مل في عمله (حول الحرية) عام 1859:
ذلك الذي يعرف فقط جانبه في القضية لا يعرف الاّ القليل من ذلك. مبرراته ربما جيدة، ولا احد ربما كان قادرا على دحضها. لكن اذا كان غير قادر على دحض المبررات في الجانب المضاد، فهو لا يمتلك أساسا للتفضيل .. ولا يكفي ان يسمع رأي خصومه من اساتذته كما يعرضونه، مصحوبا بما يقدمونه من ردود. هو يجب ان يكون قادرا ليسمع ذلك من اشخاص يؤمن حقا بهم. هو يجب ان يعرفهم بشكلهم الأكثر معقولية وحضورا. الفيلسوف اللاحق دانيال دينيت أيضا أكّد على أهمية الفهم الحقيقي والدقيق لرؤية الخصم.
في عمله (مضخات الحدس والأدوات الأخرى للتفكير) عام 2013، يلخص دانيت قائمة من القواعد دعا لها منظّر المباراة اناتول رابوبورت – قائمة يشارك بها أساتذة الفلسفة للسنة الأولى مع طلابهم:
كيف تؤلف تعليقا نقديا ناجحا:
1- يجب ان تعيد التعبير عن هدفك بوضوح شديد، وبحيوية .
2- يجب ان تضع قائمة بأي نقاط للاتفاق .
3- يجب ان تذكر أي شيء تعلمته من هدفك
4- حينذاك فقط يُسمح لك بالرد او النقد.
هذا الاتجاه لا يحترم فقط خصومك ككائنات بشرية، انه أيضا يحوّلهم الى اشخاص اكثر تقبلا للنقد. اذا كان شخص ما يقوم بجهد منصف في فهم رؤيتك والتعبير عنها ، سيكون امرا مزيلا للتوتر حالا. منظورك جرى احترامه. و جرى الاستماع لك. وانت الان ستعمل مع محاورك بنجاح، اذا لم يكن حلا، على الأقل سيكون نقطة خلاف متفق عليها حضاريا. لكن بالطبع، توقّع هذا المستوى من المقبولية المدروسة في الانترنيت غير المنظم ربما هو امر ساذج. حتى الفلاسفة لا يؤمنون به – العديد من الاعمال الشهيرة تزخر بأمثلة استثنائية للقدح والذم. هنا مثال عن شوبنهاور حول هيجل، من كتابه (العالم كإرادة وتمثيل، جزء 11)، كتبه قبل وقت طويل من الانترنيت:
(هيجل، كفيلسوف كبير ذو رأس مسطح، غير مشوّق، مقرف، امي دجال، وصل قمة الجرأة في كتابته وتقديمه لأكثر الهراء جنونا وغموضا.)
حتى رموز التفكير العقلاني تستمتع بالنقد اللاذع. في الحقيقة، نحن جميعنا بشر، فينا ضعفنا، ولدينا نقاط عمياء ونغضب. مشاركتنا مل ودانيت في قواعد التفاعل سوف لن يغير ذلك. وبينما لن تُحل مشكلة كل الانترنيت بنصيحتهما، لكن من خلال الاحتفاظ بهذه القواعد في الذهن نحن نجعل خلافاتنا اكثر ودية وبنّاءة.
على أقل تقدير، نحن نستطيع انجاز فرق من خلال تجسيد التغيير الذي نريد رؤيته في العالم، ونحاول التعامل مع الناس ذوي الرؤى المختلفة بحساسية ولباقة. في النهاية، كل شخص على هذا الكوكب هو ضعيف كونه في بحث دائم عن الحياة الجيدة. من خلال التعامل مع الآخر بهدوء وبالإستماع الى منظورات الآخرين المتفردة والثمينة، وعبر الحفر تحت الخطاب السطحي وتجريد الأشياء بإعادتها الى المبادئ الأولى، سنكتشف حالا اننا نمتلك أرضية مشتركة اكثر مما نتصور.
***
حاتم حميد محسن






