قضايا
ليلى تباني: مارتن هايدجر.. الفلسفة والعاطفة
لم يتحدث الفيلسوف الألماني الكبير" مارتن هايدغر" عن السعادة بالمعنى التقليدي المرتبط بالمتعة أو الرضا النفسي، بل نظر إليها كحالة نابعة من الوعي العميق بالوجود. الإنسان عند هايدجر ليس مجرد كائن يفكر أو يشعر، بل كائن "هنا" في العالم (Dasein)؛ أي موجود بوعي كامل بما حوله، متصل بزمنه ومحيطه، ومسؤول عن خياراته ووجوده. السعادة الحقيقية عنده لا تتحقق من التسلية أو الممتلكات، بل من القدرة على العيش حياة أصيلة وواعية بالموت وبالحرية الفردية.
إدراك الموت هو حجر الزاوية في فلسفة هايدغر، فهو يحرر الإنسان من الروتين والعادات، ويجعل وجوده ذا معنى. يقول في Being and Time: "Confronting death is the possibility of authentic existence." بمعنى أن مواجهة حقيقة الموت تمنح الإنسان فرصة ليعيش أصيلًا. هذا المفهوم يتقاطع مع الفكر الإسلامي، الذي يعتبر الموت واقعًا حتميًا: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ" (آل عمران: 185)، ويدعو الإنسان إلى وعي مسؤول بحياته، والسعي لتحقيق الغاية من وجوده.
هايدغر يميز بين الحياة الأصيلة والحياة غير الأصيلة، حيث تمثل الحياة الأصيلة مواجهة الإنسان لذاته، واختيار قراراته بحرية واعية، بعيدًا عن التقليد والسطحية. والفكر الإسلامي يشبه هذا المفهوم، إذ يشجع على التفكر والوعي بالمسؤولية الفردية أمام الله: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ" (الأنبياء: 7)، مؤكداً أن الاختيار الواعي والالتزام بالقيم الأخلاقية هما أساس حياة صادقة.
الوجود مع الآخرين أيضا عنصر مهم في فلسفة هايدغر، فالإنسان موجود اجتماعيا، لكن علاقاته تصبح أصيلة إذا كانت صادقة وواعية. وفي الإسلام، يحثّ الدين على الصدق والإحسان مع الناس: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا" (البقرة: 83). هذا يشير إلى تقاطع واضح بين الفلسفة الوجودية والحياة الإسلامية في أهمية العيش بصدق ووعي داخل المجتمع.
أما عن الحب، فإن حياة هايدغر الشخصية تكشف جانبا إنسانيا وعاطفيًا. تزوج من إليزه شولتز عام 1917 ولديه ابنة واحدة، لكنه عاش الحب بطريقة فلسفية وعميقة؛ فهو يعشق الوجود نفسه والأفكار والمعنى والطبيعة، كما يظهر في اهتمامه بالمشي في الغابات والتأمل في الفن واللغة، وكتبه مثل Being and Time و_Introduction to Metaphysics_ و_Poetry, Language, Thought_ تعكس هذا العشق للوجود والفكر. يمكن القول إن حبه كان حبًا وجوديًا وفلسفيًا، حيث يلتقي العاطفي بالواعي، والإنساني بالمعنوي.
يمكن اعتبار فلسفة هايدغر حول السعادة والحياة والحب بأنها العيش الأصلي والواعي مع الذات والعالم، مواجهة الموت، اختيار الحرية، وتقدير الوجود بصدق وعمق. وهذا يتقاطع مع الفكر الإسلامي الذي يؤكد على المسؤولية أمام الله، الوعي بالموت، السعي للحياة الصادقة، والعلاقات الإنسانية المبنية على الصدق والإحسان. كلاهما يدعونا إلى فهم أعمق للوجود، وجعل حياتنا مليئة بالمعنى، سواء على المستوى الفردي أو الروحي أو الاجتماعي.
***
ليلى تباني - الجزائر






