قضايا

زهير الخويلدي: الإنسان وليد ظروفه ولكنه يظل أسير أفكاره أيضاً

مقدمة: في عمق الوجود الإنساني، يبرز الإنسان ككائن معقد يتشكل من تفاعل ديناميكي بين الخارج والداخل، حيث يُعتبر نتاجاً مباشراً للظروف المحيطة به، تلك الظروف التي تشمل البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية التي يولد فيها وينمو. هذه الظروف ليست مجرد خلفية سلبية، بل هي قوى تشكيلية تُحدد مسارات الحياة، فالطفل الذي ينشأ في أحياء الفقر المدقع يتعلم الصراع منذ الصغر، يصبح مقاوماً للشدائد لكنه قد يحمل جروحاً نفسية تجعله يرى العالم من منظور الشك والحذر، بينما الشاب الذي يترعرع في بيئة الرفاهية قد يطور مهارات الابتكار والثقة بالنفس، إلا أنه قد يفقد القدرة على التعاطف مع الآخرين الذين لم ينعموا بمثل هذه الفرص. فكيف يتشكل الانسان؟ وماهي ظروف تشكله وتكون أفكاره؟

ظروف تشكل الانسان

هذا التشكيل البيئي يذكرنا بكيفية أن الإنسان ليس كائناً مستقلاً تماماً، بل هو نتاج تراكمي للتجارب الخارجية، حيث تؤثر الظروف الاقتصادية في تشكيل الطموحات، ففي مجتمعات الركود الاقتصادي يصبح البقاء هو الهدف الأسمى، بينما في اقتصاديات النمو السريع يصبح الطموح اللامحدود سمة أساسية، وهكذا يصبح الإنسان وليداً لظروفه، يتكيف معها ويتعلم منها، لكنه في الوقت نفسه يحاول أن يتجاوزها، محاولاً رسم مصيره بيده.

مع ذلك، فإن هذا التشكيل الخارجي لا يمثل الصورة الكاملة، إذ يظل الإنسان أسيراً لأفكاره، تلك الأفكار التي تتجاوز الظروف المادية لتصبح سجناً داخلياً يحد من حريته الحقيقية. الأفكار هنا ليست مجرد أدوات تفكير عابرة، بل هي بنى نفسية عميقة تشكل الإدراك والسلوك، فالإنسان الذي يعاني من ظروف قاسية قد يطور أفكاراً سلبية تكبله، مثل الاعتقاد بأن النجاح مستحيل أو أن العالم مكان معادٍ، مما يجعله يدور في حلقة مفرغة من اليأس، حتى لو تغيرت ظروفه الخارجية. هذا الأسر يظهر بوضوح في حالات الاكتئاب أو القلق المزمن، حيث تتحول الأفكار إلى أغلال غير مرئية، تجعل الإنسان يرى الفرص كتهديدات، والنجاحات كوهم، فالفرد الذي نجا من حرب أو كارثة طبيعية قد يحمل في ذهنه صوراً مرعبة تجعله يعيش في خوف دائم، حتى في أوقات السلام، مما يؤكد أن الظروف تخلق الإنسان، لكن الأفكار تحبسه داخل نفسه. هذا التوتر بين الولادة من الظروف والأسر في الأفكار يعكس طبيعة الإنسان ككائن مزدوج، حيث يتأثر بالخارج لكنه يعيد تفسير هذا التأثير من خلال مرشحات ذهنية، فالأفكار ليست نتاجاً سلبياً فقط، بل هي أيضاً أدوات للتغيير، إلا أنها غالباً ما تتحول إلى عوائق إذا لم يتم التعامل معها بوعي.

في سياق اجتماعي أوسع، يظهر هذا المفهوم في كيفية أن المجتمعات تشكل أفرادها من خلال الظروف الثقافية والتاريخية، فالشعوب التي مرت بفترات استعمار طويلة غالباً ما تولد أجيالاً تحمل أفكاراً عن الذات كضحية، مما يجعلها أسيرة لماضيها حتى بعد الاستقلال، حيث تظل الأفكار عن التبعية والضعف تحد من التقدم، رغم تغير الظروف السياسية. هنا، يصبح الإنسان وليداً لتاريخه الجماعي، يرث الظروف كتراث، لكنه يظل محاصراً بأفكار موروثة تحول دون الابتكار، فالفرد في مجتمع محافظ قد ينشأ في ظروف تفرض عليه قيماً تقليدية، لكنه إذا طور أفكاراً متمردة، يصبح في صراع داخلي، أما إذا بقي أسيراً للأفكار السائدة، فإنه يعيد إنتاج الظروف نفسها للأجيال القادمة. هذا الدور الدوري يبرز في الظواهر النفسية مثل التحيزات المعرفية، حيث تؤدي الأفكار المتحيزة إلى تفسير الظروف بطريقة تؤكد تلك الأفكار، مما يجعل الإنسان سجيناً في فقاعته الذهنية، فمثلاً، الشخص الذي يعاني من ظروف عمل قاسية قد يطور فكرة أن النجاح يأتي فقط من خلال الاستغلال، مما يمنعه من البحث عن فرص أفضل، وهكذا يظل أسيراً لأفكاره رغم إمكانية تغيير الظروف.

من الناحية النفسية، يعمق هذا المفهوم فهم الإنسان ككائن يعيش في توازن هش بين التأثير الخارجي والداخلي، حيث تُشكل الظروف الشخصية مثل التربية الأسرية أو التجارب المبكرة الأساس للأفكار، لكن هذه الأفكار تتطور لتصبح مستقلة نسبياً، قادرة على إعادة تشكيل الواقع. الإنسان الذي يولد في ظروف من العنف الأسري قد يصبح عنيفاً بدوره، أسيراً لأفكار عن السلطة كوسيلة للبقاء، أو قد يطور أفكاراً عن السلام كوسيلة للتحرر، مما يجعله يغير ظروفه، لكن في كثير من الحالات، يظل الأسر الذهني قائماً، كما في حالات الاضطرابات النفسية حيث تتحول الأفكار إلى هاجس يسيطر على الحياة، فالفنان الذي يعيش في ظروف الفقر قد يطور أفكاراً عن الفن كوسيلة للخلاص، لكنه إذا أصبح أسيراً لفكرة الكمال، قد يدمر نفسه قبل أن يحقق إنجازه. هذا يؤكد أن الإنسان، رغم كونه وليداً لظروفه، يحتاج إلى وعي ذاتي ليتحرر من أسره الذهني، فالتأمل والتعليم يمكن أن يكونا أدوات لإعادة تشكيل الأفكار، تحولها من أغلال إلى أجنحة، لكن بدون ذلك، يبقى الإنسان في صراع دائم، يتأرجح بين ما فرضته الظروف وما حبسته الأفكار.

في المجال الفلسفي، يتردد هذا المفهوم في أفكار كثير من المفكرين، حيث يُرى الإنسان كنتاج للظروف الاجتماعية التي تُحدد وجوده، لكنه في الوقت نفسه يمتلك حرية داخلية محدودة بأفكاره، فالحرية الحقيقية ليست في تغيير الظروف فقط، بل في تغيير النظرة إليها، مما يجعل الأفكار سجناً إذا كانت سلبية أو بوابة للتحرر إذا كانت إيجابية. الإنسان في ظروف الثورات الاجتماعية يصبح ثائراً، لكنه إذا بقي أسيراً لأفكار الانتقام، قد يعيد إنتاج الظلم نفسه، بينما إذا طور أفكاراً عن العدالة، يمكن أن يبني مجتمعاً أفضل. هذا التوازن يجعل الإنسان كائناً تراجيدياً، وليداً لعالمه الخارجي لكنه أسير لعالمه الداخلي، وفي هذا الصراع يكمن جوهر الوجود الإنساني، حيث يسعى دائماً للتوفيق بين ما هو مفروض وما هو ممكن، محاولاً التحرر من كلا الجانبين ليصبح سيد مصيره الحقيقي.

الجوانب النفسية لمفهوم الإنسان

في أعماق النفس البشرية، يتجلى الإنسان ككائن يتشكل من خلال تفاعل معقد بين الظروف الخارجية والعوالم الداخلية، حيث تُعتبر الظروف البيئية والاجتماعية والعاطفية الرحم الذي يولد منه الشخصية، لكن الأفكار تتحول تدريجياً إلى سلاسل غير مرئية تحد من حركته النفسية. من منظور نفسي، يُرى الإنسان كوليد لظروفه، فالتجارب المبكرة في الطفولة، مثل التربية الأسرية أو التعرض للصدمات، تشكل الأساس للنمط النفسي، حيث يتعلم الطفل كيفية التعامل مع العالم من خلال هذه الظروف، فإذا نشأ في بيئة مليئة بالدعم العاطفي، يطور آليات دفاعية إيجابية تجعله مرناً أمام التحديات، أما إذا واجه إهمالاً أو عنفاً، فإن هذه الظروف تخلق جروحاً نفسية تؤثر على بنية الذات، مما يجعله عرضة للقلق أو الاكتئاب في مراحل لاحقة من الحياة. هذا التشكيل النفسي ليس عشوائياً، بل هو عملية تكيفية تُشبه آلية التعلم الشرطي، حيث تربط الظروف بين المحفزات الخارجية والاستجابات الداخلية، فالإنسان الذي يعاني من فقر مدقع في صغره قد يطور خوفاً من الفقدان يجعله يتمسك بالممتلكات بشكل مرضي، حتى لو تحسنت ظروفه المادية، مما يبرز كيف أن الظروف ليست مجرد حدث عابر، بل هي بذور تنبت في اللاوعي لتشكل الشخصية الأساسية. مع ذلك، فإن هذا الولادة النفسية من الظروف لا تكتمل دون الاعتراف بالأسر الذي تفرضه الأفكار، إذ تتحول الأفكار إلى هيكل داخلي يسيطر على الإدراك والسلوك، مما يجعل الإنسان سجيناً في قفص ذهني من صنعه. من الناحية النفسية، تُعتبر الأفكار جزءاً من الآليات المعرفية، حيث تعمل كمرشحات تفسر الواقع، فإذا كانت الأفكار مشوهة بسبب تجارب سابقة، مثل الاعتقاد بأن "أنا غير كفء" الناتج عن فشل دراسي في الطفولة، فإنها تحول دون الاستفادة من فرص جديدة، حتى لو تغيرت الظروف إلى الأفضل، مما يؤدي إلى حالة من الجمود النفسي. هذا الأسر يظهر بوضوح في نظرية التحيزات المعرفية، حيث تميل الأفكار إلى تأكيد نفسها ذاتياً، فالإنسان الذي يرى نفسه ضحية لظروفه قد يركز فقط على الأحداث السلبية، متجاهلاً الإيجابيات، مما يعزز من حلقة اليأس والعزلة، وهكذا يصبح أسيراً لأفكاره التي تحول الظروف الخارجية إلى سجن داخلي، حتى في أوقات الازدهار. على سبيل المثال، الشخص الذي نجا من صدمة نفسية كبيرة، مثل فقدان عزيز، قد يطور أفكاراً عن العالم كمكان غير آمن، مما يجعله يعيش في حالة من اليقظة المفرطة، رغم أن الظروف الفعلية قد أصبحت مستقرة، وهذا يعكس كيف أن الأفكار ليست مجرد انعكاس للظروف، بل هي كيان مستقل يمكن أن يتجاوزها ويسيطر عليها. في سياق الاضطرابات النفسية، يتعمق هذا المفهوم ليصبح أداة تفسيرية للعديد من الحالات، فالإنسان وليد ظروفه في تشكل الاضطرابات مثل اضطراب ما بعد الصدمة، حيث تكون الصدمة الخارجية السبب المباشر، لكن الأفكار المتكررة عن الذنب أو الخوف تحولها إلى أسر دائم، مما يجعل العلاج يركز على إعادة هيكلة هذه الأفكار من خلال العلاج المعرفي السلوكي، الذي يساعد في تحرير الإنسان من أسره الذهني. هنا، يبرز التوتر النفسي بين الولادة والأسر، فالظروف تخلق الشقوق في الذات، لكن الأفكار تملأها بسموم تحولها إلى جروح مزمنة، كما في حالات الاكتئاب السريري حيث يولد الاكتئاب من ظروف مثل الفقدان أو الإجهاد المزمن، لكن الأفكار السلبية عن الذات والعالم والمستقبل، كما وصفها آرون بيك، تجعل الإنسان أسيراً في دوامة من اليأس، حتى لو تحسنت الظروف الخارجية، مما يؤكد أن النفس البشرية ليست مجرد رد فعل سلبي، بل هي نظام ديناميكي يعيد إنتاج الواقع من خلال أفكارها. كذلك، في مجال النمو النفسي، يظهر هذا المفهوم في مراحل التطور، فالطفل وليد لظروف عائلته التي تشكل هويته، لكن في مرحلة المراهقة، تتحول الأفكار عن الاستقلال إلى أداة للتحرر أو الأسر، إذ إذا كانت الأفكار مشبعة بالشك الذاتي، يبقى الشاب أسيراً لماضيه رغم تغير ظروفه. من منظور نفسي اجتماعي، يمتد هذا التوازن إلى كيفية أن الظروف الجماعية تشكل الأفراد، ففي مجتمعات تعاني من النزاعات أو الفقر، يولد الإنسان مع ميل نفسي للصمود، لكن الأفكار الجماعية عن الضعف أو الظلم تحول هذا الصمود إلى أسر، مما يؤدي إلى ظواهر مثل الاكتئاب الجماعي أو القلق المجتمعي، حيث يصبح الإنسان أسيراً لأفكار موروثة تحول دون الابتكار أو التغيير. هذا يظهر في دراسات علم النفس الثقافي، حيث تختلف كيفية تعبير الأفكار عن الذات بين الثقافات، ففي الثقافات الجماعية، قد تكون الظروف الاجتماعية أقوى في التشكيل، لكن الأفكار عن الالتزام بالجماعة تحول الفرد إلى أسير للتقاليد، بينما في الثقافات الفردية، تمنح الظروف حرية أكبر، لكن الأفكار عن النجاح الفردي قد تؤدي إلى عزلة نفسية. في كل الحالات، يظل الإنسان في صراع نفسي داخلي، يحاول التوفيق بين ما فرضته الظروف وما حبسته الأفكار، وهنا تكمن أهمية الوعي النفسي، الذي يمكن أن يحول الأفكار من أغلال إلى أدوات للنمو، من خلال ممارسات مثل التأمل أو العلاج، حيث يتعلم الإنسان كيفية إعادة صياغة أفكاره ليتحرر من أسره، محولاً ظروفه إلى فرص للتطور بدلاً من قيود. فماهي علاقة متشابكة في تشكيل الذات والسلوك؟

الذكاء العاطفي والأفكار

في قلب التجربة الإنسانية، يقف الذكاء العاطفي كجسر حيوي بين العالم الداخلي للمشاعر والعالم الخارجي للأفكار والأفعال، فهو ليس مجرد قدرة على التعرف على المشاعر وإدارتها، بل هو أداة عميقة تؤثر مباشرة في كيفية توليد الأفكار، تفسيرها، وتوجيهها نحو مسارات بناءة أو مدمرة. يُعرف الذكاء العاطفي، كما طوره دانيال جولمان، بأنه القدرة على إدراك العواطف الذاتية والآخرين، فهمها، استخدامها لتسهيل التفكير، وإدارتها لتحقيق أهداف إيجابية، وهذا التعريف يكشف عن ارتباط وثيق بالأفكار، إذ تُولد المشاعر أفكاراً، وتُشكل الأفكار بدورها مشاعر جديدة في حلقة مستمرة من التفاعل الديناميكي. عندما يمتلك الإنسان وعياً عاطفياً عالياً، يصبح قادراً على ملاحظة كيف تؤثر عواطفه على أفكاره، فالغضب قد يولد أفكاراً انتقامية أو دفاعية، بينما الفرح يفتح أبواب التفكير الإبداعي والتفاؤل، وهنا يبرز الذكاء العاطفي كحارس يمنع سيطرة العواطف السلبية على مسار التفكير، محولاً الطاقة العاطفية إلى وقود للتفكير المنطقي والإيجابي.

الجانب الأول في هذه العلاقة يكمن في الوعي الذاتي، وهو الركن الأساسي للذكاء العاطفي، إذ يتيح للفرد التعرف على مشاعره في اللحظة ذاتها، وفهم كيف تؤثر هذه المشاعر على تدفق أفكاره. الشخص ذو الذكاء العاطفي المرتفع لا يترك العاطفة تتحكم في أفكاره بشكل أعمى، بل يلاحظها كظاهرة منفصلة، فيقول لنفسه مثلاً: "أشعر بالقلق الآن، وهذا القلق يجعلني أفكر في أسوأ السيناريوهات"، مما يمنحه مسافة نفسية لإعادة تقييم الأفكار بدلاً من الاستسلام لها. هذا الوعي يمنع تشكل التحيزات المعرفية السلبية، مثل التفكير الكارثي أو التعميم الزائد، اللذين غالباً ما ينبعان من عواطف غير مدارة، فالخوف قد يولد أفكاراً عن "الفشل المحتوم"، لكن الذكاء العاطفي يتدخل ليحول هذا الخوف إلى حذر بناء يدفع نحو حلول عملية. بهذا المعنى، يصبح الذكاء العاطفي أداة لإدارة الأفكار غير المباشرة، إذ يساعد في كسر الحلقات السلبية التي تربط بين العاطفة والفكرة المشوهة، مما يفتح المجال لتفكير أكثر توازناً وواقعية. من جهة أخرى، تؤثر الأفكار بدورها في تعزيز أو إضعاف الذكاء العاطفي، فالأفكار الإيجابية والمتفائلة تغذي مشاعر الثقة والأمل، مما يجعل الإنسان أكثر قدرة على التعاطف مع الآخرين وإدارة علاقاته، بينما الأفكار السلبية المزمنة، مثل "أنا غير كفء" أو "الآخرون دائماً يخذلونني"، تحول دون الوعي العاطفي وتجعل الفرد أسيراً لردود فعل انفعالية. هنا يظهر دور الذكاء العاطفي في إعادة صياغة الأفكار، من خلال التنظيم الذاتي الذي يسمح بتهدئة العواطف أولاً، ثم استبدال الأفكار السلبية بأخرى أكثر توازناً، كما في تقنيات العلاج المعرفي السلوكي التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمبادئ الذكاء العاطفي. الشخص الذكي عاطفياً يستخدم عواطفه كإشارات لفحص أفكاره، فإذا شعر بالحزن، يسأل نفسه: "ما هي الأفكار التي أدت إلى هذا الحزن؟ هل هي واقعية أم مبالغ فيها؟"، وهذا التساؤل يحول العاطفة من عدو إلى حليف في عملية التفكير الناقد. في سياق العلاقات الاجتماعية، يبرز الارتباط بين الذكاء العاطفي والأفكار بشكل أوضح، إذ يتيح الوعي الاجتماعي فهم مشاعر الآخرين، مما يساعد في تعديل الأفكار عنهم بدلاً من الحكم السريع. الشخص ذو الذكاء العاطفي لا يفترض نوايا سلبية بناءً على عاطفة لحظية، بل يفكر في السياق العاطفي للآخر، فيقول: "ربما يكون غاضباً بسبب ضغط عمله، وليس بسببي"، وهذا يولد أفكاراً أكثر تعاطفاً ويقلل من الصراعات. كذلك، في إدارة الضغوط، يساعد الذكاء العاطفي في استخدام العواطف لتحفيز التفكير الإبداعي، فالتوتر المدار يمكن أن يصبح دافعاً لأفكار حلول مبتكرة، بينما التوتر غير المدار يولد أفكاراً جامدة وتجنبية. هذا التوازن يجعل الإنسان قادراً على تحويل العواطف إلى طاقة تفكيرية إيجابية، مما يعزز الإنتاجية والرضا الذاتي.

خاتمة

في النهاية، يظل هذا المفهوم دعوة للتأمل في طبيعتنا المزدوجة، حيث نولد من الظروف لنعيش أسرى أفكارنا، لكن في الوعي تكمن مفتاح التحرر، يفتح أبواباً نحو حياة أكثر حرية وإبداعاً. كما يعمق الجانب النفسي لهذا المفهوم فهم الإنسان ككائن مزدوج الطبيعة، وليد لظروفه التي تبني أساسه، لكنه أسير لأفكاره التي تحدد حدوده، وفي هذا التوتر يكمن سر الوجود البشري، حيث يسعى الإنسان دائماً نحو التوازن، مستخدماً الوعي كمفتاح للتحرر، ليصبح ليس مجرد رد فعل للخارج، بل مبدعاً لعالمه الداخلي، قادراً على تجاوز الظروف وإعادة تشكيل أفكاره نحو حياة أكثر سلاماً وإنجازاً. هذا المنهج النفسي ليس مجرد تحليل، بل دعوة للتأمل في أعماق الذات، حيث يمكن أن يتحول الأسر إلى حرية إذا تم التعامل مع الأفكار بذكاء عاطفي، مما يجعل الإنسان سيد مصيره النفسي الحقيقي. لذلك يمثل الذكاء العاطفي مفتاحاً لتحرير الإنسان من أسر أفكاره السلبية، إذ يمنحه القدرة على مراقبة التفاعل بين المشاعر والأفكار، وتوجيهه نحو نمو شخصي مستدام. بدون ذكاء عاطفي، تبقى الأفكار عرضة لسيطرة العواطف الخام، مما يؤدي إلى دوامات من القلق أو الاكتئاب، أما معه، فيصبح التفكير أكثر مرونة وإبداعاً، والحياة أكثر توازناً وانسجاماً. هذه العلاقة ليست مجرد آلية نفسية، بل هي جوهر القدرة على العيش بحكمة، حيث يتحول الإنسان من رد فعل لعواطفه وأفكاره إلى صانع واعٍ لمصيره الداخلي، مستخدماً الذكاء العاطفي كبوصلة توجه الأفكار نحو السلام الداخلي والعلاقات الإيجابية. فماهي الطرق المعرفية العلاجية السلوكية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم