قضايا
فؤاد لوطة: الضجيج بدل المعنى.. قراءة في عصر التفاهة
لم يعد الإعلام وسيطًا للمعرفة، بل أداة لإعادة تشكيل الوعي في اتجاه مناوئ للعقل. فسياسات الميديا السائدة تعمل بوعي منهجي على خفض قيمة التفكير النقدي، ورفع منسوب التفاهة والجنون الرمزي، من خلال الإثارة والتسطيح وصناعة الوهم بدل البحث عن الحقيقة.
هذا الانحراف ليس عارضًا ولا بريئًا، بل يندرج ضمن منطق الهيمنة الرمزية؛ حيث يُقصى العقل ويُستبدل بالمؤثّر السطحي، ويُمنح أصحاب الفراغ ملايين المتابعين، لأنهم الأقدر على إدارة القطيع لا على إيقاظ الوعي.
تراجع الوعي، واستفحال التفاهة، وانحطاط الذوق العام، لا يعود إلى قصور القدرات العقلية بقدر ما يرتبط بإعادة تشكيل الإنسان ذاته داخل منظومة استهلاكية ضاغطة. ففي سياق تغمره المثيرات السريعة والصادمة والمحتوى المرئي التافه، يتبلّد الحسّ الجمالي تدريجيًا، ويفقد العقل القدرة على التذوق العميق والتمييز النوعي.
وقد نبّه فرويد إلى أن هيمنة مبدأ اللذة الفورية تُضعف وظائف الضبط النفسي، فتتراجع الحاجة إلى المعنى لصالح الإشباع العاجل. وعلى المستوى الاجتماعي، لم تعد الثقافة أداة لتشكيل الوعي وبناء الذات، بل تحوّلت إلى سلعة تُنتج على نطاق واسع وفق منطق السوق. وحين يُختزل الفن والفكر في منطق المنتَج، يصبح الهدف الانتشار والكمّ، لا الارتقاء والقيمة.
اليوم، لم يعد يهم ما تقول بقدر ما يهم عدد الذين أعجبوا بك. تحوّلت الصورة إلى حقيقة، والصوت العالي إلى معرفة، والوجه الجميل إلى فكرة. عصر أعاد تعريف القاع، قاعًا لا يُرى لأنه يعلو، ويتصدّر، ويصفّق له الجميع.
القيم لم تعد تُقاس بالمعنى، بل بعدد المتابعين، ولم يعد الوعي معيارًا للجدارة، بل قدرة التافه على إثارة الضجيج في فراغ بلا جدران. نحن في زمن غلب فيه الهامش المتن، وضاعت فيه الفكرة بين مؤثرات بصرية ومؤثرين بلا أثر.
إنه عصر الصعاليك الجدد؛ ليس أولئك الذين تمردوا على السلطة قديمًا بحثًا عن الحرية، بل الذين باعوا كل شيء مقابل ضجيج لحظي، واستبدلوا الفكر بالمؤثرات، والمضمون بالتصفيق، والوجود بالظهور.
لسنا نغرق في التفاهة فحسب، بل نصفّق ونحن نهوي. لقد تجاوزت التفاهة كونها سلوكًا عابرًا لتصبح هوية عامة، وثقافة سائدة، ومنهج حياة. والمؤلم أن مظاهر هذا الانحدار تتصدر المشهد، عبر سباق محموم نحو السطحيات وهروب جماعي من المعنى، والمسؤولية، وأي مساءلة للذات.
أي مجتمع هذا الذي حوّل مشكلاته الأسرية إلى عروض مفتوحة على منصات التواصل؟ تُنتهك الخصوصية علنًا، وتُهدر حرمة البيوت، وكأن الستر لم يعد قيمة، ولا الحياء مبدأ، ولا العيب عيبًا. والأخطر أن الجمهور يتغذّى على هذه الانتهاكات؛ يعطّل عقله، ويهدر وقته، ويتلذّذ بانهيار حياة الآخرين. هذه ليست متابعة عابرة، بل تواطؤ أخلاقي.
ولم تقف التفاهة عند هذا الحد، بل تسلّلت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وقدّمت نفسها بوصفها “ترندًا” أو “مواكبة للعصر”. تحوّلت الأماكن الخاصة إلى مسارح استعراض، تُختزل فيها القيمة الإنسانية في صورة، أو لقطة، أو إعجاب عابر. لا فكر، ولا رسالة، ولا معنى؛ مجرّد حضور فارغ يطلب التصفيق.
إن أخطر ما في هذا العصر، أنه لا يشعر ضحاياه بالخطر، بل يجعلهم يستمتعون بالانحدار، ويبرّرونه، ويدافعون عنه. ومع الوقت، يصبح التفكير عبئًا، والجد مللًا، والقيم تخلّفًا، بينما تُكافأ التفاهة بالشهرة والمتابعة.
إلى أين نمضي؟ وإلى متى نواصل الهروب من قضايانا المصيرية إلى الانشغال بتوافه الآخرين؟ المجتمعات لا تسقط دفعة واحدة، بل تنهار حين تفقد بوصلتها، وحين تنشغل بالتافه عن الجوهري، وبالضجيج عن البناء. وما لم نُراجع أنفسنا بصدق، ونُعيد الاعتبار للقيم، والعمل، والخصوصية، فإن القادم—لا قدر الله—قد يكون أشد قسوة مما نراه اليوم.
***
فؤاد لوطة – كاتب مغربي وأستاذ اللغة العربية






