قضايا
نبيل علي صالح: الدّينُ والدّولةُ من زاويةٍ أخرى
بين الجوهر الروحي والاستغلال الدنيوي.. رُؤيةٌ مُستقاةٌ منْ تَجربةٍ طَويلة
بعد مسيرة امتدت لما يقرب من أربعة عقود من التفاعل مع عالم الدين والتدين بمختلف أطيافه وخلفياته ورموزه وأفكاره وتمظهراته وتجلياته، شملت اطلاعات ودراسات وتحليلات ونقاشات وحوارات مع كثير من علماء الدين، مع متابعة دقيقة للخطابات الدينية، وقراءات نقدية معمقة في بنى التراث التاريخي الديني، ومشاركة في مؤتمرات وندوات وجلسات، تبلورت لدي رؤى محددة حول البعد الديني أو الظاهرة الدينية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عموماً..
وهذه الرؤى لم تأت أو تنبع من فراغ، بل هي –كما قلت- ناشئة عن مقدمات وحصيلة تراكمية لتفاعل طويل مع الرؤى والنصوص الدينية الأصلية، وملاحظة للممارسات الواقعية، وتحليل للفجوة بين المثال والواقع..
الدين كسعي فردي وتجربة ذاتية نحو المعنى:
أرى أنَّ الدينَ في أساسه الحقيقي يرنو لبناء الإنسان على مقومات فكرية وروحية عميقة، هو بحاجة لها لإصلاح نفسه، وتهذيب ذاته، قبل الاندراج في معتركات الحياة وخوض غمارها وتحدياتها.. يعني هو أولاً تجربة ذاتية روحية، وسعيٌ فردي لإيجاد معنىً أعمق في الحياة وتحقيق سلام نفسي داخلي، قبل أن يكون له حالة ظهور خارجي على مستوى الفعل والحضور في الشأن العام.. إنها تجربة "جهاد أصغر" حقيقي، يقوم على بناء النفس وتهذيبها وفقَ القيم والأخلاق الرسالية السامية، قبل الانتقال إلى أي دور في الخارج على مستوى العلاقات والتبادليات والحضور.. وهذا البناء الداخلي هو الأساس المتين لأي بناء وعمران حضاري حقيقي خارجي، إذ كيف يمكن لمستخلَف في الأرض أن يساهم في بناء حضارة ذات معنى وغاية نبيلة، بلا قيم إنسانية راسخة أو فضائل نفسية متجذرة أو أخلاق رسالية قويمة؟!..
حرية التفكر مقابل التقليد والاستلاب الأعمى:
يقوم هذا السعي الروحي على التأمل والتفكر الحر، وليس على التقليد الأعمى أو الخضوع لتراث فقهي متحجر انتهت مفاعيله في الزمان والمكان.. النصوص الدينية الأساسية تؤكد باستمرار على أهمية التعقل والتدبر، وضرورة تحمّل مسؤوليات الاستخلاف والأمانة الربانية.. والآيات القرآنية التي تحث على التفكر والتعقل والتدبر ليست مجرد زخارف لفظية، بل هي دعوة صريحة لتفعيل العقل واعتماد الوعي النقدي في التعامل مع الدين وقضاياه الحياتية.. كما أن الأحاديث التي ترفع من شأن التفكر لتجعله "خيراً من عبادة ستين سنة" تؤكد على الأولوية الجوهرية للفهم الواعي على الممارسة الآلية الوظيفية.
علاقة والدين- احترام الفطرة ورفض التعقيد والغلو:
عامة الناس في مجتمعاتنا لا تنفر من الدين بحد ذاته، بل تحترمه كفطرةٍ وتوجهٍ فطري نحو الخالق. هذا الاحترام الفطري ينبع من حاجة إنسانية عميقة للاتصال بما يتجاوز الذات المحدودة. غير أن الناس عموماً ترفض -بحق- التطرف والتعقيدات والصراعات المذهبية التي لا طائل من ورائها، والتي غالباً ما تخدم أجندات فئوية مصلحية ضيقة بعيدة عن روح الدين الحقيقية في المعرفة والقيمية الأخلاقية.. وهي روح واحدة وحقيقة واحدة في كل الأديان في جوهرها.. فالدين واحد، وإن اختلفت شرائعُه. إنه حياة قلبية متجددة، تسمو بالإنسان من حظوظ نفسه إلى مشاهدة جمال الحق. وهو الجسر بين العبد والرب، حيث تصير الأخلاق عبادةً، والعبادة معرفةً، والمعرفة محبةً.
التدين المعتدل في الهواء الطلق:
يميل الناس بطبيعتهم إلى ممارسة تدينهم باعتدال وطمأنينة، بما يشبه ممارسة الطقوس في "الهواء الطلق" حيث التنفس حر والرؤية واضحة والآفاق ممتدة. وهم يبتغون علاقة مباشرة مع المقدس بعيداً عن الوسطاء المتعددين، وبمعزل عن الرؤى الجامدة المتكلّفة والاستغلال السياسي، وعدم احترام الخيارات الشخصية.. هذا النمط من التدين الفطري البسيط هو الذي يحافظ على حيوية الدين واستمراريته في سلوكيات الناس، بينما تهدده الممارسات المتشددة والتعقيدات المصطنعة والمغالاة المتكلفة.
مؤسسات رجال الدين.. بين الخدمة والاستغلال:
لا يمكن لأحد إلا أن يرى أمامه الكثير من الأمثلة الدالة على أن غالبية مؤسسات رجال الدين تحولت –مثل أي مجموعة ذات نفوذ في المجتمعات البشرية- تحولت مع الزمن إلى مجرّد هياكل تقليدية راكدة، تسعى فقط إلى تحقيق المصالح الخاصة لحرّاسها وسدنتها.. طبعاً هذا التحول من حالة الخدمة الروحية إلى حالة الجهاز المؤسسي المغلق ليس سمة دينية بحتة، بل هو ظاهرة بشرية تظهر في أي مؤسسة تتراكم فيها السلطة والامتيازات والمنافع الخاصة..
الاستغلال الاقتصادي والمعنوي:
ليس في السعي لتحقيق المصالح المشروعة مشكلة في حد ذاته.. أي أننا لا ننكر حقيقة أن الإنسان له مصالحه ومنافعه التي يسعى إليها، ولكن ليس تحت الغطاء والعمامة الدينية التي لها رمزيتها.. بما يعني أن العيب الحقيقي يكمن في الاستغلال الاقتصادي أو المعنوي للدين ومشاعر الناس تحت غطاء القداسة. حيث أنّ هذا التكسب "الرخيص" -الذي يتمُّ على حساب المشاعر الدينية الصادقة للناس، ويحول العلاقة الروحية إلى معاملة تجارية- هو الذي يفقد المؤسسة الدينية مصداقيتها والثقة فيها، ويبعدها عن دورها الأصيل المتمحور حول الفضيلة والرمزية القيمية الأخلاقية.
الصراعات الدينية- الجوهر السياسي تحت القشرة المقدسة:
الصراعات التي تُلبس ثوب الدين هي في حقيقتها صراعات سياسية دنيوية بحتة، تستخدم الشعارات الدينية لتبرير أطماعها ومحاولة إضفاء الشرعية عليها. والتاريخُ يظهر أن معظم الحروب التي توصف بأنها "دينية" كانت لها دوافعها ومسبباتها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، حيث تم (ويتم) استخدام الدين كأيديولوجية تبريرية لتعبئة الأتباع وتحشيدهم، وإضفاء الشرعية على المطامع والمكاسب.
أحزاب التيار الديني والممارسات السياسية:
الأحزابُ ذات الخلفية الدينية لم تكن بأفضل حالاً من غيرها من الأحزاب في عالم السياسة؛ فقد انغمست في الممارسات السياسية نفسها، من صراع على السلطة والتآمر وحتى العنف أحياناً، متنكرةً في كثير من الأحيان للمبادئ التي ترفع شعارها. هذا التناقض بين الخطاب الأخلاقي والممارسة السياسية أضر بمصداقية التيارات الدينية في الحياة العامة، وجعلها في نظر كثيرين مجرد قوى سياسية تستخدم الدين كورقة ضغط.
النفاق الديني- أخطر أنواع النفاق.. استغلال القداسة لأغراض دنيوية:
أخطر أنواع النفاق هو ذلك الذي يتستر وراء الدين، لأنه يستغل قدسيته ومشاعر المؤمنين الطيبة لأغراض دنيوية خاصة. هذا النفاق المقدس يكتسب خطورته من كونه يحول المقدس نفسه إلى أداة للدنس، ويستعمل لغة القيم لنقض تلك القيم ذاتها. إنه نفاق مزدوج الخطورة: لأنه يخدع الناس باسم ما يقدسون، ويهدم الثقة في المؤسسات الدينية ذاتها.
وجود النماذج المخلصة:
مع هذا التشخيص النقدي، لا يعني ذلك عدم وجود علماء دين ومفكرين مخلصين، عملوا بصدق من أجل خدمة الإنسان وتخفيف معاناته، بغض النظر عن انتماءاته. هؤلاء المخلصون يمثلون الضمير الحي للدين، والذكرى المستمرة بما يمكن أن يكون عليه الدور الحقيقي لرجال الدين عندما يتحررون من الأجندات الضيقة، ويخلصون للقيم الإنسانية الكبرى.
نحو دولة مدنية عادلة-الدولة القوية كضامن للحرية الدينية:
إن الحل الجوهري يكمن في بناء دولة مدنية عادلة وقوية تحركها سلطات متغيرة، هي من تقود قاطرة الدولة التي هي بمثابة مظلة أمن واستقرار للجميع.. دولة تقوم على سيادة القانون والحرية والمساواة، وتضمن الحقوق الأساسية للمواطنين بما في ذلك حرية الاعتقاد والممارسة الدينية ضمن الحدود التي تحترم حرية الآخرين. في ظل هذه الدولة، تتراجع حاجة الناس للبحث عن ملاذات زائفة، وتفقد الخطابات الاستغلالية بريقها.
تحرير الدين من أسر السياسة:
في كنف الدولة المدنية العادلة، يعود الدين إلى جوهره الروحي والأخلاقي، ويؤدي رجاله دورهم الحقيقي في الهداية وترسيخ القيم، بعيداً عن متاهات السياسة والنفاق. تصبح العلاقة بين الدين والدولة علاقة تكاملية وليست تنافسية: الدولة توفر الإطار القانوني الذي يضمن حرية الممارسة الدينية ويحميها من الاستغلال، والدين يغذي القيم الروحية والأخلاقية التي تحتاجها أي مجتمع سليم.
ضعف الدولة وتنامي النفوذ الديني الزائف:
ضعف الدولة يفتح الباب على مصراعيه لتنامي نفوذ كل من هب ودب، من مستغلي الدين إلى المستبدين والمنافقين. في الفراغ السلطوي، تزدهر الخطابات الشعبوية الدينية التي تعد بالحلول السحرية، وتتحول الجماعات الدينية إلى بدائل للدولة في تقديم الخدمات، مما يعزز نفوذها ويوسع هامش استغلالها. بينما تقوى الدولة العادلة هي الضامن الحقيقي لتحرير الدين والمجتمع معاً من هذه الحلقة المفرغة.
نحو مستقبل أكثر إنسانية:
التجربة الطويلة مع عالم الدين تؤكد أن المشكلة ليست في الدين بحد ذاته، بل في العلاقة المشوهة بين الدين والمجتمع، وفي الاستغلال المؤسسي للدين لأغراض دنيوية. المستقبل الأكثر إشراقاً يكمن في إعادة الدين إلى مجاله الروحي والأخلاقي الشخصي، وفي بناء دولة مدنية عادلة تحمي هذا المجال من التدخلات والتوظيفات المشوهة.
إنَّ الدين الذي يُنظر إليه بوصفه طريقاً للوصول إلى المعرفة القلبية بالله، وليس مجرد مجموعة من العقائد والشعائر الظاهرة. وهذا هو الدين الذي يأتي العرفان (أو التصوف في السياق الإسلامي) ليكون جوهره الإنساني.. وهو يركز على البُعد الباطني، حيث يكون الهدف الأسمى هو الفناء في الله والبقاء به، عبر سُلَّم روحي يتدرج فيه السالك من ظاهر الدين إلى لبِّه الجوهري الفيّاض بالإشراقات والمعاني الإنسانية الوافرة.
وعندما يتم الفصل الوظيفي بين مجال الدين كمصدر للقيم والمعنى، ومجال الدولة كإطار للحقوق والواجبات، يمكن للمجتمعات أن تنتقل من دوامة الصراعات المذهبية إلى فضاء التعايش الإنساني. عندها فقط يتحرر الدين من أسر السياسة، وتتحرر السياسة من استغلال الدين، ويسير المجتمع نحو تكامل أكثر إنسانية بين حاجات الروح ومتطلبات العمران.
هذه الرؤى، رغم قسوتها أحياناً، تنبع من أمل عميق بإمكانية مصالحة حقيقية بين الدين والمجتمع، مصالحة تعيد للدين قدسيته وللمجتمع انسجامه، في ظل دولة تحمي الجميع وتخدم الكل.
***
نبيل علي صالح - باحث وكاتب سوري






