قضايا

رائد جبار كاظم: لا تحرمونا متعة التخصص

تتنوع العلوم والفنون والآداب وتتعدد فيما بينها باختلاف مناهجها وموضوعاتها وفلسفتها، من علم إلى آخر، وهذا ما يعني وجود استقلالية وخصوصية لكل تخصص علمي أو معرفي ما في شتى أصناف المعارف والعلوم، سواء الدينية منها أو العقلية، والانسانية منها أو العلوم الصرفة، وقد تناول المفكرين والفلاسفة والباحثين في كتاباتهم تلك المسألة، وذلك التقسيم، وبيان تلك الخصوصية لأهمية التخصصات العلمية، كما فعل الفارابي مثلاً في كتابه (إحصاء العلوم) حين تناول أصناف العلوم البشرية وعرض لتصنيفها وتعريفها وبيان غرضها وأهميتها، أو كما جمعها محمد عابد الجابري في علوم (بيانية وبرهانية وعرفانية)، وفقاً لاشتغالات الدارسين والباحثين، وهذا إن دل على شيء فانما يدل على خصوصية التخصص العلمي وأستقلاليته، وقد أكد الفلاسفة والعلماء على أهمية احترام مبدأ التخصص في كل مجال علمي ومعرفي، وضرورة أن يتقيد الدارس والعالم والمشتغل في مجال تخصصه وأدواته المعرفية الخاصة به، كي لا يشتت نظره ويتعب نفسه في مجالات متعددة من العلوم والفنون، وقد أتجهت العلوم منذ عصر النهضة الغربية الحديثة نحو استقلالية العلوم والعمل على فصلها من الفلسفة، وفك التعالق فيما بينها وبين أمها، والعمل على خصخصة العلوم وتخصصها الدقيق، كي يعي كل مشتغل في تخصصه أهمية تخصصه ويجتهد في بذل الجهد في تحقيق المزيد من المعرفة في مجال اشتغاله العلمي المحدد، ويخلص في الوصول لنتائج دقيقة ونافعة في ذلك التخصص، خدمة للعلم والمختصين في تحقيق نفع أعظم من التنوعات المعرفية التي يبتلى بها البعض من الدارسين والباحثين في تنوع تخصصاتهم الفكرية والعلمية، مما يشتت جهوده ويضيع وقته ويجهد نفسه في اشتغاله في أكثر من تخصص أو مجال ويضيع علينا متعة التخصص في ذلك الحال.

يرى الفارابي إن على العالم والباحث والدارس أن يحترم تخصصه وأن يسعى في ذلك، لأشباعه بحثاً ودراسة ومعرفة، وهو ما تتجه أليه المناهج العلمية الحديثة في التربية والتعليم، كما إنه أكد على ضرورة تحقيق العدالة في التخصصات العلمية، وهي أن يعطي ويبذل الدارس والمختص في مجال علمي ما نفس الجهد والاهتمام لتخصصه الآخر، الذي يرغب في تحصيله، كي لا يكون هنالك خلط بين العلوم والتخصصات وتفقد قيمتها وتتشابك النتائج، المدخلات والمخرجات، كما يسميها محمد عابد الجابري بـ(التداخل التلفيقي) بين العلوم ومناهجها واشتغالاتها، مثلاً حين يدخل الفقيه مجال الفلسفة بمنهجه الديني فتطغى عليه صبغة الفقه، أو حين يدخل الفيلسوف بمنهجه العقلي مجال الفقه فيفلسفه، أو حين يدخل العالم مجال الأدب والبيان فيضيع علينا متعة السحر والأدب حين يفرض منهجيات جامدة ذات صبغة علمية على كل ما هو عاطفي، أو حين يدخل الاديب مجالات علمية ذات توجه عقلي ورياضي فنفقد متعة أدبه وبيانه بإضاعاتها في مجال غير مجال تخصصه، لا بأس في التثاقف والتنوع الفكري ولكن ليس من باب التخصص الدقيق الذي يحاول الشخص أن يفرض نفسه في تخصص علمي ثانوي طارىء عليه.

سؤل مرة أحد الأساتذة الجامعيين عن رأيه في أستاذ جامعي وفي تخصصه العلمي ومشروعه الفكري، كشهادة علمية وثقافية في تلك الشخصية، فذكر الأول عن الثاني كلاماً طيباً ومحترماً في ثقافته وفكره ولكنه قال في نهاية شهادته إنه حرمنا من متعة التخصص، مما كان سبباً في انزعاج الثاني من تلك الشهادة ومن قائلها، وما قاله الاستاذ الأول كلام دقيق جداً، لتنوعات الاستاذ الدكتور الثاني في مجالات فكرية وثقافية وفلسفية متعددة، فهو يصول ويجول في كافة مجالات المعرفة والفلسفة والبحث العلمي دون أن يحدد بوصلة طريقه، وهذا صراحة عمل يرهق العقل ويضيع الوقت وبالتالي لا نجد لمسة علمية خاصة تسجل له على تخصص علمي محدد بعينه، وهذا ما نخشاه على الباحثين والعلوم من ضياع تلك المتعة والقيمة في خوض غمار التخصصات المتنوعة.

احترام التخصص أمر لا بد منه ينبغي على الاستاذ والباحث الالتزام به كي يعي أكثر في ممارسة تخصصه ويلم في كافة جوانبه بصورة دقيقة، وهذا يصب في صالح الدارس وتخصصه العلمي والمعرفي، كي يصبح مجتهداً ومرجعاً يتم العودة اليه في مجاله الدقيق، وهو ما أتجهت اليه الجامعات والمجتمعات المعرفية الحديثة في حصر تخصصاتها العلمية في مجالات دقيقة جداً، فقد مضى زمن التنوعات العلمية والمثقف الموسوعي الشامل، الذي يضيع في تخصصات كثيرة ولا يتقن تخصصاً دقيقاً معيناً بعينه، فقد نشاهد على شاشات التلفاز والفضائيات والندوات واللقاءات شخصيات أكاديمية تخوض في مجالات مختلفة غير مجال تخصصها العلمي ويفكر وينظّر خارج تخصصه، فقد نجد رجل دين يناقش في السياسة، وسياسي يناقش في الدين، واستاذا جامعياً يأخذ دور رجل الدين، وفناناً يعمل محللاً سياسياً، وهكذا نجد تلك التنوعات في الممارسات الثقافية الأخرى، فهل وصل بنا الأمر لأستسهال تلك المجالات أم لسطوع نجمها الاعلامي، أم هناك غايات أخرى يتوجه لها الأشخاص، فما أحوجنا الى أحترام تخصصنا العلمي الدقيق، كي نكسب متعة التخصص وسلامة نتائجه العلمية وتحقيق تنمية أكبر، وهو ما تسير عليه مجتمعات المعرفة اليوم.            

***

د. رائد جبار كاظم

 

في المثقف اليوم