قضايا

رشيد الخيّون: إخوان الصَّفا.. قبل ابن النفيس وهارفي

لمَن لم يسمع بإخوان الصَّفا وخلان الوفا، فإنّهم جماعة شغفتهم الفلسفة، ظهروا في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، بالبصرة وبغداد، كتبوا إحدى وخمسين رسالة في مختلف العلوم، عُرفت بـ«رسائل إخوان الصّفا»، حوت مختلف العلوم، ومنها الطّب. يعود الفضل لأبي حيان التّوحيديّ (ت: 414 هـ) في التعريف بهم، وذكرهم في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»، أّما علاء الدّين عليّ بن الحزم الشَّهير بابن النّفيس (ت: 687 هـ)، فطبيب شاميّ، له مؤلفات جليلة في الطّب، اشتهر باكتشافه للدورة الدَّموية الصّغرى، بعده بقرون اشتهر الطَّبيب الإنجليزي وليام هارفي (ت: 1657) باكتشاف الدَّورة الدَّمويّة الكبرى، والصُّغرى ضمنها.
لا أفترض أنَّ إخوان الصّفا هم الأوائل، لا بد أنهم أخذوا أوليات ممِن سبقهم، فالجزم بالأوائل إشكالية كبرى، يصعب أخذها باليقين، فليس مِن العِلم الاِعتداد بمصنّف أبي هلال العسكريّ (ت: 395 ه) «الأوائل» كمصدر موثوق. لذا، أخذت ما تقدم به إخوان الصّفا، في شأن الدّورة الدّموية الصُّغرى، وما يخص تصفية الدم، وعمل الكُلى، والكبد، وغيرها مِن مقالاتهم الطّبيّة، أنَّهم سبقوا ابن النَّفيس بثلاثة قرون، وهارفي بسبعةٍ، لكنني لا أجزم بأنَّ ابن النَّفيس اطلع على ما صنفه إخوان الصّفا، ولا هارفي اطلع على مؤلفات ابن النفيس، فالطب علم لا تخلو اكتشافاته أو اختراعاته مما يُعرف بـ«توارد الخَواطر»، ولو أن ما ورد ليست خواطر، إنَّما حقائق علميّة. نقرأ عند إخوان الصَّفا عن عمل الرِّئة وتدفق الدَّم إليها، بما نعتبره تصوراً علميّاً، حُقق طبيَّاً، في ما بعد، على يد ابن النَّفيس وهارفي، عبر التشريح.
طرح إخوان الصَّفا تصوراتهم في رسالتهم الخاصة بتكوين أجسام الحيوانات، وسموا الرّئة «بيت الرّيح» (الرسائل، الثامنة من الجسميات الطبيعيات). وعن طبيعة علاقة «بيت الرّيح» بالقلب، وتجهيز الجسم الحي بالهواء، جاء في الجهاز التنفسي: «يخدمها ويعيّنها (الرِّئة) في أفعالها أربعة أعضاء أخرى، وهي: الصّدر والحِجاب، والحلقوم والمنخران، وذلك أنَّه مِن المنخرين يدخل الهواء المستنشق إلى الحلقوم، ويعتدل فيه مزاجه.. ويصل إلى الرّئة ويتصفى فيها، ثم يدخل إلى القلب، ويروح الحرارة الغريزية هناك، وينفذ مِن القلب إلى العروق الضّوارب، ويبلغ إلى سائر أطراف البدن الذّي يسمى النّبض، ويخرج من القلب إلى الرّئة الهواء المحترق (ثاني أوكسيد الكربون من دون أن يسموه)، ومن الرّئة إلى الحلقوم إلى المنخرين أو الفم، والصّدر يخدم الرّئة من الآفات العارضة لها، عند الصّدمات والدّفعات، واضطراب أحوال البدن» (المصدر نفسه).
أورد ابن النفيس في «شرح القانون لابن سينا»: «أما حاجة الرِّئة إلى الوريد الشِّرياني، فلأنه ينقل إليها الدَّم الذي قد لطف وسخن في القلب، ليختلط ما يترشح من ذلك الدَّم من مسام فروع هذا العرق، في خلل الرَّئة بالهواء، الذي في خللها ويمتزج به من الجملة ما يصلح لأن يكون روحاً إذا حصل ذلك المجموع في التَّجويف الأيسر من القلب، وذلك باتصال الشّريان الوريدي لذلك المجموع إلى هذا التَّجويف». تبدو الإيماءة واضحة، في النّص المذكور إلى الدّورة الدّموية الصّغرى، عندما يتحدث إخوان الصفا عن حركة الهواء بين الرئة والقلب وبالعكس، وما تقدم به ابن النّفيس بعد ثلاثة قرون. وأنَّ معاصراً لصاحب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» ابن أبي أصيبعة (ت: 668 هــ)، وكلاهما طبيبان، شاميان مِن دَمشق، لكنَّ ابن أصيبعة لم يذكر ابن النفيس في معجمه، لربما بحكم التجافي بين أقران المهنة أو لسبب آخر.
لقد تحمل إخوان الصفا أذىً كثيراً، في عصرهم وما بعده، وحارت المذاهب في نسبهم إليها، وهم ليسوا على مذهب، ويخطأ مَن اعتبرهم إسماعيليين أو غير ذلك، إنما كانوا نخبة مِن المفكرين الأحرار، والقول لهم: «رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلّها» (الرِّسائل، الرَّابعة من العلوم الناموسية).
***
رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

في المثقف اليوم