عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

وسام حسين العبيدي: حين يتحول الوطن إلى منحة!

من أشدّ المآسي التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان أن يُعاقَب في انتمائه قبل أن يُعاقَب في جسده أو رزقه. فالسجن قد يسلبه حريته زمناً، والمنفى قد يبعده عن أرضه مسافة، لكن سحب الجنسية يحاول أن يسلبه شيئاً أعمق من ذلك كله، وهو حقه في أن يكون ابناً لوطنه. ولعلّ أكثر ما يثير الألم في هذه الظاهرة أنها كثيراً ما تُمارَس بحق أشخاص لم يكونوا عالةً على أوطانهم، بل كانوا من أبرز صُنّاع صورتها الثقافية والروحية. فالتاريخ يذكر كيف جُرِّد الشاعر التركي "ناظم حكمت" من جنسيته في ظل السياسات الكمالية في تركيا، كما شهد العراق في مراحل من تاريخه الحديث تهديدات وإجراءات مشابهة طالت أو كادت تطال أسماء كبيرة في المشهد الثقافي، ومن بينها الشاعر الراحل "محمد مهدي الجواهري". وفي العقود الأخيرة شهدت بعض الدول العربية حالات سحب جنسية من شخصيات سياسية وثقافية وفنية معروفة، كما حدث في البحرين والكويت وغيرهما، وصولاً إلى حالات أثارت جدلاً واسعاً بسبب استهدافها شخصيات أدبية وفكرية تركت بصمتها الواضحة في الحياة الثقافية. وآخرها ما تناقلته وسائل الإعلام عن سحب الجنسية عن القاص والروائي "طالب الرفاعي".

غير أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في آثارها القانونية والإدارية وحدها، بل في النسق الفكري العميق الذي ينتجها ويمنحها شرعيتها. فالدولة الحديثة، من حيث المبدأ، تقوم على فكرة المواطنة؛ أي على اعتبار الانتماء الوطني حقاً أصيلاً يعلو على الحكومات ويتجاوز الأشخاص والأنظمة. أما حين تلجأ السلطة إلى سحب الجنسية من مواطنيها بسبب آرائهم أو مواقفهم أو اختلافهم معها، فإنها تكشف عن بقاء تصورات أقدم من الدولة الحديثة نفسها، تصورات تنتمي إلى عقلية الرعية أكثر مما تنتمي إلى عقلية المواطنة.

وفي ظل هذه العقلية لا يُنظر إلى المواطن بوصفه شريكاً في الوطن، بل تابعاً للسلطة. ولا يُنظر إلى الجنسية بوصفها رابطة قانونية وتاريخية وإنسانية، بل امتيازاً تمنحه الدولة لمن تشاء وتسحبه ممن تشاء. وهنا يتحول الوطن، في الوعي السياسي للسلطة، من كونه فضاءً مشتركاً لجميع أبنائه إلى ما يشبه الملكية الخاصة التي تحتكر تعريف الانتماء إليها وتوزيع صكوك الاعتراف بأبنائها.  وهنا يكون سحب الجنسية ليس مجرد إجراءٍ قانونيٍّ، بل هو فعلٌ رمزيٌّ شديدُ القسوة. فالسلطة التي تلجأ إليه لا تكتفي بمعاقبة الفرد على موقف أو رأي، وإنما تحاول نفيه من الجماعة الوطنية ذاتها، وكأنها تحتكر تعريف الوطن وتحتكر حق توزيع الانتماء وسحبه. ولذلك فإن هذه العقوبة تبدو أقرب إلى محو الهوية منها إلى إنفاذ القانون، وأقرب إلى الانتقام الرمزي منها إلى تحقيق العدالة.

واللافت للنظر أن بعض الدول التي تتوسع في منح الجنسية لأسباب سياسية أو ديموغرافية أو اقتصادية، هي نفسها التي لا تتردد أحياناً في سحبها من مواطنين أصليين بسبب خلاف سياسي أو موقف فكري أو نشاط ثقافي معارض. وهنا تتكشف مفارقة أخلاقية مؤلمة؛ إذ تصبح الجنسية التي تُمنح للغريب بقرار إداري قابلة للانتزاع من ابن البلد الذي ولد على أرضه وأسهم في بناء ثقافته وذاكرته الوطنية. وكأن المشكلة ليست في الجنسية ذاتها، بل في مقدار القرب أو البعد من السلطة.

ولأن المثقف يمثل ضمير المجتمع وذاكرته النقدية، فإنه كثيراً ما يكون هدفاً لهذه السياسات. فالأنظمة القلقة من النقد لا تنظر إلى الشاعر أو الروائي أو المفكر بوصفه ثروة وطنية، بل بوصفه مصدراً محتملاً للإزعاج. ولهذا لم يكن غريباً أن يكون كثير من ضحايا هذه السياسات من أصحاب الأقلام الحرة والكلمات المستقلة. فالكلمة التي تعجز السلطة عن إسكاتها بالسجال الفكري قد تحاول إسكاتها بوسائل أخرى، من بينها التشكيك بحق صاحبها في الانتماء إلى وطنه.

أما الأثر الأخطر لهذه السياسة فلا يقع على الفرد وحده، بل يمتد إلى المجتمع كله. فحين يرى الكاتب أو الفنان أو الباحث أن رأياً مختلفاً قد يعرّضه لفقدان أبسط حقوقه الوطنية، تتسع دوائر الخوف وتضيق مساحات الحرية، وتترسخ الرقابة الذاتية، ويغدو الصمت أكثر أمناً من التفكير، والمجاملة أكثر ربحاً من الصراحة. وهكذا تخسر الأوطان أهم مصادر حيويتها وتجددها، لأنها تدفع بعقولها الحرة إلى العزلة أو المنفى أو الصمت؛ لأنَّ الدول الواثقة من نفسها لا تخشى الكلمة، ولا تنافس مواطنيها على ملكية الوطن، لأنها تدرك أن الانتماء الوطني أوسع من الولاء السياسي، وأن الاختلاف مع السلطة لا يعني الخروج من الجماعة الوطنية. أما الأنظمة المرتابة فإنها كثيراً ما تخلط بين الدولة والحكومة، وبين الوطن والسلطة، وبين المواطنة والطاعة، فتجعل من الانتماء الوطني أداة للمكافأة والعقاب. ومن هنا فإن سحب الجنسية لا يكشف عن قوة الدولة كما قد يتوهم البعض، بل يكشف عن هشاشتها العميقة. فالدولة القوية لا تحتاج إلى نفي أبنائها من السجل الوطني كي تثبت حضورها، ولا تحتاج إلى معاقبة الانتماء كي تفرض هيبتها. أما الدولة التي تخشى مواطنيها إلى هذا الحد، فإنها تعلن من حيث لا تشعر أزمة ثقة بينها وبين مجتمعها.

فالوطن ليس منحة من حاكم، ولا هبة من حكومة، ولا جائزة تُمنح للمصفقين وتُنتزع من المعترضين. وقد تستطيع سلطة ما أن تصادر جواز سفر أو تلغي وثيقة جنسية، لكنها تعجز عن مصادرة ذلك الانتماء العميق الذي يتكون عبر العمر كله في الوجدان والذاكرة واللغة والثقافة. ولهذا تبقى الجنسية في جوهرها اعترافاً قانونياً بحقيقة أعمق منها، هي حقيقة الانتماء الوطني. فإذا تحولت إلى أداة هيمنة سياسية، فإن المتضرر الحقيقي لا يكون الفرد وحده، بل فكرة الوطن نفسها. وعندما يُعاد تعريف الوطن على مقاس السلطة، وتُختزل هويته في إرادتها، يصبح الجميع مُهدَّدين بفقدان حقوقهم متى ما تغيرت موازين القوة. وحينذاك لا يعود الوطن بيتاً لجميع أبنائه، بل يتحول إلى مساحة امتيازات تديرها السلطة وفق ما تراه مناسباً، وهو أخطر ما يمكن أن تصاب به فكرة المواطنة في أي مجتمع.

***

د. وسام حسين العبيدي

................

* طالب الرفاعي يُعد من أبرز كتّاب الرواية والقصة القصيرة في الكويت والخليج العربي. درس الهندسة المدنية في جامعة الكويت، ثم حصل لاحقًا على دراسات عليا في الكتابة الإبداعية، وصدرت له روايات ومجموعات قصصية عديدة تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أجنبية. كما تولّى رئاسة لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) في دورتها الثالثة، وأسّس «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية» وأسهم في تنشيط الحركة الثقافية الكويتية والعربية.

في المثقف اليوم