آراء
نبيل عيدو: إنجيل سكوفيلد.. هل انتهت الحرب؟
إنجيل سكوفيلد والتطرف الصهيوني.. لماذا يُقرأ من الأسفل إلى الأعلى؟
دخل السجن بتهمة التزوير والاحتيال، ولم يضع قدمه في جامعة أو معهد ديني قط، لكنه خرج من خلف القضبان ليصبح فجأة الواعظ الأهم في أمريكا، والدكتور الذي يعلّم المسيحيين نبوءات نهاية العالم. هكذا يصف القس الأمريكي المعاصر ريك وايلز صاحب إنجيل سكوفيلد، سايروس سكوفيلد.
تفتح هذه الشهادة الباب واسعًا لفهم كيف تم توجيه الوعي الديني والسياسي في الولايات المتحدة لصالح المشروع الصهيوني، وكيف تحولت حواشي وشروحات إنجيل إلى دستور غير مكتوب يحرّك بوارج واشنطن ويغذي أطماع إسرائيل التوسعية في المنطقة العربية. إن ما نشهده اليوم من تصريحات متطرفة حول التمدد الجغرافي وتغيير خارطة الشرق الأوسط هو ثمرة استثمار طويل الأمد في عقول الملايين من الأمريكيين الذين تم توجيه إيمانهم لخدمة غايات استعمارية.
في خضمّ العدوان الأميركي-الصهيوني على إيران، برز خطاب متشدد داخل بعض الأوساط السياسية الأميركية يكشف البعد الأيديولوجي الديني للحرب. فقد أشار تقرير نشره موقع "ذا كرادل" إلى مواقف وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الذي استخدم في كتابه "الحملة الصليبية الأمريكية" لغة ذات طابع ديني، متحدثًا عن صراع حضاري مع الإسلاميين، وكتب أن صليبيي اليوم سيحتاجون إلى الشجاعة نفسها. كما دعا في خطاب أمام قادة عسكريين إلى التخلي عما سماه قواعد اشتباك غبية لصالح أقصى درجات الفتك. ويتقاطع هذا الخطاب مع تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي تحدث في مقابلة إعلامية عن حق توراتي لإسرائيل في أرض تمتد من النيل إلى الفرات. والخطأ هو التعامل مع هذه التصريحات كأنها مجرد مبالغات سياسية؛ فهي تعكس رؤية أيديولوجية ترى صراعات الشرق الأوسط من خلال سرديات دينية تمنح المشروع التوسعي الإسرائيلي غطاءً عقائدياً في الوعي الغربي وتبرر جميع أفعاله.
لكي نفهم كيف وصل العقل الأمريكي إلى دعم هذه الأطماع، يجب أن نغوص في تفاصيل العملية اللاهوتية التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر. كان هناك قس بروتستانتي إيرلندي مغمور، قام بكتابة شروحات على الكتاب المقدس ذهب في تأويلاته إلى أقصى درجات التطرف، وروّج لشروحات للكتاب المقدس لم تكن معروفة من قبل ذلك التاريخ ولم يهتم بها أحد، كان اسمه جون نيلسون داربي. توفي عام 1882، وهو الرجل الذي وضع بذور فكرة التدبيرية القائمة على فصل مصير اليهود عن الكنيسة، وكانت أفكاره توصف بالهرطقة في أوروبا آنذاك.
لكن الدوائر الصهيونية الناشئة أدركت أن هذه الأفكار تمثل كنزًا يمكن أن يفتح لها أبواب أمريكا. فوجدت في رجل اسمه سايروس سكوفيلد بعد خروجه من السجن الشخص المناسب، وجرى العمل على إعادة صياغة لشخصيته، بتحويله من محتال مُدان بالتزوير إلى “دكتور في اللاهوت” ومرجع في تفسير النبوءات.
المثير في قصة سكوفيلد هو الدعم المالي الكبير الذي تلقاه؛ وهو ما ذكره جوزيف كانفيلد في كتابه (The Incredible Scofield and His Book (1988 (سكوفيلد العجائبي وكتابه ) إذ تم تنسيبه إلى نادي لوتس للنخبة في نيويورك، وهو نادٍ كانت رسوم الاشتراك فيه تتجاوز دخله الإجمالي، ما يثير تساؤلات جدية حول الجهات التي موّلت صعوده وصنعت منه صوتًا لاهوتيًا مؤثرًا. كما تم ترتيب رحلاته إلى أوروبا، وحصل على عقد نشر مع دار نشر جامعة أكسفورد، وهي جهة أكاديمية أضفت على شروحاته مسحة من الوقار العلمي.
وقد طُبعت من هذه الشروح ملايين النسخ، وجرى توزيعها مجانًا على نطاق واسع، ما ساهم في ترسيخها داخل الوعي الديني الأمريكي. وهنا يبرز سؤال التمويل والدعم: من الذي موّل هذا الانتشار الواسع؟ وكيف تحوّلت حواشٍ تفسيرية إلى مرجعية لاهوتية أثّرت في مسار السياسة الأمريكية لعقود؟
لشرح كيف تحولت تلك الشروحات إلى دستور غير مكتوب عند معظم الشعب الأمريكي، نستلهم ما قاله القس ريك وايلز. لقد وصف هذه الخديعة ببراعة حين قال إن الإنجيل في أمريكا أصبح يُقرأ من الأسفل إلى الأعلى. ويقصد بذلك أن القارئ الأمريكي، وتحت تأثير التصميم البصري لإنجيل سكوفيلد، بات يلتقط التفسيرات والأيديولوجيا الموجودة في الهوامش أسفل الصفحة قبل أن يقرأ النص الإلهي في الأعلى. بهذه الطريقة العكسية، تم تطويع النص الإلهي ليخدم الشروحات البشرية المسيسة، التي دُست بعناية. أصبح الهامش هو الحاكم والموجّه، مما جعل القارئ يرى النبوءات بعيون صهيونية صاغها سكوفيلد لشرعنة التوسع الإسرائيلي.
هذه الثقافة اللاهوتية هي التي تمنح القادة الصهاينة اليوم الجرأة على استخدام مصطلحات مثل عماليق لتبرير إبادة المدنيين في غزة. فالمسؤول الصهيوني حين يتحدث في واشنطن عن التوسع، فإنه يخاطب جمهورًا مسيحيًا صهيونيًا تم تحضيره مسبقًا عبر إنجيل سكوفيلد لقبول فكرة أن أعداء إسرائيل هم أعداء الله، وأن قتلهم واحتلال أراضيهم هو تنفيذ لمشيئة عليا. هذا الربط بين النص والواقع السياسي هو ما يجعل تصريحات السفير حول احتلال سوريا والعراق والكويت والجزيرة العربية تمر دون هجوم حقيقي في الأوساط اليمينية الأمريكية، بل يُنظر إليها كتحقيق لنبوءات توراتية تم زرعها في وعيهم قسرًا.
أمام هذا التغوّل، تبرز ضرورة قصوى لإعادة النظر في أدوات المواجهة العربية. وهنا نصل إلى النقطة الجوهرية: دور رجال الدين المسيحيين العرب كركيزة أساسية في هذه المعركة. إن عبء التصدي لهذه الطروحات يقع على عاتقهم، لأنهم يمتلكون الشرعية اللاهوتية والتاريخية التي تفتقر إليها الصهيونية المسيحية الغربية. إن المواجهة عبر المفكرين السياسيين قد تنجح في السجال المنطقي، لكنها غالبًا ما تفشل أمام المسألة الدينية.
يجب على الكنائس العربية بمختلف طوائفها القيام بدور ريادي من خلال كشف تطرف إنجيل سكوفيلد، وتوضيح أن المسيحية المشرقية، التي ولدت في مهد المسيح، ترفض تسييس النصوص المقدسة. وكذلك تشكيل جبهة موحدة مع الحكومات العربية في المؤتمرات الدولية، والجامعات، والندوات التلفزيونية العالمية لشرح أن ما تروج له الصهيونية المسيحية هو أيديولوجيا استعمارية صُبغت بصبغة دينية، هو السبيل الوحيد لكسر احتكار الصهاينة لتفسير الإيمان في الغرب.
إن رجل الدين المسيحي العربي يستطيع أن يقول للعالم بلسان الواثق إن هؤلاء المحتلين يضطهدون مسيحيي القدس وبيت لحم، وهو ما ينسف فكرة الحلف الحضاري التي تروج لها الصهيونية.
الصهيونية المسيحية تعدّ الركن الأقوى للصهيونية اليهودية، فهي مصدر تمويلها الأساسي ودرعها السياسي الصلب في الكونغرس الأمريكي. وإذا استطعنا هدم هذا الركن عبر كشف حقيقة سايروس سكوفيلد فإن البنيان الصهيوني سيهتز من الداخل.
الفرصة الآن مواتية أكثر من أي وقت مضى، فالجيل الجديد في الغرب لم يعد يكتفي بقراءة حواشي سكوفيلد، لقد فتح بابًا للحقيقة عبر المنصات الجديدة. إقناع هذا الجيل بأن معتقدات آبائهم بُنيت على تفسير لاهوتي قاده نصابون بتمويل مشبوه، سيوجه ضربة قاضية للشرعية الأخلاقية للكيان الصهيوني.
يجب الانتقال من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم الفكري، عبر إنتاج محتوى بلغات عالمية يفضح قصة إنجيل سكوفيلد، ويربطها مباشرة بالجرائم التي تُرتكب اليوم في فلسطين والتهديدات التي تطال عواصم العرب.
***
نبيل عيدو







