آراء
عبد السلام فاروق: وداعًا أيها الوهم.. مرحبا بعصر الغاب!
لا أكتب هذه الكلمات اليوم وأنا مستسلم لنوبة تشاؤم عابرة، فمن يعرفني عن كثب يدرك أن نفسي طواعة للأمل العامل، نابذة بالطبع للبكاء على الأطلال. لكن التاريخ، في بعض لحظاته الفارقة، يفرض علينا صراحة قد تبدو قاسية، لأنها وليدة وقائع أقسى. ذلك أن ما نشهده اليوم على مسرح العالم الكبير لا يمكن وصفه بكلمة أدق ولا أصدق من أنه الجنازة الرسمية للنظام الدولي الذي عرفناه وعشنا في ظلاله، أو في ظلال أوهامه، على مدى ثمانية عقود كاملة.
نحن، أبناء العالم الثالث تحديدًا، الذين تعلقنا طويلاً بفكرة العدالة الدولية كملاذ أخير، نقف اليوم لنشيع هذه الفكرة إلى مثواها الأخير. لقد دفن النظام الذي نشأ على أنقاض حربين عالميتين، ليس تحت أتربة النظريات السياسية، إنما تحت أنقاض المدن التي تقصف في غزة ولبنان واليمن وطهران، وفوق جثث الأطفال الذين يموتون بالجوع والحصار، وسط صمت مهيب لمجلس الأمن، المجلس الذي لم يعد يخرج عن تمتمة بكلمات إدانة عاجزة، بينما الدماء العربية الإسلامية كجداول لا تتوقف. العزاء اليوم، كل العزاء، في الأمم المتحدة. والعزاء في مجلس الأمن الدولي، الذي تحول من حارس للسلام إلى شاهد على موته.
لقد انتهى العصر الذي كنا نعتقد فيه - بسذاجة أو برغبة في التصديق - أن هناك قوة أعلى من قوة الدولة، وأن هناك قانونًا يعلو فوق قانون الغاب، وأن هناك ضميرًا دوليًا يمكن استنفاره لحماية الضعيف. ما نشهده اليوم هو الإعلان الرسمي عن نهاية هذا الوهم الطويل. وهم أن المجتمع الدولي، بمنظماته وقوانينه، قادر على أن يكون مظلة حقيقية للدول الصغيرة حين تتعرض للخطر. الوهم نفسه الذي سرقه الواقع منا بكل وقاحة.
هذا التحول الجذري لم يحدث بين عشية وضحاها، ولم يأت نتيجة خطأ عابر في التقدير. لقد بدأ التحول بطيئًا خفيًا، ثم تسارع بشكل هستيري في العقدين الأخيرين. الدروس التي كنا نقرأها في كتب العلاقات الدولية عن توازن القوى والمصلحة الوطنية كانت في الماضي مجرد نظريات أكاديمية. أما اليوم، فقد تحولت إلى واقع نعيشه بكل تفاصيله المريرة. القوة وحدها، وبكل تجريدية، هي التي تحكم وتتحكم. مجلس الأمن الدولي، الذي أُنشئ بالأساس لحفظ السلم والأمن الدولي، لم يعد أكثر من خشبة مسرح تستخدم فيها آلة "الفيتو" لحماية المتهم لا لمحاكمة المجرم. في هذا المسرح، الدم الفلسطيني هو مجرد ديكور، والمأساة الإنسانية هي مشهد جانبي لا يدخل في صلب النص.
لنتأمل معًا ما حدث في العاصفة الأخيرة التي اجتاحت منطقتنا. حين أغلقت المعابر، وتوقفت المساعدات، وقطعت سبل الحياة عن مليوني إنسان، حين أصبح تجويع المدنيين ورقة ضغط مشروعة فعالة، في إدارة الصراع. ماذا كان رد فعل العالم؟ بعض بيانات الشجب والاستنكار التي تخرج من هنا وهناك. بعض التوصيات بوقف إطلاق النار التي لم يلتزم بها أحد، لأنها لم تكن مصحوبة بآلية إلزام أو إرادة ضاغطة. ثم العودة إلى النوم العميق، إلى متابعة الشأن الخاص. هذه ليست هفوة مؤقتة أو تقصيرًا يمكن تداركه. إنها طبيعة العصر الجديد. العصر الذي أصبح فيه ميزان القوة هو صاحب الكلمة الأخيرة. هو الكلمة الوحيدة التي تسمع في نهاية المطاف.
منذ سنوات، وأنا أتابع بإمعان تقارير ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي إلى أرقام فلكية. قبل أيام فقط، قرأت تقريرًا موثوقًا يفيد بأن هذا الإنفاق قفز إلى 2.7 تريليون دولار. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية باردة تضاف إلى سجلات البنك الدولي. إنه تعبير مكثف عن حقيقة عميقة هي أن العالم لم يعد يثق إلا في العضلات. الدول الكبرى، وهي تنفق هذا المبلغ الخيالي على التسلح، إنما تستعد لعصر جديد عنوانه الوحيد هو البقاء للأقوى. إنها شريعة الغاب التي رفعنا شعارًا منذ خمسين عامًا أننا نخرج منها، لكننا اليوم نرتد إليها بسرعة مذهلة، وكأننا ندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها.
وهنا، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بكل صدق ماذا يعني هذا كله بالنسبة لنا في العالم العربي؟ بالنسبة لأوطاننا التي لم تزل تخوض معركة بناء الدولة الحديثة؟ بالنسبة لشعوبنا التي تتوق إلى العدالة والتنمية والكرامة الإنسانية؟
المعنى الأول، وهو الأكثر وضوحًا وقسوة، هو أن أيدينا أصبحت على قلوبنا. لا حامي لنا إلا أنفسنا، ولا ظهير لنا إلا قوتنا الذاتية. فكرة أن الأمم المتحدة سترسل قوات زرقاء لحمايتنا إذا تعرضنا لعدوان أصبحت من طرائف التاريخ. وفكرة أن القانون الدولي سينصفنا في نزاع مع قوة كبرى باتت ضربًا من الخيال، أو من الأدب الرومانسي. علينا أن ندرك هذه الحقيقة بكل أبعادها، مهما كانت مرة، لأن إدراكها هو الخطوة الأولى نحو التعامل الصحيح مع الواقع، وهو نصف الطريق إلى النجاة.
المعنى الثاني، وهو الأكثر إيلامًا ووجعًا، أن هذه الحقيقة لا تطبق بالتساوي على جميع الدول. الدول الصغيرة والفقيرة، التي لا تملك نفوذًا ولا قدرة على الردع، هي التي تدفع الثمن الأكبر. عندما ينهار النظام الدولي، يكون الفقراء والضعفاء هم أول الضحايا. في هذا العالم الجديد، تستطيع دولة كبرى أو قوة إقليمية طموحة أن تغزو جارتها، وأن تحتل أرضها، وأن تفرض عليها شروطها، ولا أحد قادر على ردعها سوى قوة أكبر منها. الموازين الدولية التي كانت تمنع هذا السيناريو، أو على الأقل تضع له ثمنًا باهظًا، قد سقطت تمامًا. لقد تحول العالم إلى غابة كبرى.
نحن في عالمنا العربي، ندفع الآن فاتورة هذا التحول العالمي، وندفعها من دمنا ومن مستقبل أولادنا. صحيح أن لنا أخطاءنا الكثيرة، صحيح أننا لم نبنِ بعد الاتحاد القوي الذي يحمينا، صحيح أن خلافاتنا الداخلية وغياب المشروع القومي الموحد يضعف موقفنا ويمزق صفنا. لكن علينا أيضًا أن نرى الصورة كاملة، ما يحدث لنا ليس مجرد نتيجة حتمية لأخطائنا فقط، لكنه أيضًا جزء لا يتجزأ من تحول عالمي خطير، يضع منطقتنا الثرية والمعقدة في مرمى النيران بشكل دائم.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى، التي ربما تكون أكثر ما يثير التفكير في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة. إنها مفارقة تستحق التأمل. ففي الوقت الذي نرثي فيه النظام العالمي المنهار، ونتحسر على العدالة الدولية المحتضرة، يبدو أن الاستثمار الوحيد الذي لم نختبره قط في عالمنا العربي، أو لم نوله الأهمية التي يستحقها، هو الاستثمار في القوة الذاتية الشاملة. الاستثمار في القدرة التي تجعل منا فاعلين في التاريخ، لا مجرد مفعول به.
نعم، أعرف أن كلامي هذا قد يبدو صادمًا لمن عرفوني على مدى سنوات طويلة. فطوال حياتي، ناديت بالعقل والحوار والانفتاح على العالم، وبأن التنمية والثقافة هما سلاحا الأمم في العصر الحديث. لكن التنوير ليس سذاجة، والعقلانية ليست جهلاً بواقع القوة. الرجل الحكيم في النهاية هو الذي يرى الأشياء كما هي، لا كما يتمنى أن تكون. وما هو واضح للعيان في عالم اليوم هو أن الدول التي أنفقت بسخاء على تحديث جيوشها، وطورت صناعاتها العسكرية، واعتمدت على قدراتها الذاتية في الدفاع عن نفسها، هي وحدها التي تستطيع أن تنام مطمئنة في ليل هذه العاصفة الهوجاء. هي وحدها التي يمكنها التفاوض من موقع ندية، والدفاع عن مصالحها من موقع قوة.
الإنفاق على الجيوش، في عالمنا المعاصر، لم يعد ترفًا تمارسه النزعات العسكرية، ولم يعد خيارًا أيديولوجيًا. لقد أصبح، بكل بساطة، ضرورة من ضرورات البقاء البيولوجي للأمة. إنه مثل شراء وثيقة تأمين على الحياة لمن يسكن في منطقة كلها أخطار وبراكين. هو، في تقديري المتواضع، أفضل إنفاق يمكن لدولة نامية، وخاصة عربية، أن تقوم به في هذه المرحلة، لأنه يشتري لها الوقت والأمان لتنمو وتتطور في الداخل. الجيش القوي لا يعني بالضرورة الحرب، بل يعني غالبًا منعها.
لكن هذا الكلام لا يعني أبدًا أن نختزل القوة في البعد العسكري فقط، أو أن نحول مجتمعاتنا إلى ثكنات عسكرية، أو أن نستهلك مواردنا في سباقات تسلح عقيمة. التوازن هو الأساس، وهو لب الحكمة. الجيش القوي ضروري، إنه شرط أساسي، لكنه ليس كافيًا بمفرده. المجتمعات المتعلمة القادرة على الإنتاج والابتكار، والاقتصادات المنتجة المتنوعة التي لا تعتمد على الريع، والأنظمة السياسية المستقرة العادلة القادرة على احتواء مواطنيها، والمواطنون الواثقون في دولتهم والمعتزون بهويتهم، كلها عناصر لا تقل أهمية عن الدبابات والطائرات. إنها في الحقيقة الوقود الذي يحرك هذه الدبابات، والعقل الذي يوجه هذه الطائرات. القوة الحقيقية هي مزيج مركب وعضوي من القدرة العسكرية والصلابة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي والإرادة السياسية.
ما أريد قوله، في ختام هذه الكلمات التي أتمنى أن تصل إلى القلب قبل العقل، هو أن علينا جميعًا، نخبًا وشعوبًا، أن نستيقظ من أحلام اليقظة التي عشناها طويلاً. علينا أن ندرك أن عالم ما بعد الحرب الباردة، الذي كنا نظن بسذاجة أنه سيكون عالم سلام وعولمة وتقدم وازدهار للجميع، قد انتهى إلى غير رجعة. العالم الجديد الذي يولد أمام أعيننا هو عالم القوة المجردة، والتحالفات المؤقتة القابلة للكسر، والمصالح المتغيرة بسرعة الصاروخ.
دعونا إذن لا نندب حظنا طويلاً، ولا نضيع الوقت في البكاء على الأطلال. فشعوبنا العربية التي عاشت على هذه الأرض منذ فجر التاريخ، وواجهت غزوات واحتلالات وأزمات لا تحصى، والتي خرجت منها في النهاية أقوى وأصلب، قادرة بلا شك على تخطي هذه المرحلة العصيبة أيضًا. لكن هذا يتطلب منا وعيًا جديدًا بالواقع، وإرادة صلبة لبناء الذات أولاً، واتحادًا حقيقيًا فاعلاً بين أقطار أمتنا، لا مجرد شعارات نرفعها في المناسبات وخطب رنانة تذروها الرياح. الوطن العربي واحد، ومصيره واحد، وتحدياته واحدة، ولا سبيل لمواجهتها إلا بيد واحدة متماسكة.
أما نحن في هذا الركن من العالم، المثقلين بالتاريخ والموعودين بالمستقبل، فلنا دعاؤنا الذي لا يتغير في ختام كل مقال وفي مفتتح كل عمل: حفظ الله بلادنا وشعوبنا من كل سوء، وألهمنا رشدنا، وأعاننا على بناء قوتنا.
***
د. عبد السلام فاروق







