عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

ثامر الحاج أمين: في الطريق إلى المقبرة

المرة الأولى التي التقت فيها نظراتهما، وشاهدها فيها عن كثب كانت داخل ذلك الباص الطويل الذي أقلّهما إلى المقبرة لإحياء الذكرى السنوية لفقيدٍ مشترك بينهما، كان الباص مكتظًا بخليط من النساء والأطفال، ومعظم ركابه كانوا من الأقارب والمعارف، أما وجوده بينهم، فكان لتلبية حاجات القوم، باعتباره الرجل الوحيد في الباص الذي أُوكلت إليه هذه المهمة، وما إن انطلق الباص حتى نهض بين الركاب يتفقد أحوالهم، ويسألهم عمّا يحتاجون إليه، وينتقل من مقعد إلى آخر لتلبية طلباتهم.

وبينما كان منشغلًا بذلك، التفت عفويًا نحو مؤخرة الباص، فلفتت انتباهه صبية يافعة كانت ترنو إليه بعينين تشبهان عيني صياد يترقب حركة فريسته. بدا له أنها ليست أكثر من مراهقة تضع أولى خطواتها في حقل الحب، وأن شيئًا ما في داخلها يدفعها إلى مراقبته بشغف لا تخفيه، في البداية لم يلتفت كثيرًا إلى نظراتها، وعدّ اهتمامها به مجرد تجربة عابرة لا يُعوَّل عليها. ولم يكن واثقًا من حقيقة مشاعرها، رغم تلك النظرات المشحونة باللهفة والتي كانت ترسلها إليه من آخر الباص، حيث تجلس إلى جانب أمها العجوز، كانت عيناها تقولان أكثر مما تستطيع الكلمات قوله، فقد كان في نظراتها رغبة واضحة في الاقتراب منه، والتعرف إليه، وفتح حديث معه. ومع ذلك، لم يشغل الأمر حيّزًا كبيرًا من تفكيره في بادئ الأمر، وعدّ تلك الإشارات مجرد فقاعة عاطفية ستنطفئ سريعًا حين تلامس الواقع، فالذي يصدر عن فتاة في مثل ذلك العمر لا يمكن في رأيه أن يُؤخذ على محمل الجد، وكان يحتاج إلى دليل آخر يؤكد له أن ما يراه في عينيها ليس وهمًا عابرًا، كما أنه لم يكن متفائلًا بحبٍّ يولد في أجواء الموت والمقابر، وتحت عويل المفجوعين بفقدان أعزّائهم. ومع كل تلك العوارض التي وضعها في طريق هذا الإعجاب، ومنها تعمّده عدم الاكتراث بحركاتها وإشاراتها، التي أخذت تتضح جليًّا كلما اقترب من مقعدها، شعر بأن سحرها بدأ يفعل مفعوله، وأن تجاهله لاهتمامها به لم يكن سوى مكابرة واضحة. فقد كانت تمتلك وجهًا طفوليًّا جميلًا، تلوح عليه ملامح البراءة، فضلًا عن حيوية آسرة بدت قادرة على تحطيم كل الدفاعات التي أقامها في وجه انجذابه إليها.

توقّف الباص عند القبر المقصود، وأخذ المعزّون يتوافدون على النزول، فيما ظلّ هو واقفًا يشرف على سلامتهم. وكانت هي آخر المغادرين، إذ خصّته بتحية لم تكن عابرة، بل توقفت إلى جانبه تسأله عن أحواله، مستعيدةً بذلك صلة القرابة التي تجمعهما، والتي عادت لتتوهّج من جديد، وكأن للموت فضلًا في إيقاظ جذوتها بعد طول خفوت وفراق .

وفي خضم ذلك الجو المشحون بالبكاء والنواعي التي أخذت النساء يطلقنها، كان هناك وليدٌ يشق طريقه إلى النور، ليكبر وينمو مع الأيام، ويثبت أن الحب طوفانٌ جارف لا تقوى الحواجز على الوقوف في وجهه، ولا تقوى الظروف مهما قست على إخماد جذوته.

***

ثامر الحاج أمين

في نصوص اليوم