كلّما شربتُ الماء،
ابتعدتْ عنّي غيمةٌ
بأجنحةٍ من الرفض.
لماذا تبتعدين عنّي؟
أفي حدائق الألم الفارغة
ما يكفي من الأشباح
لتواصل عشقها في العتمة؟
هناك، حيث القمم تشتعل في صمت،
كنتُ أشكّك في الألفة،
وأغرق أكثر في غربتي،
كأن المسافات لم تعد تقاس بالخطى،
بل بما يتسع في الروح من التباس.
كنتُ هناك،
مشدودًا إلى أجسادٍ
يُنهكها انحسار الخريف،
إلى نهودٍ يطالها ذبول الفصول،
وأوراقٍ تتساقط من عواء الريح،
كأنها شظايا شجرة العدم
المتجذّرة في أعماقي.
الحبُّ مسألة نادرة،
لا تكفي الكلمات لتفسيرها،
ولا تكفي الذاكرة لإنقاذها.
كنّا نتحدّث عن فشلنا
في رتق فجوات المعنى،
ونغيّر إيقاعاتنا
كما تفعل قصائد النثر،
لا تستسلم لوزنٍ،
ولا تطمئن إلى قافية.
فالوزن قيد،
والإيقاع أثر العابرين
في طرقات الروح.
وكنتُ، مثل مشرّدٍ قديم،
أقتفي أثر النزيف،
وأبحث عن عاشقةٍ
تنجو من أذى الحب،
عن يدٍ لا ترتجف
حين تلامس غيابًا.
كانوا يراقبون عناق النحل
في شهدٍ غريب،
ولم ينتبهوا إلى أن في سرّ العسل
لغزًا آخر للغياب،
وأن الذاكرة،
حين تتعب من استعادة الوجوه،
تتلاشى ببطء في الهواء.
الماء يتقلّص،
والساقية تفقد أغنيات المدح،
كأن النبع نفسه
بدأ يشكّ في جدوى الجريان.
غادرت الابتسامة غصنها،
وظلّ الغصن عاريًا،
يصغي إلى ريحٍ
لا تحمل سوى أسماء الراحلين.
أما أنا،
فما زلت أشرب الماء،
وأراقب الغيمة وهي تبتعد،
كأنها تعرف عنّي
ما لم أجرؤ يومًا
على معرفته عن نفسي.
***
عارف عبد الرحمن








