عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

سعاد الراعي: رأس لينين

1ـ ساعة الخيانة

كانت المهمةُ من ذلك الطرازِ الذي يُقاس فيه الخطأُ بثمن الروح، في زمنٍ أحالت فيه السلطةُ الكلمةَ العابرةَ إلى حبل مشنقة. فكيف بالكلمةِ التي تنبضُ بها المنشوراتُ المهربة بعيداً عن أعيُنِ الحزب الحاكم، وفي منأىً عن قبضةِ جواسيسه الذين بثهم النظامُ في كل نافذة ومقهى وعلى قارعة كل طريق؟

تتسربُ تلك الأوراقُ بين الأزقة والدروب المطمورةِ بالسكون في حذرٍ أليم، تتنقل كشرارةٍ تعبرُ فتيلها صعداً، آملةً الوصول إلى الأيادي التي تترقبها بعطش الصحراء لقطرة مطر، ولهفة الرضيع لأول قطرة حليب.

بيد أن التخفي والحذر لم يكونا كفيلين بوهب الأمان..

فقد يستحيلان بغتةً باباً يفضي إلى عالمٍ مغاير تماماً، تنقلبُ فيه النباهةُ إلى غفلةٍ طارئة، وتغدو الحذاقةُ فيه سهوةً تودي بحياة صاحبها إلى الظلمات.

ففي دروب العمل السري، تُقاس المسافات بعدد الشكوك المزروعة عند كل منعطف، وبثقل التوجّس من وجهٍ مقنّعٍ بابتسامة. وجهٍ يستطيع أن يقودك إلى حتفك لمجرد أن اشتبه في أن أفكارك تجاوزت حدود المسموح.

انتباهٌ مفرط، وصمتٌ في الأماكن العامة، وأعذارٌ جاهزة على اللسان، وعينان تراقبان الوجوه دون أن تلتقيا بها.

الناس يتصرفون كأن الجدران تسمع.

وأعمق من الاعتقال رعبٌ يفتك بالناس:

شعورٌ متواتر بأن كلمةً عابرة قد تنقلب تهمةً في فمٍ لا تعرفه.

الصداقة مشروطة والحب خطر، والشك هو الهواء الذي يُتنفس:

هل هذا الصديق مراقب؟

هل تلك التي تحاول التودد واشية؟

هكذا صار إشاعة الرعب والشك إسمنتًا يمسك بنية السلطة. ومع ذلك، ظلّت النجاة رهينة حسن ظنٍّ يضطرّ المرء أحيانًا إلى منحه لمن لا يستحقه، كأنه يبتاع قاربًا من ورق ويمضي به في بحرٍ هائج.

انطلقت السيارة تحمل المنشورات، تشقّ سكون المدينة الكثيف، سكونًا لا يكسره سوى أنين المحرك الرتيب ونظرات خاطفةً، قلقة، تتقاطع بين الركاب الثلاثة في ذلك الحيّز الضيق. كانت عينا نوري تتنقلان بين الوجوه، فقد علّمته سنوات التخفي أن أشد الضربات غورًا قد تخرج من المقعد المجاور، من رفيقٍ شاركه رغيف الفقر وعتمة الحلم، قبل أن يتجاوز كل المتاريس التي تفصل بين الصديق والجلاد.

انحرف شغب بالسيارة بغتةً عن المسار المرسوم في الخطة، مستديرًا نحو نقطة الانطلاق الأولى، مبررًا الأمر بأنه نسي غرضًا لا بد من استعادته. ركن نوري التبرير جانبًا، قابضًا على جمر قلقٍ وهسيس خوفٍ خفيّ ينذر بشرّ مستطير. تبلورت الأسئلة في ذهنه وتلاشت سريعًا قبل أن تجد لسانًا.

انشقّت العتمة امامهم، وانبثق من شقّها سيارة داكنة بلا أرقام، انحرفت حتى سدّت الطريق بعرضها، ثم سكنت. ترجل منها أربعة رجال، بلا عجلة، بلا التفاتة، يسيرون سير من يعرف أن الطريق قد انتهى قبل أن يبدأ، وأن أحدًا في هذه السيارة لن يفلت.

وبين شهيقٍ وزفير، صارت فوهات البنادق تحاصر الزجاج من كل جهة.

ثم انفلت من الخارج صوت خشن، ثابت حدّ اليقين، يخرج من حنجرة رجل لا ينتظر اعتراضًا:

"انزلوا... واحدًا تلو الآخر... وأيديكم فوق رؤوسكم."

خطا نوري إلى الخارج بتثاقل، يتعثّر في خطوته الأولى من ثقل الصدمة، فاقدًا الثقة بثبات الأرض تحته. حاول ردم الهوّة بين ذعره المكتوم وخطوته المتعثرة، خانته أنفاسه وهي تعلو وتهبط، لتكشّف عن توتره رغم محاولته الاستقرار. وقعت عينا أحد عناصر الأمن على سترته الخريفية الفضفاضة، كمن يعرف مسبقًا ما تخفيه، فجاء الأمر حادًا سريعًا:

 "انت... افتح السحّاب ببطء، وباعد الطرفين."

تصلّبت أنامله في تلك الهنيهة حتى كاد لا يشعر بها.

لطالما عاش نوري رفقة الموت، غير أن الذي جمّد الدم في عروقه الآن هو ذلك الثقل المخبأ تحت حزامه، ثقلٌ يعني خسارة آخر ثغرة للمناورة أو النجاة.

غدا الوقت أضيق من أنفاسه المتسارعة، وبدت المسافة القصيرة بين أصابعه المرتعشة وسحّاب السترة أثقل من أن يتحملها.

خلف الحزام كان يقبع مسدس آلي صغير، قطعة الحديد التي وضعها رفيقه علي بين يديه مساء أمس بإلحاح، احتياطًا مما قد يفاجئهما وحمايةً أخيرة فرضتها الظروف.

منذ تلك اللحظة استقرّ ملمسه المعدني على خاصرته كعبء ثقيل، طالما حدّثته نفسه بالتخلص منه قبل فوات الأوان، إذ طالما آمن أن الموقف والكلمة أجدى من حمل السلاح.

 كانت تلك المرحلة تعيد صياغة كل المفاهيم بقسوة، مرحلة تُحصي فيها السلطة الأنفاس وتراقب العقول، فيغدو حمل السلاح عبئًا يتجنبه المرء خشية أن تبتلعه أقبية العتمة إلى الأبد.

انصاع بعد تردد وجيز.

تحرّكت يده تحت نظرات متربصة خلف الزناد، وما إن انفرجت السترة حتى بان السلاح في مكمنه.

لم تمهله عيناه أن تطرفا، حتى انقضّت من خلفه يدان غليظتان أحكمتا القبض على معصميه بحركة أفقدته الاتيان بأي حركة للحظة، بينما انتزع أحدهم السلاح من حزامه. وفي اللحظة التالية هوت ضربة من عقب الرشاش على رأسه، فدار المدى من حوله، وترك جسده يترنّح مستندًا إلى حافة السيارة.

على مقربة منه كان صديقه علي يتلقى الضربات ذاتها، جامد النظرات، عاجزًا عن استيعاب هول الخديعة وسرعة السقوط.

أما شغب، فبقي خلف المقود ساكنًا سكونًا يثير الريبة. لم ترتسم على وجهه دهشة المباغَتين ولا فزع الضحايا، ناظرًا ببرود المخرج المسرحي الذي يحفظ تنفيذ الادوار عن ظهر قلب.

انقشع الضباب حينها عن بصيرة نوري، وتيقّن أن المشهد انما هو كمين مدبّر بعناية فائقة لا مجال للصدفة فيه، وبخيانة سبق فيها الإصرار كل خطوة.

التفت صوب علي، وهمس بصوت خافت يعلوه الخذلان:

"ألم أخبرك أن رهانك عليه خاسر منذ البدء؟ فلماذا لم تتأكد منه؟"

جاءت الكلمات حقيقةً صادمة لثقة قُتلت في موضعها.

كان شغب رفيق طفولة علي وموضع ثقته، وسليل عائلة شيوعية ضاربة في النضال، قدّمت للوطن أشخاصًا دفعوا حياتهم ثمنًا، وسنوات من التضحيات. ولأجل هذا التاريخ بالذات، غدا سقوطه في جانب السلطة والعمالة أشد إيلامًا على رفاقه من فوهات البنادق نفسها، وهو ما يدمر كل إمكانية للثقة، التي طالما التمس المرء في ظلها الأمان.

استعاد نوري في ذهنه تفاصيل الساعات القليلة الماضية:

مراقبة شغب المتكررة لعقارب ساعته، ذلك القلق الذي حاول دفنه تحت أحاديث مفتعلة، ارتباكه وإصراره المفاجئ على تغيير المسار والعودة.

غدت كل تلك الإشارات الآن خطوات مرتبة لتسهيل الاعتقال، وتيقّن أن شغب ضبط عودته لنقطة انطلاقهم لتتطابق مع ساعة الصفر المتفق عليها مع رجال الامن مقابل ضمان سلامته الشخصية والتخلص من الملاحقة والاعتقال.

في تلك الأثناء تنحّى أحد عناصر الأمن جانبًا. سحب جهاز اللاسلكي، متحدثًا برتابة من اعتاد رفع البلاغات السريعة:

"سيدي... تمت العملية وفق المخطط بنجاح تام... دون معوقات."

استقرت الجملة في مسامع نوري إعلانًا رسميًّا بانتهاء دورهم كأهدافٍ متحركة، وتأكيدًا أن كل تفصيلة منذ لحظة تشغيل المحرك كانت تتبع سيناريو جرى إعداده في دوائر الأمن.

لم تمر دقائق حتى توقفت سيارة أمن أخرى، ونزل منها عناصر إضافيون انتشروا بآلية عسكرية مدروسة، يتفحصون الممرات تحسبًا لعدوٍّ وهمي، بينما الضحايا أمامهم مكبّلون، لا يملكون سوى عيون مفزوعة.

بدأ الرجال تفتيش السيارة بدقة مستفزة بعد ان أمروا شغب بالترجل، وأُحكمت القيود الحديدية حول المعاصم..

في تلك اللحظة، وبعد ان استوعب نوري حقيقة ما آلت اليه الامور، غادر وعيه الساحة كاملًا، متجاوزًا ما ينتظره خلف الأبواب المؤصدة من استنطاقٍ وعذاب، ليطير قلبه نحو منزله.

مثُل أمامه وجه والده، العسكري المتقاعد الذي أقعدته جلطة قلبية في خريف عمره، مجبرًا على ترك البدلة العسكرية، مكتفيًا ببندقيتي صيدٍ قديمتين يحرسهما بعناية فائقة كشواهد مقدسة على أيام العزّ الغابرة والصولات الخوالي.

كان نوري يعرف، بحكم التجربة، أن العثور على أي قطعة سلاح، ولو كانت للصيد أو حتى خردة صدئة، في منزل متهمٍ بالسياسة كفيلٌ بتحويل لائحة الاتهام إلى حكم إعدامٍ مبرم.

تجاوز جزعه من فكرة موته الشخصي، وارتعدت أوصاله من تخيّل والده الشيخ المريض يُساق بذلٍّ إلى مصيرٍ مظلم، عقابًا على إنجاب ابنٍ اختار طريق التمرد.

ثم تدافعت إلى ذهنه هواجس أخرى، أصبحت أثقل على صدره من حد السلاح: ذلك الشغف القديم بالرسم، رأس لينين بلحيته الذي كان يخطّه بدقة متناهية على حواف كتبه ودفاتره المدرسية حتى غدا بمثابة شفرته المحببة، ووصل الأمر إلى دفاتر شقيقته الصغرى في مرحلتها الابتدائية، تلك الدفاتر التي تقابل فيها الوجه الملتحي المطبوع بضحكاتٍ طفولية بريئة.

رأى بوضوح كيف ستتحول تلك الخطوط البريئة، في نظر المحققين، إلى براهين إعدام تنطق بما يعجز عنه السلاح القابع الآن في سيارة الأمن.

ابتهل في سرّه، بكل ما تبقى في روحه من رمق، أن يكون نبأ اعتقالهم قد تسرّب إلى البيت عبر الأثير قبل وصول طلائع المداهمة، ليمنح الشيخ العجوز فرصة واحدة، ولو ضئيلة، لمحو كل أثرٍ قد يقود رقاب العائلة إلى المقصلة.

أنهى الجلادون استغراقه في التفكير سريعًا حين انهالت الركلات وأعقاب البنادق على كل جزء من أجسادهم، وعُصبت الأعين بقطعٍ من القماش الداكن، ثم دُفعوا بعنفٍ إلى جوف سيارة الأمن. ومع الحركة الأولى للعجلات، بدأت جغرافيا المدينة وأصواتها المألوفة تضمحل شيئًا فشيئًا في غياهب المجهول، بينما شقّت السيارة طريقها مسرعةً نحو مديرية أمن السليمانية، ذلك المكان حيث تُختم آمال البشر بسواد الموت أو يعودون أشباحًا لا تشبه نفسها

***

2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب

كانت السجون العراقية، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أضيقَ من أن تحتمل ما حُشر فيها من أرواح، وعجزت عن إخفاء ما يجري داخلها من أهوال.

عشرات الآلاف من المعارضين للسلطة الدكتاتورية، من شيوعيين وإسلاميين ومستقلين وغيرهم، زُجّ بهم خلف أبواب حديدية أوصدها القمع في وجه كل رأي يجرؤ على المخالفة. كما بلغت الخصومة السياسية في تلك المرحلة حدّ اقتلاع الخصم من جذوره.

توالت النكبات على الحزب الشيوعي متلاحقةً كصواعق الخريف، فما إن انفرط عقد التحالف مع الحزب الحاكم، حتى انفتحت أبواب أجهزة الأمن على مصاريعها، وتتابعت موجاتُ الاعتقال وأحكامُ الإعدام لتعصف بزهوةِ القيادات والكوادر. وأمام هذا الموت المتصدّر لكل درب، بزغ خيار الكفاح المسلح كآخر الملاذات. تدفقت مفارز الأنصار في أودية كردستان وجبالها، تُذكي جذوة حلمٍ قديم بالتغيير.

وفي الجهة المقابلة، جاءت العمليات المسلحة التي أعلن حزب الدعوة الإسلامي مسؤوليته عنها ضد رجال السلطة، وفي مقدّمتها محاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء آنذاك، ذرائع إضافية لتشديد القمع، حتى أُعدم مؤسس الحزب وعدد كبير من أعضائه، وتحولت المشانق في الساحات العامة إلى وسيلة لإرهاب الشارع وترهيب كل من يفكر في المعارضة.

أصبح الخوف روتينًا حين خيم الرعب على تفاصيل الحياة اليومية في الشوارع والبيوت والمدارس وفي كل المؤسسات، حتى صار الناس يترددون قبل التفوه بأي كلمة.

 صور القائد كانت حاضرة في كل مكان. عيناه تتعقبك أينما كنت، حتى في غرف النوم والمرافق. عاش العراقيون زمنًا يُحسب فيه الكتمان والصمت أول شرط للنجاة. ولكن، حتى الصمت يمكن ان يكون موضع شك وتهمة ان لم يُفسر بشكل صحيح.

في ذلك المناخ المشحون، تشكّل وعي نوري، ابن السليمانية، الطالب في المعهد الصناعي، الذي يبدو هادئ الطبع بملامحه الجبلية القاسية، مع حذر واضح تنم عنه نظراته اليقظة. أسرته في الماركسية أسئلتها عن قضايا العدالة وحقوق الفئات الكادحة الفقيرة. فقد كان يبحث عن معنى أوسع للحياة، عن تغيير حقيقي يستوعب الجميع دون ادعاء بطولة. وحين تعرّف إلى أحد أعضاء الحزب الشيوعي، وجد نفسه يقترب من ذلك العالم خطوة إثر أخرى، حتى أضحى العمل السري جزءًا من نسيج أيامه، باندفاع شاب يراهن على التغيير، رغم ادراكه لكلفة هذا الطريق.

بعد ساعات طويلة من التعذيب والتحقيق المتواصل، وقد أعيت رجال الامن محاولاتهم انتزاع اعترافه بتوكيد على انتمائه الحزبي، أو دفعه إلى التعاون معهم، قرروا اقتياده إلى منزله لتفتيشه.

كانت عيناه معصوبتين بأحكام، لكنه استدل على الاتجاه من حركة السيارة وحفظه لتفاصيل الحارة، فعرف أنهم يتجهون لبيته. تضاعف خوفه على عائلته المهددة بسبب وجودهم معه.

اندفع رجال الأمن إلى الداخل بهمجية واضحة، ودوّى صراخهم في أرجاء المنزل، وارتسم الذعر على كل وجه فيه. وقف والده، الشيخ الذي أثقل المرض قلبه منذ سنوات يتوسل، فلم يجد استعطافه أي استجابة.

راحوا يقلّبون المنزل رأسًا على عقب، فلم تسلم الخزائن ولا الفرش ولا الكتب، ولا حتى علب أعواد الثقاب وأغلفة السجائر، في تفتيش انتقامي لا يراعي حرمة.

كان نوري يتابع المشهد بقلبٍ يكاد يتوقف، تجول حواسه وسط الفوضى باحثة عن بندقيتي الصيد اللتين طالما أقلقتاه، عارفًا أن وجودهما كفيل بتحويل التهمة إلى كارثة. غير أن والده، رغم ارتباكه، كان قد سبقهم إلى إخفائهما بحكمة العسكري القديم الذي لم تفارقه خبرته يومًا، فنجتا من التفتيش، ونجا معهما أمل في تفادي التهمة الكبرى.

غير أن المداهمة كشفت أمرًا لم يحسبوا حسابه، إذ لم يتوقع الأب أن ولع ابنه برسم رأس لينين على أغلفة كتبه ودفاتره سيغدو يومًا دليل اتهام قاطع. 

مدّ أحد رجال الأمن يده الى حقيبة صغيرة، فانتزع منها دفترًا مدرسيًا، ثم آخر، ثم ثالثًا، فإذا بالرأس ذاته يتكرر على الصفحات، كأنه ختمٌ لا يُمحى، حتى على دفاتر شقيقته الصغرى نريمان، ذات الأعوام الستة، ظهر ذلك الرسم، وهي التي لم تكن تعرف عن ذلك الوجه سوى أنه رسم كرره أخوها في كراساتها.

رفع الضابط أحد الدفاتر في وجه نوري متسائلًا بنبرة من ظفر بصيده:

"ما هذا؟؟"

فأجابه بثبات وتماسك، رغم ارتباكه المكتوم:

"هذه دفاتر متداولة... لا تحمل دليلًا على شيء."

لم يقتنع الضابط ولم يكترث لكلامه، ومضى نحو نريمان مباشرة.

انتزعوا الطفلة من حضن أبيها الذي لجأت إليه بعد أن هالها ما حل بأخيها، وانزواء أمها ونُواحها وسط عنف مباغت لم تعرف له مثيلًا من قبل.

صرخت نريمان مذعورة، وانفجرت بالبكاء، وهي تمد يديها الصغيرتين محاولة العودة إلى صدر أبيها.

في تلك اللحظة انهار الأب انهيارًا لم يعرفه أحد فيه من قبل، خرّ على ركبتيه يقبّل أحذية الرجال، يتوسل إليهم أن يتركوا الصغيرة، وأن يأخذوه هو بدلًا منها، وبدلًا من ابنه إن شاؤوا.

لم يجد توسله من الرجال سوى الركلات والشتائم، وانهالت عليه الضربات حتى هوى على الأرض فاقد الوعي، ودمه يسيل على البلاط، بينما ظلت صرخات نريمان تتعالى فوق كل صوت آخر في الغرفة.

أفلتت الطفلة من قبضة أحد الرجال، وعادت تجري إليه، جلست قرب رأسه، ومسحت بيدها الصغيرة سيل الدم عن جبهته، وسط صراخ الأم وذهول الجميع.

أما نوري، وهو يُجرّ بعنف إلى خارج المنزل، مقيّد اليدين، فقد أدرك أن عجزه عن حماية والده كان أشد إيلامًا من الأغلال التي تطوق معصميه. وظل صوت أحد رجال الأمن يلاحقه من خلفه بوعيدٍ صارم:

"سنعلّقك في حبل المشنقة... ولن ينجدك أحد."

كان ينظر إلى يديه المقيدتين، وإلى ما حلّ بعائلته في تلك الساعة، ويشعر أن كلفة خياراته السياسية دفعتها عائلته، التي وجدت نفسها في مواجهة البطش من دون أن تختار هذا الطريق يومًا.

***

سعاد الراعي

الفصل الأول من رواية رأس لينين

............................

اجواء ولادة الرواية

 شهادة في كامب الأنصار،

في الهزيع الأخير من ليلةٍ حزيرانية دافئة، وعلى هامش الأمسية الختامية لتجمع الأنصار في هولنداـ 2026، كانت الجبال تهبّ بحكاياتها من جديد.

هناك، حيث اعتاد رفاق السلاح القدامى مذ وصولهم الى الكامب، التسلل عبر صمت الليل لاستعادة سنوات وأيام النضال في ربوع كردستان وجبالها.

تتعاقب الحكايات بحنينها تباعًا كما تتعاقب الأكفّ على نارٍ لا يُراد لها أن تنطفئ. كنتُ قد أصغيتُ إلى بعضها بشغف. وحين جاوز الليل منتصفه بساعة استسلمتُ للنوم تاركةً زوجي وسط صحبه القدامى. غير أن نداءً مباغتاً منه أيقظني بعد منتصف الليل، كان الرفاق ينادونني لأشهد ولادة شهادةٍ استثنائية يرويها أحد الأنصار عن سنوات اعتقاله في زنازين الموت. حملتُ أوراقي وقلمي، ومضيتُ برفقته نحو الحلقة.

تحت الأضواء الخافتة، التقيتُ بحشدٍ غفير فاق توقعاتي، فتسلل إليّ حرجٌ شفيف دفعني إلى الانكفاء في اول زاويةٍ واجهتني، خشية إرباك الاجواء السائدة أو قطع خيط السرد. غير أن طلب الرفاق وإصرارهم على الانتقال إلى الخط الأول كي لا يفوتني نبضٌ من قصة النصير "عماد نوري". فانتقلت الى جواره.

وفي تلك الزاوية ووسط تلك الأجواء الرفاقية الاليفة، وُلدت مسودة السطور الأولى لهذه الرواية، ومن ثناياها لمعت في ذهني تسميتها، فأعلنت في الحال انها ستحمل:

"رأس لينين".

أرجأتُ مشاريعي الكتابية كافة، وانكفأتُ على إعداد خطة السرد والنبش في أسرار المرحلة. جُبتُ المصادر والوثائق التي ترفد هذا الأثر الإنساني، وكان في مقدمتها الكتاب الوثائقي المرجعي للأستاذ والزميل صباح كنجي "دهاليز الموت"، الذي أهداني نسخة منه بود كريم ليكون ركيزةً وثائقية. أضفتُ إليها خزين قراءاتي الممتدة في أدب السجون والوثائق والشهادات الحية، لتخرج هذه الرواية مشبعةً بلحم الواقع ودمه، ووفيةً لأصحابها.

في نصوص اليوم