لطخة
هي الليلة الأولى مرت و(مايا) بعيدة عني، هل يُعقل هذا. أكثر من عامين ولم نفترق، وقد استيقظت، شأني كلّ يوم، في الساعة السادسة قبل شروق الشمس، دفعت الباب برفق فوجدت (ساديا) نائمة بهدوء: فتحت النوافذ في الطابق العلوي، وألقيت نظرة على نوافذ البيوت عند الرصيف الآخر فوجدت بعضها بدأت تتفتح لضوء الصباح، وأخرى ماتزال نائمى، ثمّ هبطت إلى المطبخ..
أعدّدت القهوة، والمربّى، والزبدة، انتظرت برهة، وصعدت ثانية إلى (ساديا)، فتحت نافذة الغرفة أيقظتها بلطف.. طبعت قبلة على جبهتها وانتظرتها حتى جاءتني بحقيبتها والمشط، فسرحت شعرها.
ثمّ جلسنا إلى المائدة نستمتع بالفطور.
قلت ملاطفا:
اليوم أو غدا يصبح عندك أخ.
قالت بفرح:
نكون أربعة (وأردفت وهي تتلذ بلعق مربى المشمش) ذلك يسعدني كثيرا.
خامرتني ابتسامة لذيذة، فأغمضت عينيّ على وقع دخان القهوة المتأرجح للأعلى.
كنت أتركهما تتمتعان بلذة النوم نصف ساعة. تحسّ مايا بي أنهض، فتتململ، تتثاقل تمد إليّ ذراعيها فأطبع قبلة على شفتيها ثمّ تغطي عينيها بذراعيها حتى أنزل إلى المطبخ أرتب كلّ شىء وأعدّ الفطور وحالما تعلن ساعة الصالة عن السادسة والنصف عندها تترك مايا الفراش الدافىء الفراش، تدخل غرفة (ساديا) تجهزها بعدها تنزلان إليّ في المطبخ..
ذلك الصباح بدا كلّ شيء عاديا..
اطمئنان
سكون
وعلامة بشرى بمولود جديد.
تفاؤل
والسماء رمادية.. خفيفة. وبعض لفحات من نسيم بارد يداعب أوراق الشجر الممتد على جانبي الطريق، تركت (ساديا) في المطبخ، ونزلت درجتي الحديقة الأمامية، فتحت البوابة العريضة، وقصدت السيارة عند الرصيف..
فجأة
على السياج الخشبي ظهرت لطخة حمراء كبيرة
في البداية ظننتها صبغة أو طلاء سقط من شيء ما.
حاولت أن أراوغ عينيّ..
الشكل
اللون
حمرة الدم
لون الرمان
القرمز
أحمر داكن انتشر على الخشب بهيأة كفّ منفرجة الأصابع.. كأن أحدا ما غمس يده بدم حقيقي ثمّ لطشها على السياج، وزينها أسفل الرسخ بقطرات متناثرة.
لوحة غريبة.
عنف أم عبث؟
تهديد.. ربما
اقتربت خطوة وابتعدت
تراجعت
تطلعت إليها من بعد. حاولت أن أقتنع على مضض أنّها مجرّد طلاء، غير أنّ لونها والشكل.. الأصابع الخمس، والدماء التي تخر من تحتها كل ذلك أثار خوفي..
أشاع الريبة.. التوجّس
ظهور المشاة في الشارع، وحركة السيارات، لا شك أن هناك من لا يعيرها اهتماما ومن ينظر إليها ساخرا بدافع الفضول، ولا أظنّ أحدا يتوقف عندها.. هل هي رسالة من مجهول؟
أم عبث مقرف؟
لا أنكر.. لست جبانا..
أخذ قلبي يخفق.. أردت أن يتأكد من أسيجة البيوت الأخرى، صعدت إلى أعلى الشارع عدة أمتار ألقيت نظرة على أسيجة البيوت التي في صفّ بيتنا ذات الأرقام الزوجية، وتابعت في الوقت نفسه إلى الرصيف الآخر حيث صف البيوت والأشجار فلم أجد أيّه علامة شبيهة توعد بالشرّ ثمّ هبطت أسفل الشارع باتجاه التقاطع ولم أر شيئا.
من حقي أن أعجب
أندهش
أخاف
وأشك بلا شىء وكلّ شىء.
خلال السنوات الطويلة التي عشتها في منزلي تجاوزت أي خلاف بيني وبين الجيران. ليس لديّ خصومات. ابتعدت عن الشرقيين ومشاكل السياسة والدين. معظم وقتي أقضيه بين المدرسة والبيت، الجيران يعرفونني هادئا أقابلهم بابتسامه وأواصل طريقي.
ليس هناك أكثر من هذا
مع ذلك
ظهور اللطخة الحمراء المفاجئ جعلني أنظر إلى الشارع بعين أخرى.. كأنّ شيئا مخفيا يراقبني..
يتابعني.. حتى كدت أنسى (ساديا).
هرعت إلى المنزل، كانت تنتظرني بتأفف. قالت:
تأخرت كثيرا dad؟
قلت : تنظيف السيارة استغرق مني بعض الوقت
جعلتها عن يميني كي لا ترى اللطخة، فتنهال عليّ بأسئلة أحار في جوابها.. من.. لماذا.. كيف.. ماذا تعني.. كأي صحفي فضوليّ أو قاض ذكيّ.. الحقّ أسئلة لا أعرف لها أيّ جواب جعلتها عن يميني أغطي على اللطخة.. وحالما عدت.. اتصلت بالمدرسة. أخبرتهم أنّي في شغل وقد أتأخّر.. استعنت بالهاتف مرّة أخرى
استوقفتني الشاشة بضع ثوان..
هل أتصل. ؟
.. 999
كانت يدي تضغط على رقم الطوارىء.. 999 كأنّها تنفصل عن تردّدي.
واستغرقني هاجس آخر: من قبل رأيت وشوما على الجدران.. ماذا لو رأيت حرفا أو وردة، أم خربشة ما لكنْ ليس بهذا الشكل المخيف.. لعل الأمر يبدو تافها. قبل أن يكون ذا ملامح غريبة.
لحظة عبث من مخمور..
أنقض خيالاتي البريئة.
ليس عابثا.
. هناك علبة صبغ. وكف مطبوعة نسخة حقيقة أم من البلاستك.. بيتي الوحيد من بيوت الحي الذي وقعت عليه اللطخة.. لقد شعرت ببعض الحرج وأنا أُثْقَلُ بالتفاصيل عن البوابة واللطخة والجدار، كانت الموظفة تصغي إليّ بتعاطف تبينتُه من خلال نبرة صوتها، وكانت الأسئلة تتلاحق:
هل تلقيت تهديدات سابقة أو رسائل من مجهول؟
كلا.. أبدا
تشك بأحد
كلا كلا
بعد ربع ساعة وصلت سيارة الشرطة، وكانت هناك سيارة من طراز صالون فيها فيها السائق وشرطي آخر وقفت عن بعد.. ترجل الشرطي والشرطية، واقتربا من السياج. كانت الشرطية في الخامسة والثلاثين من عمرها، والشرطي يقاربها في العمر. اقتربا من السياج يتفحصانه ويدققان في البقعة. التقط الشرطي عدة صور من مسافة قريبة، بعدها.. أخذ يطالع الأثر. كانت ملامحه هادئة وظلّ يلتزم الصمت. بعد دقائق أخرج قفازات واقتطع عينة صغيرة من المادة الحمراء بآلة من البلاستك. وتبادل النظرات مع زميلته. سألت:
هل اكتشفت شيئا؟
أجاب:
مازال الوقت مبكرا لعلها طلاء أو صبغ، سوف سنرسلها إلى الفحص إذا لزم الأمر.
زاد جوابه الموقف غموضا، فتجاهلا الحديث معي وواصلا فحص المكان
الرصيف
الحديقة
صندوق الرسائل..
وتوجّها إلى بعض الحيران الذين خرجوا من بيوتهم إذ أبصروا سيارتي الشرطة ترابطان في المكان.
بعض الوجوه أطلت من النوافذ، خيّل إلي أنهم يتهامسون.. فشعرت أنّي أصبحت محور الشارع كلّه.
حديث الناس؟
ماالذي يظنونه.. جاري القريب يعرف بلا شك من حديث الشرطة حقيقة الأمر، أما الشبابيك البعيدة وعلى الرصيف فيمكن أن تختلق حكايات متفاوتة، بين الاعتداء على زوجتي، والتزوير، والغش وربما تهريب المخدرات، وجرائم القتل. ومن يظن أنّي من تنظيم إسلاميّ خطير.. لي صلة بإفغانستان.. أو حركات غامضة في إفريقيا.. أعرف الإنكليز جيدا فقد ولدت في بريطانيا.. درست في لندن. أعرفهم فضوليين إلى حدّ الإدمان لكنهم لا يجعلونك تشعر أنّهم يراقبونك. هل أشير إلى أرنبة أنفي بسبابتي وأهمس:Nose، ذلك ما يجعلني أخجل من نفسي أكثر مما أقلق.
طلبت الشرطيّة من سيارة الصالون المغادرة، وأمرت الشرطيّ المرافق أن ينتظرها في السيارة، والتفتت إليّ:
هل يمكن أن ندردش داخل المنزل.
لا مانع لديّ. تفضلي.
دلفنا إلى الداخل، جلست على كرسي في الصالة واتخذت مكاني قبالتها. فبدأت بالسؤال:
اسمك لو سمحت؟
أنمار السرّاج
هل تظنينه حسب خبرتك عبثا أم ماذا؟
من أي بلد أنت؟
أنا بريطاني من أصل عراقي والدي قدم إلى هنا منذ ستينيات القرن الماضي للدراسة وفضل العمل هنا في بريطانيا حالما أكمل دراسته أما أنا فقد ولدت في لندن ودرست أعمل معلما في مدرسة (وردة الخشخاش)
لديك علاقات مع العرب هنا؟
ولا في العراق تعلمت العربية في البيت، أتحدث الإنكليزية أكثر من حديثي العربية، لكن ماذا تعنين بهذا السؤال؟
أقصد بعد عام 2004 وظهور داعش قد تكون مستهدفا.
أنا لم أزر العراق قط ولا أعرف لي أعماما وأخوالا هناك. لقد انقطعت صلتي تماما. بعد وفاة والدي ووالدتي، ولم أنتمِ إلى أيّ تنظيم أو تجمّع شرقي ماعدا اجتماعات المدرسة الدوريّة ولقاءات بلديّة محلتنا.
لديك إخوة؟
أخ وأخت غير شقيقين من زوجة أبي الويلزية قبل زواجه من أمي، التقيتهما مرة واحدة ولا أعرف أين هما علاقتي بهما مقطوعة تماما.
لزمت الصمت لحظات، تشاغلت بالهاتف الذي أحدث رنّة مميزة، ثم أعادته إلى جيب الصدر، والتفتت إليّ:
أنت مسلم؟
نعم!
من أية طائفة؟
من عائلة سنية ولست متعمقا في الدين!
هل تظنين أن هناك من يطارد المسلمين.
أبدا علي أن أضع دوائر لكل الاحتمالات، لدي دائرة داعش والأحداث التي جرت في العراق وسورية، ودائرة المتطرفين المسلمين في بريطانيا، ودائرة المصادفات وهي الدائرة التي أظنها وأظنّ الموضوع عبثا لا أكثر.
آمل أن يكون كما أشرت
كم عمرك؟
أربعة وأربعون عاما!
متزوج؟
نعم!
زوجتك من العراق.
كلا (مايا) من بنغلادش مولودة هنا ولم تزر بلدها إلا مرة واحدة في حياتها!
ماذا تعمل؟
معي في مدرسة وردة الخشخاش.
هي في العمل الآن؟
كلا في المشفى على وشك الولادة نحن هنا وحدنا أنا (وساديا) ابنة زوجتي من زوجها الأوّل.
هزت الشرطية رأسها، وارتسمت علامة واسعة على جبينها:
هل زوج السيدة السابق في نوتنغهام.
إنه متوفى منذ سنوات طويلة.
حسنا
ونهضت، وهي تقول:
كن مطمئنا سنعالج الأمر بهدوء وأظنه لا يشكل خطرا عليكما.
وقبل أن تغادر:
لن أخبر (مايا) لئلا أقلقها؟ هل تنصحينني أن أمسح اللطخة فهي فضلا عن أنها تلوث الحائط فإنها تلفت النظر بشكلها القبيح ولونها.
يمكنك أن تفعل ذلك.
بقيت بعض الوقت في الصالة حالما غادرت الشرطيّة، تمددت على الكنبة ألتقط أنفاسي كأنّي محارب يلتقط أنفاسه، في هذه الأثناء رنّ الهاتف، وظهر على الشاشة رقم (باريس):
-هل من شئ؟
-لا تقلقي
-ظننتك مع مايا في المشفى هل هي بخير؟
- نعم.. نعم.. ساعة أو أكثر وأكون في المدرسة..
- حسنا إلى لقاء.
ونهضت إلى الحديقة الخلفيّة حيث المخزن، تناولت الفرشاة وفائض الصبغ القديم، رفعت الغطاء فوجدته لم يتغير وكنت أنحني على الكفّ المقطوعة الحمراء المخيفة وأمرر الفرشاة عليها، وجها وآخر وثالثا يمينا وشمالا. أعلى وأسفل أمرر اوأمر بتشف كأنّني أدفنها، فيتساوى فوقها لون الحائط القديم بالصبغة الجديدة.
***
د. قصي الشيخ عسكر
..............
* فصل من رواية عنوانها (باريس)








