عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

عبد الحق طوع: المرآة

دون تحية المساء، جلست لورديس إلى جانبي.

قالت:

- أشعر بنقص.. بنقص كبير بين نزيلات المصحّة، خصوصًا من ينمن تحت سقف غرفتي.

يرفضن الحديث معي. أشعر بالإقصاء التام من الجميع، خصوصًا في قاعة الأكل.

هل لأنني دميمة، عبدول؟

كنتُ..

كنتُ أقرأ رواية «الشيخ والبحر» في نسخة إسبانية.

وضعت ريشة الحمام بين الصفحتين 90 و91.

بالضبط.. في صراع العجوز سنتياغو مع السمكة الكبيرة، وهو يحاول الاحتفاظ بتوازن ما تبقى من قامته، مجددًا شبابه الذي رحل مع عراك الحياة ودورة الفصول، في سهو وخلسة.

سنتياغو:

عن أي عالم تفتش؟

اللغة مقام بديل؟

أين يعلن الموت حضوره، أفي الأصل أم البديل؟

كيف تراوغه؟

هل تزعجك الشيخوخة؟

ما الذي يقلق سنتياغو؟

البهجة عشتَها، والألم حملته معك. عشت ويلات الحرب، سافرت كثيرًا، أحببت ألف امرأة، شربت النبيذ في كل حانات مدن وقرى أوروبا، كتبت وعرفت الشهرة. وماذا بعد؟

وأنت الذي علمتني أبجدية المقاومة.

وقلت لي:

- الإنسان لم يُخلق لليأس، قد يتعثر، الكرامة تطالبه بأن ينهض حيث سقط، وقد استوعب الدرس وأدرك الخطأ، ويواصل المشي.

أبله..

أبله من لا يتلفع بمعطف الأمل في وقت تقلبات الجو وسخط القر والحر والعواصف.

حتى أنت، سيدي سنتياغو، خنتني. بتلك الرصاصة من بندقية صيد كانت هدية من أبيك، والتي رافقتك طوال حياتك، فيها تشم رائحة الوداع الغامض.

وحطمك أخيرًا اليأس، أيها الملاكم القديم.

وأنت الذي علمتني أبجدية المقاومة.

فيجيبه غاضبٌ آخر؛ فينسنت فان غوخ،بنبرة حسرة وتعب:

- كلما تقدم العمر بنا، غدونا أكثر تعلقًا بها.. لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي.

ولكن لماذا؟!

إنه الإخفاق مرة أخرى.

لن ينتهي البؤس أبدًا.

وهي تكفكف دموعها، قالت:

- هل لأنني دميمة، عبدول.. يرفضني الجميع؟

لم أكن أنظر إلى وجهها. كنتُ أنظر خلفه. أنا، في الحقيقة، أحتفل بالباطن. وأعرف جيدًا أن أهل الباطن لا يعمرون طويلًا.

أهله يموتون في محطات غريبة وبطرق بشعة؛ وإن كان أحدهم محظوظًا، تنتهي حياته تحت سقف مارستان.

يقال إن قارئ كف وُضعت أمامه صورة لكف إنسان. تأمل طويلًا في خطوطها وتعرجاتها، وقال العرّاف:

- هذه كف رجل قذر ولص خطير.

وبصوت اليقين.. أضاف:

- وقاتل.

ذهب قارئ الكف المشعوذ ضحية الإيمان بالظاهر.

الكف كانت لفيكتور هوغو.

أعدت سنتياغو إلى قبره، على رف بين شلال من الكتب، كلٌّ ورقمه تمامًا كالسجناء والأموات، بل إن مفتاح مكتبة المصحّة تحت إدارته، وهي تعرف لمن تسلّمه. الجدد، في نظرهم، هم الكتب، وينبغي أن يساعدوا المعالجين النفسيين على قراءة صفحات حياتهم. سيسمح لهم بالفوز بالمفتاح عندما تنكشف لهم طريق النجاة من جحيم المخدرات بكل أنواعها.

نعم، أنا هنا لأنني مدمن كحول، وقلت في نفسي:

- فاقد الشيء لا يعطيه.. وقد يعطيه.. ولا أحد وجدها كما يشتهي.

وأضافت السيدة لورديس:

- لماذا خلقني الله دميمة؟ ألم يقل كتابكم المقدس:

 «وقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم»؟

أنظر.. أنظر جيدًا.. كيف تسخر المرآة من تقويمه؟!

نعم، زوجي الملعون، ليذكرني بحقيقتي في عيد ميلادي، أهداني مرآة. صدقني، عبدول، حطمت رأسه بزجاجة نبيذ.

(تهتز من شدة قهقهة مديدة).

وتتابع كلامها:

- نقلوه إلى المستشفى، وأنا إلى المخفر. أُطلق سراحي في المحكمة بعد أن تفهّم القاضي أحوالي النفسية.

سألتها:

- وأين زوجك الآن؟

- في السجن.

- السجن؟

- نعم. اغتصب شرف ابنتي، ابنته، وخنقها بسلك كهرباء.

وساد صمت بيننا.

قلت:

- لورديس.

- نعم؟

- حاولي معهن مرة أخرى.

- لا جدوى، عبدول.. لا جدوى.

- هل تحدثتِ مع الإدارة؟

- هم أيضًا يكرهونني ويتمنون رحيلي.. يكرهونني، عبدول.

هل أنا مزعجة إلى هذا الحد؟

- وأنا؟

- أنت مثلي. نتقاسم الإحساس نفسه، أقصد الإقصاء.

- وهل أنا دميم أيضًا؟

- لا.

- إذن؟

وصمتت وهي تفكر، وأضافت:

- أرجوك، لا تغضب مني، عبدول.

بهدوء:

- تكلمي، لورديس.

- إنك «مورو».

(تُطلق لفظة «مورو» على كل عربي يملك بشرة سمراء، وعموماً على سكان شمال إفريقيا، وقد تكون شتيمة حسب طريقة النطق بها: قذر، متخلف، محتال، لص..)

قلت والضحك يسابق الحروف:

- إذن أنا خطأ تاريخي فادح، ووجودي بينكم يترجم قبحي الشاسع؟

ضحكت لورديس، فبرزت أسنانها الأمامية السوداء والمشققة.

 وقالت:

- نعم.

قلت:

- في الحقيقة، أنا لا أشعر برفض من أحد، بالعكس.

- أنت تتوهم بهذا القبول.

- إنه إحساسي، وأنا حر فيه.

- أنت مريض مثلي ومعقد.

- هذا حكمك الخاص، وأنا لا يهمني.

- إنها الحقيقة.

- أرجوك، لورديس، إذا كانت طبيعة حوارك بهذا الشكل، فأكيد سيرفضك الجميع.

سأتركك الآن، موعد الدواء قد حان. لا تهتمي، سنواصل الحديث وقتما شئت. أوكي؟

- أوكي، عبدول.

..

..

في قاعة الأكل، جلست إلى مائدة لوحدها، تقضم الخبز وتكلم نفسها.

ومن قانون المصحّة: الأكل مع الجماعة. كلٌّ وطبقه، وعلى الطبق منديلٌ لُفَّ داخل خاتم في قبضة يد من الخشب، نُقش عليه اسم كل نزيل.

حملت طبقي وجلست أمامها.

أعرف جيدًا أن الإدارة ستعاقبني.

أعرف..

والعقاب أنواع، وأشدها قسوة أن تقف أمام مرآة وتمسح زجاجها طوال اليوم.

صغيرة، تعكس فقط الوجه وتعكس مرور بعض النزلاء .

ويضعون إلى جانبك مذكرة بأوراق عذراء وقلمًا، ويطلبون منك أن تكتب كل ما تراه في المرآة من أفكار وأحداث.

وإذا عدت بالمذكرة دون حرف، أو ملأت البياض بأسماء بعض النزلاء الذين مروا خلفك، وأخذت تحدثهم عن هفوات الآخرين بدل أن تنظر إلى نفسك، يكررون العقاب في الغد.

وإذا لم تطاوعك المرآة، لك عقاب آخر:

طيلة أسبوع، لا يكلمك في المصحّة نزلاؤها ولا من يعمل تحت سقفها.

صمت..

صمت مطلق، وينبغي التفكير فقط في الخط الذي رسمته لك الإدارة.

مثلًا: لماذا حملتُ الطبق وجلستُ إلى جانب لورديس؟

يسمون حالة لورديس «الضحية». والتمادي يضاعف عزلة الفرد.. والعزلة تقود إلى الكأس ومشتقاته.

أو إلى أمراض نفسية حادة، والقيام بتصرفات غريبة وصبيانية.

وأحيانًا إلى وضع نهاية لهذا التعب بحبل أو رصاصة.

هل كان سنتياغو سجين هذا الإحساس؟

قالت لي بصوت حاد، وبحركة هستيرية:

- خذ طبقك وعد إلى مكانك.

- أنا فقط..

قاطعتني:

- أنا لا أريد شفقة من أحد، وبالخصوص من «مورو» مثلك.

طوحت بطبقها في الهواء. وتركت قاعة الأكل باكية.

بعد الأكل، طُلب مني عبر مكبّر الصوت الحضور إلى الإدارة.

أمام مديرة المصحّة جلستُ.

- هذا ما كانت لورديس تبحث عنه. لقد حققت رغبتها.

- أنا فقط..

- طوال حياتك تلعب دور المنقذ. وأنت الغارق في جحيم ورطتك.

وأضافت:

- عقابك..

قاطعتها:

- المرآة.

***

عبد الحق طوع

إسبانيا

 

في نصوص اليوم