عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

هادية السّالمي: في الطّريق إلى الضّوء

شمسٌ تغيبُ وغَيْمٌ لُبَدٌ على سطح بيت عتيق، تفوح من شقوقه روائحُ بخور مُعَتَّقٍ: مزيجٌ

مِنْ كرْمٍ ونخيلٍ وبرتقال.

فراش متآكل نهشته نَوَاجذُ الصّقيع، تنسلّ منه راويةُ.

تحاول راوية الْوقوفَ، تلملمُ أشلاء ثوبها الْمُرقّعِ، تستند إلى الْجدار الّذي يريد أن ينقضَّ، ترتكز على عكّازها الْمُقوَّسِ، تنظر في مرآتها الْمشقّقَةِ الْمعلّقة على الْجدار الْمقابل، يتجهَّمُ وجهها، وتفرّ من عينيها

دمعتان…

لقد أثقلتْ جسدَها الْمنهوكَ وجوهٌ مرصَّفةٌ

على كتفيها. كانت الْوجوهُ تَضِجُّ ظلاما.

تُعبّئها راويةُ عنبا وخزامى.

و تظَلُّ ترتقب حينا من الدّهر، لعلّ خَفَقَانًا فيها يسري أو يَخِفُّ الْحملُ على كتفيها.

يمضي الزّمنُ ثقيلا ولا الطّيْرُ على كتفيْ راويةَ نبضَ ولا الطّلُّ بالْأقحوان وشّحَهُما.

تمدُّ راوية بصرها إلى مرآتها الْمُشقّقَةِ مرّة

ثانية، وتقفزُ إلى حلْقِها

صرخةٌ مُحَزَّزَةُ الْجناحيْنِ.

هي وحدها تُدْركُ طعمَ صرختها، لأنّها تدركُ معنى أنْ تخلُوَ الْوجوهُ الرّابضةُ على كتفيها منْ فاصلة أو نقطة.

تلقي راويةُ بصرها إلى السّماء، تتساءلُ:

" من تراه يُضمِّدُ هسهسةَ هذه الرّيحِ الشّرسة

في جسدي؟؟؟ "

تتحامل على ساقيها الْمرتجفتين، تمسك بيدها الْوهنة عكّازها الْمقوّسَ الْهشَّ، ويبتلعُها الطّريقُ…

تُجرجرُها الرّيحُ الْعاتيةُ بين مسالكها الشّائكةِ

دون ظلّ يرافقها…

تتعثَّرُ… تترنَّحُ…

تمسحُ راويةُ الْغَشاوةَ عن عينيها الْمتعبتين، ولا تنفكُّ تُحَدِّقُ في الاتّجاهاتِ…

هي تُفَتِّشُ عن سَرْوَلٍ يُخفّفُ عنها وقْعَ سياطِ الرّيح فما يُطالعُها في الطَّريقِ سوى دفترٍ ظمِئٍ، ظمَّأتْهُ الْمسافاتُ والصَّبواتُ.

و تسترعي نظرها على قارعة الطّريقِ شتائلُ مِنْ صَنْدَلٍ جَفَّ باطنُهُ وخمَدَ أريجُهُ. 

على مرمى الْبصرِ، تلمحُ راويةُ ظَليما يفرُّ حسيرا وقدْ تناثرَ ريشُهُ وتهشّمَ بيضُه

و ما أجداهُ…

تضيقُ راويةُ بثرثرة الْعابرينَ، تصافحُ بوْحَ وُجُوههمْ، فتَصْخَبُ ألسِنَةُ الْملحِ على شفتيها.

تُجَرِّحُ ألسنةُ الْملحِ وجهَها الشّاحبَ،

و لا غافِقَ اللّيلَةَ يَرفعُها عن فَكَّيْ رحَى الْملحِ، ولا دمعةُ الْمَجْدَلِيَّةِ تُغْرِقُ أفئدَةَ الرّيحِ كيْما عنها يزولَ الذُّهُولُ وتتفتَّحَ

روحها الْمُرهَقَةُ على أكمامِ الْأقحوانِ…

صريرُ الرّيح في أذُنَيْ راويَةَ لا يَفْتُرُ، قدماها تَتَوَرَّمانِ من حَصَبِ الطّريقِ، نَوَاجذُ الصَّقيعِ

لا تنفكُّ تَنهَشُ خاصِرَتَها الرّخْوَةَ، والرّيحُ

لا تزال تُسَيِّرُها بين قلاعِ الْحُموضَةِ

دون غَبُوقٍ به ترتوي.

يرتطِمُ جسدُها النّحيلُ بشجرةِ سَيْسَبانٍ تمدُّ سِيقَانَها في الْمسالِكِ كُلِّها…

تَكْتُمُ راوِيَةُ صَرخَتَها، تُغْمِضُ عيْنَيْها، تحضُنُ

عكّازها… لا وقتَ للبكاءِ - تقول -

ولا للنّحيبِ والنّشيجِ…

هي هكذا تقاوم غبش اللّيل وحَصَبَ الطّريق،

و وَخَزَ السَّيْسَبانِ…

هي ما فرَّطتْ في جدائلها لغُزاة اللّيل،

و ما خلعت أبدا أساورَها مِن كمدٍ…

ما نسيت راوية أكاليل الْغار الّتي أَلِفَتْ بَوْحَها دهرًا في جنائنها.

هي تتذكّر في كلّ حين حدائقَ طَرِبَتْ لِخُطاها،

و تتذكّرُ ترابا طالما ابتهج بلمستها.

هي تتذكّر كَمْ تدانت لها الْجِنانُ وكم عزف الْڨيتار نغماتِ الضّوْءِ كلّما هفهف عطرها،

فلم يكن للظّلام عليها سلطانٌ…

تُغمضُ راوية عينيها وتُدندنُ:

" على وجه بنتِ لَكِيزٍ (*)

ذَرَى اللّيلُ أحلامَهُ يا " بُراقُ "

و وَشَّحَها باللُّهاثِ.

و كنتُ نَدَهْتُكَ مُذْ أَمَدٍ يا " بُراقُ "

لِأجْلِ السُّرى،

فَاحْتَجَبْتَ ونَجْمي خَبا.

فَهَلاّ طَوَيْتَ الْمَدَى يا " بُراقُ "

لِأجْلِ يَدي؟

أمْ تُراكَ كَفَاكَ الْجَوَى

عنْ حُضُوني ؟ "

إضاءة: بنت لكيز هي ليلى بنت لكيز وابنة عمّ الْبراق وحبيبته. أسرها أمير فارسيّ رغبة في أنْ يتزوّجها، فرفضت واستنجدت

بالْبراق وكان خارج الْقبيلة فهبّ لنجدتها

و تزوّجها.

***

(قصّة قصيرة)

بقلمي: هادية السّالمي دجبّي - تونس

في نصوص اليوم