لم أعد أكتب على الورق
بل على جدران قلبي
حيث الحبر لا يجف
وحيث الكلمات تهاجر مثل طيور تضلّ الطريق
وتعود في الليل لتنام على نافذتي.
*
أسمع في الصباح
همس أقداح الشاي وهي تتبادل الحكايات عن أصابعي
وترى في ارتجافها خريطة رحلات لم تكتمل
خطوطها ملتوية
كأنها أنهار تبحث عن مصبّ في هواء متعب.
*
قصائدي
تتكدس في درج من خشب يشيخ معي
أوراقها تتنفس ببطء
تفتح عينيها على الغبار وتنتظر اسمي
كما تنتظر زهرة برية مطرًا وعدها الغيم ولم يأتِ.
*
وأنا
أجلس في المساء قبالة النافذة
أراقب الغروب وهو يطوي المدينة
وأفكر:
ربما البحر وحده يعرف
كم من القصائد غرقت قبل أن تعثر على شاطئ.
*
في الليل
أسمع القصائد تطرق باب غرفتي
تدخل على أطراف أصابعها
تجلس عند قدمي
وتضع رؤوسها على ركبتي كأطفال أضاعوا البيت.
*
كل قصيدة تحمل في فمها رائحة مكان لم أزره
وألوان نهار لم أره
وكأنها جاءت من زمن آخر
زمن لم أكن فيه
لكنه كان ينتظرني.
*
أعرف أن بعضها سينطفئ قبل أن أفتح له نافذة
كما تنطفئ شمعة في ممرّ طويل
أو كحلم يوقظه صوت جارٍ يغلق باب بيته بعنف.
*
أحياناً
أشعر أنني أنا القصيدة المؤجلة
أنا السطر الذي لم يجد مكانه بعد
أنا البياض بين الكلمات
الذي يخشى أن يمحوه المطر أو يهمله القارئ.
*
أفكر أحياناً
لو أنني رحلت قبل أن أضعها في الضوء
هل ستعرف القصائد طريقها وحدها؟
هل ستتسلل من الدرج
وتمشي في الشوارع مثل قطط جائعة تبحث عن بيت؟
*
أخشى أن تضيع
أن تتفتت في الريح
أو أن يلتقطها غريب في محطة قطار
ويقرأها بصوت بارد
كما يقرأ نشرة الطقس في صباح ملبّد.
*
لكنني أرجو
أن أراها تقف صفاً أمام المطبعة
تحمل كل قصيدة قلبها الصغير
وترتجف فرحاً وهي تخرج إلى العالم
كما يخرج طفل للمرة الأولى
ليشم رائحة المطر.
وحين يحدث ذلك
سأجلس في مقهى قديم
أراقب المارة
وأبتسم بصمت
كأنني سلّمت للعالم آخر أسراري
وغادرت.
2
القصائد التي لم تُنشر
تجلس في الزوايا مثل أرامل صامتات
تخيط بأصابعها الخفية
ستائر الليل كي لا ينكشف العراء.
*
كل قصيدة مؤجلة
هي نافذة مغلقة على البحر
عندما تُفتح يتناثر الملح في العيون
ويبتل الهواء بذاكرة قديمة.
*
أحيانًا أشعر أن هذه الأوراق
هي الأبناء الذين لم أولدهم
أبناء من حبر،
يحملون وجهي إلى الغد
كيلا يشيخ تمامًا في مرآة الآخرين.
*
أكتب
لأن الكتابة هي اليد الوحيدة
التي ما زالت تقدر أن تمسح العرق عن جبيني
ولأنني أعرف أن الموت
سيأتي يومًا ليجمع ما لم يُنشر
كما يجمع الحصادُ سنابل نُسيت
على حافة الحقل.
*
"لكنني، قبل أن أغادر
أرجو أن أفتح أبوابها
أن أترك قصائدي تعبر إلى الضوء
ولو لحظة واحدة
مثل طيورٍ ظلت حبيسة القفص
تتعلّم الطيران
من ارتجاف أجنحتها الأولى."
3
في آخر الليل
حين يغفو البيت وتبقى النوافذ نصف مفتوحة
أصغي إلى القصائد
وهي تتهامس فيما بينها
كأن الأطفال في داخلها لا يريدون النوم.
*
كل واحدة منها تحمل لي وجهًا آخر:
وجهًا يشبه طفولتي وهي تجرح ركبتها
على أرصفة الحي
ووجهًا يشبه يد أبي
حين ارتجفت للمرة الأولى
ولم يجد ما يسندها غيري.
*
أفكر:
هل ستبقى هذه القصائد أسيرة أدراجي؟
أم ستجد طريقها إلى هواء العالم
قبل أن ينطفئ قلبي مثل مصباح قديم؟
*
أحيانًا أكتب لأحتمي من الموت
وأحيانًا أكتب كي أودّعه بهدوء
فالموت لا يهاب الكلمات
لكنه يتوقف قليلًا
حين يراها تتناثر مثل خبز ساخن
على مائدة الصباح.
*
لهذا، أرجو فقط
أن أُسلّم هذه الأرغفة الصغيرة إلى أيدي الناس
قبل أن يحين وقت المغادرة
فلا أرحل
وأنا أرى صمتي يبتلعها.
***
مروان ياسين الدليمي








