عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

غدير الزبون: فاطمة.. آخرُ امرأةٍ كانت تُهذِّبُ الصّيف

منذ سنواتٍ أصبح الصيفُ امتحانًا ثقيلًا للروح، وأخذتِ الفصول تتبدّل وتفقد ذاكرتها شيئًا فشيئا، وبات الهواء يضيق حتى يكاد المرء يفتّش عن نسمةٍ بين شُرفتَيْن، وعن ظلٍّ في مدينةٍ أكل الإسمنتُ أشجارها، وابتلعَ مارد العمران هواءها.

يا إلهي، ماذا حدث لنا؟

ثمّة شيءٌ أكثر خفاءً انكسر في العالم.

لقد صار كلّ شيءٍ أكبرَ حجمًا وأقلَّ معنى، واتّسعت البيوت حتى ضاقت بأهلها، وامتلأت الأيدي بما لم تعرفه أيدي الآباء، بينما خلت القلوب من تلك الطمأنينة التي كانت تُشيّد أوطانًا كاملةً من رغيفٍ واحد وكلمةٍ طيبة.

في هذا المساء، وأنا أتنقّل بين ثقوب البيت باحثةً عن هواءٍ لا يخنقه الحَرّ افتقدتُ الفاطمة، تلك المرأة التي كانت إذا حضرت استقامت الفصول، وإذا ابتسمت خفَّ وهجُ آب، وإذا فتحت باب البيت اتّسعت غرفةٌ واحدة لتضمَّ مدينة كاملة.

منذ رحيلها صار الصيف صيفين: أحدهما تعلنه الشمس، والآخر تعلنه الذاكرة.

أعترف أمام محكمة هذا المساء اللّاهب أنّ الهواء بدا متعبًا يلهث بين الجدران الإسمنتية، ثمّ يسقط مغشيًّا عليه، وأنّ السّماء انخفضت فوق المدينة إلى الحدّ الذي يُخيّل إليّ أنها تسند رأسها على أسطح البيوت من فرط الإرهاق.

صار الاختناق يملأ الصّدر ويفيض بثمالته ليملأ الفضاء كله.

حتى الأشجار غاضبة، وأقسمت أنها ستؤجل أوراقها المتراقصة مع الهواء إلى فصلٍ آخر.

لا أدري ما الذي حدث لكوكب الأرض؟ ولا أدري أيُّ قفزةٍ تلك التي أصابت أدمغة هذا الجيل؟

نعيش اغترابا مقيتًا مع جيلٍ يستغرب الصبر، ويستهجن القناعة، ويحسب أنّ السعادة تُقاس بما يُشترى.

كلما سمعتُ أحدهم يشكو من ضيق الحياة رغم امتلاء يديه تذكرتُ بيتنا القديم، وازداد يقيني بأنّ الوفرة تكمن فيما يملأ القلوب.

في هذا المساء أعترفُ مجدّدا أنّ اسمكِ عبَرَ قلبي كما تعبر نجمةٌ وحيدة سماءً صيفية.

طبتِ مساءً يا فاطمة...وأمام سيرتكِ تُرفع القبعات.

لقد كنتِ فصلًا كاملًا من فصول البيت، تدخلين المطبخ فيصبح الشتاء أكثر دفئًا، وتفتحين النوافذ فيتراجع الصيف خطوةً إلى الوراء خجلا من حرّه أمام ابتسامتك الساحرة.

كنتُ أتظاهر بحبّ الصيف لأنك كنتِ تحبينه.

كنتِ تقولين إنّ الشمس أمّ القمح، وإنّ التين لا ينضج إلا إذا صبر على حرّها، وإنّ العرق الذي يسيل من جبين الفلاح هو الماء الحقيقي الذي تشربه الأرض.

كنتُ أصدّقك، ولا زلت كذلك، لأنك كنتِ تجعلين لكلّ شيء معنى.

أما اليوم، فقد صار الصيف عبئًا ثقيلًا، وصرتُ أمقته مقتًا شديدًا.

اكتشفت يا فاطمتي الجميلة، ولو متأخرًة أنّ الذي كنتُ أحبه لم يكن الفصل، لقد كان حضورك فيه.

إي والله يا ملهمتي.

كان الصيف معك ساكنًا للجمال، وكانت الأيام تمشي على مهل، وكان الزمن يجلس في ظل التينة ليستريح.

أعود بذاكرتي إلى ذلك البيت الذي لم يكن واسعًا على مقاييس الهندسة، لكنه كان يتسع للعالم كله.

غرفة واحدة...حدودها الجدران الحجريّة، وسقفها السماء، وأبعد من السماء رحابةُ قلبك.

في تلك الغرفة كانت الحياة تتوزع بعدالةٍ لا تعرفها المدن الحديثة.

تسعة أبناء، والجدة التي كانت تحفظ أسماء النجوم أكثر مما تحفظ أسماء الشوارع، وأعمام وعمات أثقلتهم السنون، وضيوف لا يُسألون متى يرحلون.

كان المكان يضيق بالأجساد، لكنه قطعًا لا يضيق بالحبّ.

ولم أركِ يومًا تحسبين عدد الأرغفة قبل أنْ تقسميها، ولا عدد الوسائد قبل أنْ تفرشيها، ولا عدد القلوب التي تنتظر منك كلمةً حانية.

كنتِ تعرفين بفطرة الأمهات أنّ البركة لا تُولد من كثرة الموجود، وإنما من الجود بما هو موجود.

كم يبدو هذا الدرس بعيدًا عن هذا الزمن!

الآن تملك البيوت غرفًا أكثر، لكنها تحتضن بشرًا أقلّ، والموائد باتت أطول، والأحاديث للأسف أصبحت أقصر.

أنظرُ حولي فأرى كلّ الأبواب محكمة الإغلاق، والقلوب أشدّ إحكامًا، إذْ صار لكلّ فرد عالمه الخاص، بينما كنتِ أنتِ عالمنا جميعًا.

أتذكركِ عند الغروب بملامحكِ الحنطيّة التي لوّنها القمح وصافحتها الشمس.

ولكِ أنْ تتخيّلي أنني ورغم ضعفي في الرسم إلّا أنني بارعة في رسم العينين الواسعتين اللتين كانتا تقرآن وجوهنا قبل أنْ نتكلم.

أشتاقُكِ يا صاحبة الكفّين الناعمتين اللتين صقلتهما عجينة الخبز، وحطب الشتاء، ومواسم الحصاد.

أشتاقُ وجهك بتجاعيده الملكيّة التي تبدو كخرائط لكنزٍ قديمٍ دفينٍ لعمرٍ أنفق نفسه في صناعة الآخرين.

حتى صوتكِ كان له هيئة الظلّ.

إذا ارتفع قليلًا عاد البيت إلى نظامه، وإذا لانَ نام الخوف في قلوبنا.

ولم يكن في قاموسكِ شيء اسمه المستحيل، فكلّ أزمة كنت تجدين لها بابًا، وكلّ ضيقٍ تفتحين له نافذة، وكلّ نقصٍ تملئينه بحكمةٍ لا تُدرَّس في الجامعات.

هي حكمةٌ تُولد مع الأمهات اللواتي يشبهن الأرض، وأنت يا فاطمة، الحبيبة، والأرض، والوطن المشتهى، والفصول قبل أنْ تفقد ذاكرتها.

لهذا، كلما ضاقت بي الدنيا أبحث عن تلك الغرفة القديمة.

أبحث عن صحنِ البئر البارد، وعن رائحة الطابون، وعن إبريق الماء الفخاري، وعن حصيرٍ جمعنا كتفًا إلى كتف، وعن ضحكةٍ كانت تكفي لتطرد الحرّ من آب اللّهّاب.

وأعترف في كلّ مرة أنّ الأمكنة تموت عندما يغيب الذين كانوا يمنحونها روحها.

لهذا لم يعد الصيف كما كان، ولن يعود؛ لأنّ فاطمة رحلت، وأخذت معها السرّ الذي كانت تُجمّل به الفصول، وتُهذّب به الزمن.

ولا زالت تُعلّمنا أنّ السماء مهما ضاقت فوق الرؤوس تتسع دائمًا لقلب أمّ.

فجأة ابتسمتْ أمي وهي تنظر إليّ، ثم قالت بصوتها الذي يشبه ظلَّ شجرة التوت في ظهيرة آب:

"يا بنتي... لا تخافي على العالم كثيرًا".

قلتُ لها وأنا أتشبث بكفها:"ولكنْ يا أمّي، لماذا صار كلُّ شيءٍ خانقًا؟ الهواء، والوقت، والقلوب، وحتى الصيف؟"

هزّت رأسها في هدوء، وقالت:"لأنّ الناس كبروا في البيوت، ولم يكبروا في القلوب، فما عاد أحدٌ يجد مكانًا في قلب أحد".

ساد الصمت.

رأيتُها تقوم ببطء، تُسوّي طرف منديلها الأبيض، وتمضي نحو الباب.

وقبل أنْ تعبر العتبة التفتت إليّ، وقالت مبتسمة:

"عندما تكتبين عنّي... لا تكتبي أنني ربّيتُ تسعة أبناء، اكتبي أنني حاولتُ أن أُربّي قلبًا يتّسع لهم".

ثم اختفت.

في اللحظة نفسها أفقتُ على ارتطام كتابٍ كان قد انزلق من حجري إلى الأرض.

فتحتُ عينيّ.

كانت الشمس ما تزال معلّقة فوق الشرفة، والغرفة خالية، والكوب الذي تركتُه قبل قيلولتي لم يبرد بعد.

مددتُ يدي باحثةً عن كفِّ أمّي...

لم أجد سوى دفءٍ غامضٍ يملأ راحة يدي، وكلماتٍ لا تزال تتردّد في الهواء:

"ليست الأمهاتُ مَن يرحلن... لكنّنا نستيقظ متأخرين".

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

في نصوص اليوم